الطيور بدلاً من السموم لحماية المحاصيل
أندي ماكغلاشن أندي ماكغلاشن

الطيور بدلاً من السموم لحماية المحاصيل

في شمال شرقي ميشيغان، من المرحب دوماً بقدم السيّاح الجائعين إلى منطقة زراعة الكرز. لكنّ جائعين آخرين غير مرحب بهم في المنطقة: فئران الحقل والسوس وذباب الفاكهة والجنادب وطيور الآفات التي تسبب ضرراً بالغاً للمحاصيل المحلية.

تعريب وإعداد: عروة درويش

فطيورٌ مثل واكسوينغ الأرز وأبو الحن الأمريكي وغيرهما يكلفان مزارعي الكرز الحلو أكثر من 4.3 مليون دولار سنوياً، ومن أجل حماية قواعدهم من الطيور المزعجة استخدموا ترسانة غريبة.

تخيف مدافع البروبان أسراب الطيور بطلقاتها الأسطوانية وكذلك تفعل مكبرات الصوت التي تبثّ أصوات مزعجة والمناطيد ذات الأعين التهديدية. لكن لا يطول الوقت حتّى تكتشف الطيور الذكية بأنّ هذه الأشياء مجرّد تهديدات فارغة، وتستمرّ بعدها بأكل وجبتها.

لكنّ بعض البستانيين المحليين نجحوا منذ بداية التسعينيات بضمّ مساعدين طبيعيين ذوي عضات حقيقية: مثل صقور العوسق الأمريكية، وهي صقور صغيرة تتحرّك بلهفة بعد أن يضع المزارعون صناديق أعشاشها ضمن نطاق الآفات الزراعية. فالجوارح بالنسبة للمزارعين تزودهم بخدمات مهمّة وزهيدة الثمن. وبالنسبة للعوسق، وهو الصقر الأكثر انتشاراً في أمريكا الشمالية والذي تناقصت أعداده إلى قرابة النصف خلال نصف القرن الماضي، يزودها مثل هذا الترتيب بموطن مريح وحميمي.

لكن ليس مزارعو الكرز وحدهم من يشكلون حلفاً مع الطيور، ففي مقالٍ حديث راجع واستنتج الباحثون من جامعة ولاية ميشيغان بأنّ المزارعين الذين وضعوا بنى وخططوا أراضيهم ليجذبوا إليها الطيور والخفافيش وغيرها من الفقاريات، بإمكانهم أن يعززوا أرباحهم ويقللوا من استخدام المبيدات الحشرية ويحافظوا على الحياة البرية.

تقول عالمة الأحياء ورئيسة الباحثين كاثرين ليندل: «هناك أنواع تقدم خدمات لنا عندما تعيش في مناطق زراعية، وعادة ما نكون غير واعين لوجودها. وكلما فهمنا الخدمات التي تقدمها لنا أكثر، كلما كنّا قادرين على تقوية خدماتهم عبر منحهم المصادر التي يحتاجونها».

  • من نيوزلندا إلى كاليفورنيا:

لاحظت ليندل وزملاؤها بضعة حالات. عندما قدّم العلماء لكروم نيوزلندا صقوراً محلية معرضة للانقراض، أبعدت هذه الطيور الجارحة 80% من طيور الآفات وقللت عدد الكروم التي يتم نزعها بنسبة 95%، وهو ما وفّر على الكرامين أكثر من 300 دولار للهكتار الواحد. دلّت أبحاث أخرى على أنّ صقور العوسق الأوربي وبوم الحظائر قد تساعد على التحكم بالقوارض في الحقول الإسبانية.

الجوارح ليست هي الطيور الوحيدة التي لها فوائد تحكّم بالآفات: فوضع أعشاش لعصافير مغنية صغيرة أدّى لتقليص أخطار اليرقات في بعض بساتين التفاح في هولندا. وفي المناطق التي وضعت فيها أعشاش العصافير الزرقاء المغردة تقلصت بشكل ملحوظ الحشرات الآكلة لأوراق الشجر.

وهناك دراسات أخرى تحقق في إمكانية تصميم أرضٍ زراعية لجذب طيور نافعة. فإحدى الدراسات على سبيل المثال تظهر بأنّ تزويد الأرض ببعض الموائل الطبيعية يمكنه أن يجذب الطيور التي تقتات على الحشرات المؤذية.

تعمل ليندل وتلميذتها ميغان شيف منذ 2012 من أجل تحسين إدراكنا للدور الذي يمكن للجوارح أن تلعبه من أجل دعم زراعة الفواكه في ميشيغان. تظهر النتائج الأولية بأنّ طيور الآفات هي أقلّ غزارة بكثير في البساتين التي تحرسها صقور العوسق. فوفقاً لدراساتهم ستولّد المحاصيل التي تمّ تفادي ضررها 2.2 مليون دولار سنوياً كعائدات إضافيّة لو أنّ جميع مزارعي الكرز في الولاية وضعوا أعشاش صقور في مزارعهم. وخلافاً للمناطيد أو الأصوات العالية، تشكل الصقور خطراً حقيقياً يكفي وجوده لإخافة أسراب طيور الآفات.

