لماذا تريد أمريكا غرينلاند؟ قراءة في اللوجستيات والمنافسة والعسكرة الجديدة
في مطلع عام 2026، أثار تجدّد اهتمام أمريكا بغرينلاند- وبالمنطقة القطبية الشمالية الأوسع- مواجهةً جيوسياسيةً محتدمة. علينا أن نفهم قبل أيّ شيء أنّ سلوك أمريكا لا تحرّكه نزوات عابرة أو مجرد «حِرَفية دولة»، بل قوى بنيوية أعمق ترتبط بالرأسمالية الإمبريالية. نحاول أن نستكشف كيف يقوم «الاستخراج Extractivism» وأمن سلاسل الإمداد وعسكرة المجالات الاستراتيجية بتأسيس أجندة واشنطن القطبية، وكيف تستمر العلاقات الاستعمارية رغم «نزع الاستعمار» الرسمي. باتت غرينلاند نقطة التقاء بين المراقبة العسكرية، واستخراج الموارد، والتحكم اللوجستي. ما يُسوَّق بوصفه حمايةً لـ«الأمن» أو «الاستقرار» هو، مادياً، دفاعٌ عن إدامة التراكم الرأسمالي، وعن الهيمنة الاستراتيجية، علاوةً على ذلك.
غرينلاند في الجغرافيا الإمبريالية الأمريكية
وصف لينين الإمبريالية بأنّها «أعلى مراحل الرأسمالية»، حيث تقوم الدول الرأسمالية المتقدمة بتقسيم العالم، وإخضاع المناطق الأقل تطوراً لاستخراج الموارد وتأمين الأرباح. تظل هذه المقاربة قائمة اليوم: فالقوى الرأسمالية الغنية «مثل: أمريكا» تدفعها البنى إلى التوسع من أجل الحصول على أسواق جديدة، ومواد خام وموطئ قدم استراتيجي. توجد الإمبريالية من حاجة الرأسمالية إلى حدود جديدة للتراكم. وغرينلاند، الغنية بمعادن غير مستثمرة والمتموضعة عند تقاطع استراتيجي، تمثل مثل هذه «الحدود» في الرأسمالية المتأخرة. تضيف نظرية التبعية أن مناطق الأطراف قد تبقى، حتى بعد الاستعمار الرسمي، معتمدةً اقتصادياً وخاضعةً سياسياً لدول المركز الرأسمالي. ويُعاد إنتاج التطور اللامتكافئ و«إنتاج التخلف» حين يتحكم المركز بتدفقات رأس المال والتكنولوجيا، بما يحوّل أماكن، مثل: غرينلاند إلى طرفٍ استخراجي.
الأمر الآخر الذي تزودنا به النظرة الماركسية للأمر، هو إدراك كيف تسعى الرأسمالية لتجاوز أزماتها بفتح مجالات جديدة للاستغلال. إن تزايد إمكان الوصول إلى القطب يقدم «إصلاحاً مكانياً» من هذا النوع: مجالاً جديداً للاستثمار، واستخراج الموارد، والتوسع العسكري–العملياتي. ويُعد الاستخراج «بمعنى الاستغلال المكثف للموارد الطبيعية للتصدير» والقوة اللوجستية «أي التحكم بسلاسل الإمداد ومسارات النقل» مفهومين أساسيين لفهم جاذبية القطب.
تنظر الاستراتيجية الإمبريالية إلى غرينلاند نظرةً أقل بوصفها جماعة سياسية ذات سيادة، وأكثر بوصفها فضاءً استراتيجياً: موقعاً تُحدده فائدته لإسقاط القوة، والوصول إلى الموارد، والمراقبة. في الجغرافيا الإمبريالية الأمريكية في القرن 21، تعمل غرينلاند كعقدة حاسمة في القطب، وفي شمال الأطلسي، على نحو يشبه مواقع الاستيطان–التحصين الاستعمارية في الماضي. غالباً ما يختزل الخطاب الأمريكي غرينلاند إلى موقعها وبناها التحتية وجيولوجيتها، مع تقليلٍ من شأن وكالة سكانها البالغين 56,000 نسمة. تصف تصريحات رسمية غرينلاند بأنها «متموضعة استراتيجياً» و«غنية بالمعادن» وأنها حيوية لأمن أمريكا، بما يوحي أن السيطرة المحلية، أو حتى الدنماركية مسألة ثانوية.
