ضد الإنسان «الدودة» الإشتراكية لا توقف التطور
محمد المعوش محمد المعوش

ضد الإنسان «الدودة» الإشتراكية لا توقف التطور

القول بأن المرحلة اليوم تمثّل حالة قطع مع 500 عام من عمر البشرية في عصرها الرأسمالي، يعني أن نوعية الانتقال عميقة وحادة، ولا ترتبط فقط بالـ500 عام الرأسماليات الأخيرة. إنها تشكّل قطعاً مع التاريخ البشري كلّه في مرحلة انقسام المجتمع إلى طبقات متصارعة. وهذا له دلالاته على مستوى الصراع الفكري. فالقضايا التاريخية الفلسفية والاجتماعية السابقة كلّها مطروحة على طاولة الحل، وبالتالي: الصراع. هل لنا إذاً أن نتصور مدى وزن هذا المستوى من الصراع، ومدى ضرورة خوضه؟ وهذه الأفكار تشكل اليوم مادة الهجوم الرأسمالي على الاحتمالات القادمة، وأهمها: الاشتراكية والشيوعية توقفان التطور، فيسود الجمود!

القطع التاريخي والقضايا الأوضح

هذا القطع التاريخي عبّرت عنه الماركسية بشكل واضح عندما قالت: إن الطبقة العاملة (كتعبير عن الاتجاه الأكثر ثورية في المجتمع) عندما تحرر نفسها، ستحرر المجتمع بأكمله وهي بذلك ستنفي نفسها كطبقة، وتتجاوز المجتمع الطبقي ككل. واليوم، وفي ظل التهديد الوجودي للبشرية ككل، توسعت القاعدة التاريخية للخط الثوري. وبسبب تطور العقود الماضية، والذي استغلت به الرأسمالية هوامشها التاريخية، ومنها: هامش الليبرالية، ظهرت كل القضايا التي كانت في المرحلة الثورية الأولى في القرن الماضي كقضايا نظرية. وباتت اليوم مسائل مطروحة عملياً. وكونها كذلك، صار من الضروري الإجابة عنها كذلك عملياً، ولكن قبلها يجب التأسيس لها نظرياً، فالانتصار في معركة الانتقال يتطلب الهيمنة الفكرية للخط البديل بالضرورة. هكذا شدد غرامشي. والرأسمالية تدرك ذلك أيضاً، ولهذا فهي تستدعي كل عتادها النظري والفلسفي، القائم تحديداً على تراث الفكر المثالي والرجعي. وها هي تعلن عبر رموزها المصطنعين، وأبرزهم عالميا اليوم، «الفيلسوف» يوفال نواه هراري صاحب الهوية «الإسرائيلية» الذي تباع كتبه بملايين النسخ عالمياً، مترجمة إلى مختلف اللغات، والذي يتلقفه أيضاً تيار واسع من جيل اليسار. فهراري بذاته أعلن أن كل القضايا الفلسفية تطرح اليوم للحل أمام البشرية، وها هو يتصدى للإجابة عن بعضها، طبعا في قصد تشويهها، ومنها: فكرة الرفض المسبق لاحتمالات ظهور «دول شمولية» بعد تراجع الدول المأزومة اليوم، وقصده دول بملامح اشتراكية، ومنها أيضاً: فكرة السؤال الفلسفي حول معنى الحياة وجدواها.(مراجعة مواد قاسيون: الرأسمالية المرعوبة تشاركنا التحليل مرغمة، ولكن! و: الهجوم ثم الهجوم، ضد بقايا النظام الذي يموت).

تهمة «توقف التطور»

من هذه الأفكار المروجة التي تعود اليوم إلى الواجهة، هي أن الاشتراكية والشيوعية كأنظمة اجتماعية، ترسيان واقعا يبعث على الرضا، ومنها ينبع أن البشرية لن يعود لها غاية للحياة، وبالتالي سيتوقف التطور والعمل والتقدم التاريخيين. هذه الفكرة مطروحة عملياً اليوم، فمع انهيار النمط الحالي، القائم على الاستهلاك والعمل المأجور، ما هو النمط البديل الذي سيعيش فيه الإنسان، وسيبقى مولداً للمعاني الوجودية القادرة على تشكيل دافعية التقدم والتطور؟
لنعالج هذه الفكرة ليس من باب أن: الرأسمالية نفسها اليوم أصبحت عائقاً أمام التطور لأنها تعزل الثروة وأدواتها وخط التطور العام عن الأغلبية الساحقة من البشرية، بل من باب المعالجة الإيجابية والتي مرّت عليها الماركسية في غير مناسبة. ولكن من الضروري تعميقها وخوض المعركة على أساسها ضد هذه الفكرة الخادعة القائلة بتوقف دافعية الإنسان عند تحقيق قاعدة عادلة ومرضية للإنسان.