  • مبيدات حشرية وسموم أقل:

ليست هذه الفكرة جديدة: فقد أنشأت وزارة الزراعة الأمريكية وحدة «علم النباتات الاقتصادي» منذ 1880 من أجل دراسة الطيور التي تسيطر على الآفات. لكن تمّ حلّ هذا الكيان في 1940 في ذات الوقت التي كانت فيه المبيدات الحشرية الصناعية مثل «DDT» تغزو الأسواق ويتمّ تقديسها كمعجزة للسيطرة على الحشرات التي تنشر الأمراض وتخرّب المزروعات.

بحلول الستينيات، بدأ العلماء يفهمون الآثار البيئية الخطيرة لهذه المركبات الكيميائية. فصّلت ريتشل كارسون في كتابها الهام لعام 1962 «الربيع الصامت» كيف يتراكم «DDT» على الطيور ويجعل قشرة بيضتها رقيقة جدّاً لحماية صيصانها، ممّا أثار المخاوف من مستقبل خاوٍ من العصافير. بعد عقد من ذلك تمّ منع «DDT»، وبدأت فصائل من الجوارح وغيرها من الطيور تنتعش من جديد.

لكن بعد ذلك غزت مبيدات حشرية كيماوية أخرى الأسواق. يتمّ استخدام أكثر من مليار رطل (500 مليون كلغ) من المبيدات الحشرية في الولايات المتحدة كلّ عام، وأكثر من 5.6 مليار رطل (2.5 مليار كلغ) حول العالم. يشير العلماء بشكل مستمر إلى المخاطر الصحية المحتملة لهذا الاستخدام واسع النطاق، حيث هناك روابط مباشرة للمبيدات الكيماوية بالتغيّر الجيني والسرطانات وباضطرابات الغدد الصماء وبالاعتلالات العصبية وبمشاكل الصحّة العقلية والإنجاب.

وكردّ فعل على ذلك، بات المزارعون والباحثون مهتمين أكثر فأكثر بالفوائد التي يمكن للطيور أن توفرها في الحقول.

ليس واضـحاً في هذه المرحلة كميّة المبيدات الحشرية التي يمكن موازنتها بالشراكة مع الجوارح الطبيعيين. تقول ليندل وهي تصف الطيور النافعة: «إنّها أداة واحدة من بين مجموعة الأدوات» المتكاملة للتعامل مع الآفات.

وقد حذرت بأي حال هي وفريقها من أنّ على المزارعين الذين يعتمدون على الجوارح أن يتجنبوا استخدام المواد السامّة للسيطرة على الآفات باعتبار أنّ السموم يمكنها أن تصل إلى أعلى الهرم الغذائي لتقتل الطيور وغيرها من الحيوانات. وجدت دراسة أجريت في جامعة كاليفورنيا بأنّ ثلاثة أرباع الجوارح والوشق والقيوط وغيرها من الحيوانات البرية قد ثبت وجود مبيدات قوارض في دمها.

تقول لويزا فياني مديرة مشروع «الجوارح هي الحل» في معهد إيرث لاند الذي يعمل لوقف استخدام مبيدات القوارض: «يحبّ الناس أن يعتقدوا بأنّ علينا أن نضع سماً ضمن عدّة أدواتنا، لكنني أقول لكم بأنّه من غير الممكن أن نفعل الشيئين في وقت واحد. نعتقد بأنّه من غير المنطقي أن نبني عشاً للبوم ثمّ نقوم بإغوائه بالمضي إلى حيث نضع السم. الخلاصة: هل نريد لهذه الجوارح أن تساعدنا في السيطرة على القوارض أم نريد أن نسممها؟».

وقد أشارت فياني إلى أنّه في معظم الحالات ستكون الجوارح كافية للسيطرة على القوارض. أشارت إلى دراسة حديثة صادرة عن وحدة الحماية في جامعة مقاطعة فينتورا التي تعمل على السيطرة على القوارض التي تحفر في الأرض والتي يمكن أن تسبب مشاكل في السدود والأرصفة. أشارت الدراسة بأنّه في الحواجز التي يبني فيها العمّال قسماً لجذب الجوارح، يقلّ الضرر الناجم عن السناجب الأرضية أكثر ممّا يحدث في الأماكن التي يتمّ فيها استخدام مبيدات القوارض. نصحت الدراسة باستبدال السموم بنظام جوارح، مشيرة إلى أنّ المقاطعة سوف توفّر أكثر من 7500 دولار سنوياً عن كلّ ميل من الحواجز.

وفي دراسة أخرى في كاليفورنيا تمّ بناء صناديق أعشاش لبوم الحظيرة في موقع مخصص للبحث، بحيث وصل أعدادها إلى 102 بوم على مساحة 40 هكتار من الكروم. قتلت الطيور أكثر من 30 ألف قارض على طول ثلاثة مواسم تزاوج، وذلك بأجزاء تافهة من تكلفة تسميمها.