يتسق النمط التاريخي مع تحليل لينين لقيام القوى الإمبريالية بالاستيلاء على الأراضي لتحقيق ميزة: فأمريكا «طَمِعَت» في غرينلاند منذ زمن طويل «تعود عروض الشراء إلى عامَي 1867 و1946». خلال الحرب الباردة، أنشأت أمريكا قاعدة ثولي الجوية في شمال غرب غرينلاند، وحولت قرية الإنويت بيتوفّيك إلى منصة للإنذار المبكر النووي وللمراقبة الفضائية. واللافت أن أكثر من 100 من السكان الأصليين نُقلوا قسراً عام 1953 بقرار من السلطات الدنماركية وبطلب أمريكي لتوسيع نطاق الأمان حول القاعدة. هذا التهجير، المبرَّر باسم دفاع القوى العظمى، كان مثالاً على كيفية تغليب الجغرافيا الإمبريالية على حياة الناس. اليوم، ما تزال ثولي حجر زاوية في بنية الدفاع الأمريكية العالمية، وتستضيف أنظمة إنذار صاروخي ومنشآت تحكم بالأقمار الصناعية.
في الخرائط الاستراتيجية الأمريكية، تنبع قيمة غرينلاند من كونها «حاملة طائرات» غير قابلة للغرق في القطب: موقع لأصول عسكرية تحرس مداخل أمريكا الشمالية وتراقب أنشطة روسيا عبر القطب. كما تُصوَّر بوصفها مخزناً لمواد خام حرجة. كثيراً ما تشير وثائق سياسات ومراكز تفكير أمريكية إلى عناصر غرينلاند الأرضية النادرة، واليورانيوم، ومعادن أخرى بوصفها أساسية للصناعة والدفاع. وهكذا تُقدَّم الجزيرة كخزان موارد ينبغي تأمينه. هذا التأطير المكاني- غرينلاند بوصفها موقعاً وجيولوجيا- يعكس ما قد يسميه الجغرافي النقدي نيل سميث «إنتاج الفضاء» في ظلّ الإمبريالية: تُنتَج غرينلاند خطابياً كفضاء استراتيجي- استخراجي داخل المدار الأمريكي. تُهمَّش سيادتها، حتى إن أحد مسؤولي البنتاغون في 2025 تساءل عن سبب «حق» الدنمارك في حكم غرينلاند، بما يقوّض فكرة غرينلاند بوصفها ذاتاً سياسية.
الاقتصاد السياسي للقطب الشمالي
تُعيد أزمة المناخ، حرفياً، رسم خريطة التراكم الرأسمالي في القطب. فمع ارتفاع الحرارة وذوبان الجليد البحري والتربة الصقيعية، تُفتح مناطق كانت غير متاحة للملاحة والاستخراج. تقف غرينلاند في مقدمة هذه الحدود الجديدة للتراكم. يكشف انحسار الغطاء الجليدي أراضٍ غنية بالمعادن، ويطيل موسم الاستكشاف المنجمي، كما أن احتمال تشكل مسارات شحن عابرة للقطب جذب الاهتمام بمرافئ غرينلاند. يدفع رأس المال- على طريقته التقليدية- نحو «آخر الحدود» للاستحواذ على ثروات غير مستثمرة. يُعتقد أن باطن غرينلاند يحتوي على رواسب واسعة من المعادن الحرجة: عناصر أرضية نادرة ضرورية لتطبيقات تقنية وعسكرية عالية، إضافة إلى اليورانيوم والزنك وخام الحديد ومعادن مجموعة البلاتين، وربما النفط والغاز قبالة السواحل.
تحت شعار «تأمين سلاسل الإمداد»، ركزت الاستراتيجية الصناعية والعسكرية الأمريكية على هذه الموارد. وبخاصة العناصر الأرضية النادرة، التي تحولت إلى هوس استراتيجي: هذه العناصر السبعة عشر «مثل: النيوديميوم والديسبروسيوم وغيرها» لا غنى عنها لمغانط الطائرات المقاتلة والصواريخ والسيارات الكهربائية. اليوم تعتمد أمريكا بدرجة كبيرة على الصين في معالجة العناصر الأرضية النادرة. وبحسب بعض التقديرات، تمتلك غرينلاند أكبر احتياطات للعناصر الأرضية النادرة خارج الصين، بما يشمل مكامن كبيرة في كفانفيلد وتانبريز جنوبي الجزيرة. ويقدّر الجيولوجيون احتياطي غرينلاند من العناصر الأرضية النادرة بنحو 1.5 مليون طن متري «رقم يقارب إجمالي احتياطات أمريكا». كما وجد مسح عام 2023 أن 25 من أصل 34 معدناً تُعد «حرجة» لدى الاتحاد الأوروبي «مثل: الغرافيت والليثيوم والكوبالت والنحاس» موجودة في غرينلاند. هذا الغنى يجعل غرينلاند «إلدورادو» مواردياً في زمن التحول الطاقي الأخضر- وجائزةً في التنافس الاستراتيجي على سلاسل الإمداد الناشئة.