صراع مزدوج

يقول ماركس: إن الإنسان لا يخوض فقط صراعاً مع النظام الاجتماعي القائم، بل مع الطبيعة أيضا. ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن بناء نظام اجتماعي عادل وإنساني على قاعدة التخطيط الجماعي والملكية الجماعية للثروة سيفتح الباب واسعاً لحل القضايا التي لا زالت البشرية تطرقها من بعيد، ألا وهي تطويع الطبيعة لصالحها بالمعنى التاريخي. وهذا ينقسم إلى عدة مستويات. المستوى الأول: مباشر وهو السيطرة على بيئة العيش وما يعنيه ذلك من إنتاج للموارد وتجددها والحماية من الكوارث الطبيعية الكبرى كالزلازل والأعاصير والبراكين وغيرها من الأخطار الكونية القريبة من كويكبات وتبدلات في ظروف المجموعة الشمسية الكوكبية التي نحن فيها... ومن المستويات الأخرى: السيطرة على مسألة السيطرة على تجدد الخلايا البشرية، المرتبط مباشرة بإطالة أمد الحياة. فالجسم البشري هو جزء من الطبيعة التي ينبغي السيطرة عليها، وعلى أمراضه وما قد يصيبه من خلل. ومن المستويات غير المباشرة للسيطرة على الطبيعة مرتبط بجانب حياتي ومعنوي، ألا وهو توسع الإنسان في الكون. توسيع اكتشافه له، والاستيطان على الكواكب الأخرى. هذا بدأنا نرى ملامحه الأولى، ولكن في ظل النظام الرأسمالي، لا زال خاضعاً لأهداف هذا النظام، العسكرية أو الربحية.
في تلك المرحلة إذاً سينفتح عصر العلوم، الذي على الرغم من قدراته التي ظهرت في المرحلة الرأسمالية، فلا زال خاضعاً لحدود علاقات النظام الرأسمالي وغاياته.
نجد بعضاً مما سبق في مقدمة كتاب: ثورة «ماو» الثقافية، للروائي العالمي الماركسي ألبرتو مورافيا في حديثه عن الضروري والكمالي، والتحول من حضارة الاستهلاك و«إفراز الفضلات» على مختلف أشكالها، إلى حضارة نوعية أقل «انتفاخاً» و«تنتقل من حالة الإفراط الراهنة إلى أبعاد جوهرية»، حيث التكنيك «يمكنه تماماً أن يغير اتجاهه غداً، فيسير نحو الالتقاء باحتياجات المجموعات الإنسانية النادرة، الفقيرة.» بدل التقائه اليوم بحاجات الاستهلاك. ويقصد مورافيا بالمجموعات الفقيرة، تلك التي تنتقل من حالة الكماليات «ومظاهر الثراء» إلى حالة «الضرورة» والعلاقة مع العالم انطلاقاً من الحاجات الموضوعية، لا الحاجة الوهمية المخلوقة من قبل آلة صناعة الاستهلاك والخضوع لأسْر الأشياء لا عمليات إنتاج الحياة.

الحاجات المتطورة

انفتاح عصر العلوم بغاية السيطرة على الطبيعة، الخاصة (جسم الإنسان) والأوسع (المحيط الكون)، هي بحد ذاتها ليست خياراً إرادياً. إنها نابعة من تطور الحاجات الموضوعية للإنسان بعد تخطيه حياة القلة أولاً، وثانياً: عبر تحقيقه الفعلي للإمكان الذي تأسس في مرحلة الليبرالية، أي: ظهور الذات الإنسانية على مسرح التاريخ من باب القوى المقهورة. تلك الذات وحاجاتها للتحقق والاعتراف، لا من خلال القالب الليبرالي الاستهلاكي الفرداني، بل من الباب الاجتماعي حيث تحقق الفرد والاعتراف به نابع من دوره الحقيقي المرتبط بمصير المجتمع ككل، أي من موقعه في تطور المجتمع والإنتاج الحقيقي للحياة والتقدم.
نحن لا نعلم بالتحديد اتجاه التطور بشكل مسبق، ولكن بالعام، إن هذا التطور في الحاجات سيوسع بالضرورة أفق الفضول الإنساني، ورغبته بالمعرفة وتوسيع الآفاق. فالسيطرة على الواقع والمحيط نابعة ولا شك من حاجة الفرد لتحقيق وجوده. ناهيك عما سيظهر من إشكالات جديدة في سياق التطور الجديد، والتي سيتتطلب حلاً بالضرورة. الحاجات إذاً متطورة مع التطور الاجتماعي، وإرضاء لمستوى سيزيح المكان لظهور أخرى، ربطاً بقاعدة أساسية، أن ضعف الإنسان أمام الكون، وخضوعه لقانون فنائه الفردي والجماعي، يؤسس لدافعية تاريخية غير قابلة للتوقف.

ضد مقولة الإنسان «الدودة»

بالعودة إلى مورافيا، الإنسان الاستهلاكي لا وجود لنفس مستقلة له. إنه «أمعاء» حسب تعبيره. «هذه الأجسام لا تفعل شيئاً سوى أن تبتلع وتهضم ثم تلفظ» كل بضاعة، ثقافة كانت أم ثياباً أم بقية الأشياء «الكمالية». إنه كالـ«دودة».
لهذا فإن الإنسان بهذا المعنى سيتوقف تطوره إذا ما حصل على أشياء استهلاكه بوفرة. ولكن الإنسان الفعلي يسعى لكي يكون لوجوده معنى. وهنا يظهر أن التطور الإنساني لن يتوقف مع الاشتراكية، بل سيبتدأ معها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
969
آخر تعديل على الإثنين, 08 حزيران/يونيو 2020 12:19