الاهتمام الأمريكي بمعادن غرينلاند ليس نظرياً فقط. اتخذت أمريكا في السنوات الأخيرة خطوات نشطة تُشبه «دبلوماسية المعادن». ففي 2020 أعادت أمريكا فتح قنصلية في نوك، وقدمت حزمة مساعدات بقيمة 12 مليون دولار تهدف جزئياً إلى مسح الموارد المعدنية- وهي خطوات فُهمت على نطاق واسع باعتبارها ردّاً على تنامي الاهتمام الاقتصادي الصيني. وبحلول 2025، تصاعد الانخراط الأمريكي: أصدر بنك التصدير والاستيراد الأمريكي خطاب اهتمام بقرض قدره 120 مليون دولار للمساهمة في تمويل مشروع «تانبريز» للعناصر الأرضية النادرة. سيكون ذلك من أوائل مشاريع التعدين في غرينلاند المدعومة أمريكياً، بما يربط مشروعاً موارديّاً رئيسياً بالمدار الأمريكي. وبالمثل، أفيد بأن مسؤولين أمريكيين ضغطوا لمنع مستثمرين صينيين من الاستحواذ على مشروع منجم كبير للعناصر الأرضية النادرة «كفانفيلد». وفي 2021، أقر برلمان غرينلاند- استجابةً لمخاوف بيئية وسيادية- حظراً على تعدين اليورانيوم، ما عرقل مشروع كفانفيلد المرتبط بشركات صينية. لكن الرقص الاستراتيجي مستمر: فشركات غربية «من أمريكا وكندا وأستراليا والاتحاد الأوروبي» تحاول الآن تطوير مناجم في غرينلاند، غالباً مع دعم سياسي ضمني أو صريح.
ترتبط هذه الاندفاعة أيضاً بمخاوف «أمن سلاسل الإمداد». رفعت الاستراتيجية القومية الأمريكية للأمن وغيرها من وثائق السياسات من شأن الوصول إلى المعادن الحرجة بوصفه أولوية أمن قومي. تُرى العناصر الأرضية النادرة والمعادن الغرينلاندية بديلاً محتملاً لسلاسل إمداد الصين، وعازلاً للمجمّع الصناعي- العسكري الأمريكي من الهشاشة الجيوسياسية. على سبيل المثال: تُعد العناصر الأرضية النادرة ضرورية لمكونات طائرة «أف-35». وجود مصدر «صديق» في غرينلاند قد يكون ذا قيمة استراتيجية. وكذلك الحال بالنسبة لليورانيوم الغرينلاندي «إن جرى استغلاله يوماً»، إذ قد يغذي مفاعلات أمريكا النووية، أو غواصاتها دون الاعتماد على مورّدين خصوم. بلغة ماركسية، ما نرصده هو مسعى دولة رأسمالية مهيمنة لتأمين مدخلات الإنتاج- تحديثٌ لنمط قديم من الاندفاع الإمبريالي نحو المستعمرات الغنية بالمطاط، أو النفط، أو المعادن. تعتمد قطاعات التكنولوجيا العالية والطاقة الخضراء في الرأسمالية المتأخرة على معادن «نادرة»، فتسعى الدول للتحكم بخطوط الإمداد تلك، ولا سيما مع اشتداد التنافس بين القوى الكبرى.

كما أن صفة غرينلاند بوصفها «حدّاً» تعني أن رأس المال يرى فرصة لما يمكن تسميته «تراكماً بدئياً» جديداً: الاستثمار في منطقة غير مطوَّرة نسبياً لاستخراج أرباح فائقة من موارد لم تدخل بعد السوق العالمية بكميات كبيرة. لكن تحقيق هذا الأفق التراكمي ليس سهلاً. فالبيئة القطبية قاسية، والمعادن- على وفرتها- غالباً منخفضة العيار، أو معقدة جيولوجياً «مثلاً: خام كفانفيلد منخفض التركيز من العناصر الأرضية النادرة». تحتاج مشاريع البنية التحتية-مرافئ وطرق وطاقة- إلى إنفاق رأسمالي ضخم. يفسر هذا جزئياً، لماذا لا توجد مناجم معادن عاملة في غرينلاند حتى 2026 رغم عقود من التنقيب؟ ترى الشركات الخاصة كثيراً من المشاريع عالية المخاطر، وقد ردعتها عقبات تنظيمية ومعارضة محلية. غير أن وجود تنافس استراتيجي قد يغير المعادلة: إذ يتدخل «رأس المال المدعوم من الدولة» حيث ترددت قوى السوق المجردة. تعرض كل من أمريكا والاتحاد الأوروبي تمويلاً ودعماً سياسياً لما يسمّى «التعدين المستدام» في غرينلاند. وفي 2025 صنّف الاتحاد الأوروبي مشروع غرافيت غرينلاندي بوصفه مشروعاً استراتيجياً ضمن «قانون المواد الخام الحرجة»، ما يشير إلى التزام استثماري واتفاقات شراء. تعكس هذه الخطوات تشكلَ تقاسمٍ جيو-اقتصادي لقطاع الموارد في غرينلاند بين القوى الغربية، بهدف قطع الطريق على الصين أو روسيا.
من منظور الاقتصاد السياسي النقدي، تُسحب غرينلاند نحو نمط مألوف من «التبعية الاستخراجية»: رأس مال أجنبي «مدعوم من دول» يطور المناجم ويصدّر المواد الخام، ويرجّح أن يعيد الأرباح إلى الخارج، بينما تحصل غرينلاند على قدر محدود من التصنيع المحلي. ما لم تُتخذ سياسة متعمدة لتجنب ذلك، قد ينتهي الأمر بغرينلاند- ككثير من اقتصادات ما بعد الاستعمار- مورِّداً للمواد الخام إلى دول أغنى مع حد أدنى من التنويع. لذا فإن الاندفاع نحو ثراء غرينلاند ليس «فرصة أعمال» محايدة، بل تحويل إلى ساحة تنافس إمبريالي واحتمال لإعادة إنتاج التطور اللامتكافئ. والمفارقة أن تغير المناخ يجعل غرينلاند أكثر قابلية للاستغلال «مواسم أطول خالية من الجليد».
العسكرة والحرب الباردة الجديدة
يرافق الاندفاع الاقتصادي تصاعدٌ في عسكرة القطب، وغالباً ما تبرره أمريكا عبر سرديات إنذارية عن روسيا والصين. تصوّر أمريكا القطب جبهة جديدة في تنافس القوى الكبرى- امتداداً «للشمال العالمي» لما يسميه بعضهم حرباً باردة جديدة. في هذه السردية، تُصوَّر غرينلاند مهددة بالسقوط في قبضة عدوان روسي أو تغلغل صيني، ما يستدعي استجابة أمنية صلبة. لكن التحليل النقدي يشير إلى أن كثيراً من بناء «التهديد» هنا هو بناءٌ أيديولوجي يُستخدم لتشريع التوسع العسكري الأمريكي.
صحيح أن روسيا عززت قدراتها العسكرية في القطب على نحو ملحوظ خلال العقد الماضي: أعادت فتح قواعد سوفييتية على سواحلها القطبية، وشكّلت ألوية قتالية قطبية، ونشرت رادارات وصواريخ متقدمة في الشمال الأقصى. يتم الإشارة لهذه الخطوات- خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا- بوصفها دليلاً على تهديد روسي متنامٍ. لكن عسكرة روسيا القطبية بقيت إلى حد بعيد دفاعية وإقليمية: لتأمين «طريق البحر الشمالي» وأراضيها السيبيرية القطبية الشاسعة، لا لإسقاط القوة نحو غرينلاند أو كندا. حتى 2026، لا توجد أدلة جدية على نية أو قدرة روسية على الاستيلاء على غرينلاند، أو تعطيل الملاحة في فجوة غرينلاند– آيسلندا– بريطانيا «GIUK» بما يتجاوز دوريات غواصات روتينية. في خضم أزمة غرينلاند، كان رد روسيا هو التقليل من المخاوف الغربية، إذ قالت موسكو: إن حديث الناتو عن «تصاميم» روسية وصينية على غرينلاند «أسطورة» تُستخدم لتغذية الهستيريا. وحذرت تصريحات روسية من تصعيد المواجهة في القطب، بما يوحي بأن موسكو ترى أن الأفعال الأمريكية- لا أي تحرك روسي- هي المصدر الأساسي للعسكرة.
أما «التهديد» الصيني فهو أكثر افتراضاً. أعلنت الصين نفسها «دولة قريبة من القطب»، وأبدت اهتماماً اقتصادياً في القطب، بما في ذلك غرينلاند. لكنها لا تمتلك حضوراً عسكرياً في المنطقة، وما يزال انخراطها تجارياً وعلمياً. مع ذلك، كثيراً ما يضم الخطاب الأمريكي الصين وروسيا في «تهديد مزدوج». كررت إدارة ترامب، مثلاً: استخدام شبح الصين لتبرير قبضة أمريكية أشد على غرينلاند- مجادلةً بأن غرينلاند المستقلة، أو «ضعيفة الدفاع» ستُختطف سريعاً من بكين أو موسكو. يتصل ذلك بإطار أيديولوجي أوسع في واشنطن: القطب بوصفه ساحة تنافس ينبغي فيها على أمريكا أن تسبق «موطئ قدم» صينياً في البنية التحتية «مناجم أو مرافئ» قد يخدم لاحقاً أهدافاً استراتيجية صينية. واقعياً، ما تريده الصين من غرينلاند هو المعادن لا الأرض. لكن عبر الخلط بين النفوذ الاقتصادي و«التهديد الأمني»، تصنع واشنطن مبرراً شاملاً «للأمننة».
ترتبط الاعتبارات العسكرية الحقيقية في محيط غرينلاند أساساً بأمريكا نفسها. فموقع غرينلاند يجعلها ذات قيمة عالية للإنذار المبكر من الصواريخ البالستية وللمراقبة الفضائية- وهي مهام جارية بالفعل في قاعدة بيتوفّيك/ ثولي تحت قيادة سلاح الجو والفضاء الأمريكي. في أي صراع يتضمن صواريخ عابرة للقارات بين قوى كبرى، سيكون مسار الطيران المرجح عبر القطب فوق غرينلاند، ما يجعل السيطرة على ذلك الفضاء حيوية لأمريكا. وهذا أقل صلة «بدفاع غرينلاند» وأكثر صلة باستخدامها كأرض مرتفعة في تنافس استراتيجي أمريكي–روسي «أو أمريكي– صيني». لذا تستثمر أمريكا في تحديث الرادارات والبنى الفضائية في غرينلاند، بغض النظر عن «التهديدات المحلية». كما قد يتيح تغير المناخ مستقبلاً مزيداً من حركة الغواصات، أو السفن الحربية في المياه القطبية، ما يزيد أهمية غرينلاند في الوعي بالمجال البحري. ومع ذلك، حتى 2026، يعترف كبار مسؤولي الناتو بأن لا تهديداً فورياً بهجوم عسكري على القطب، فالمنطقة بقيت أكثر هدوءاً وتعاوناً مقارنةً بأوروبا الشرقية، أو آسيا. يبيّن ذلك أن الدفع نحو العسكرة استباقي واستراتيجي.
يخدم خطاب التهديد كثيراً في تأمين الميزانيات والدعم السياسي لبصمة قطبية أكبر. ينبغي التمييز بين المخاطر الحقيقية والمخاطر المصطنعة. باعتبار خطاب الأمن أيديولوجياً، نرى كيف يصطف مع أهداف مادية: أمننة القطب تمنح غطاءً سياسياً لأمريكا لتفعل ما كانت ترغب في فعله أساساً- زيادة الحضور العسكري، وهيكلة الاستثمار في قواعد محددة، وإزاحة نفوذ المنافسين، وربط غرينلاند بها أكثر. على سبيل المثال: حين قال مسؤولو ترامب: إن الدنمارك تفشل في تأمين غرينلاند، ولمّحوا إلى سيطرة أمريكية، دفع ذلك
الدنمارك إلى تعزيز دفاعها القطبي. واستجابةً لذلك، أعلنت الدنمارك بالفعل توسيعاً للحضور العسكري في غرينلاند في 2025–2026. شمل ذلك إرسال قوات متخصصة بالقطب، وخططاً لمنشآت ناتو دائمة على الجزيرة. ظاهرياً لردع روسيا أو الصين- لكن عملياً، كما لاحظ محللون، كان الهدف أيضاً سحب الذريعة من الأمريكيين. وحذّر مسؤولون أوروبيون من أن استيلاءً عسكرياً أمريكياً على جزء من مملكة الدنمارك سيكسر الناتو من الداخل. بهذا المعنى، يمكن لإطار «الحرب الباردة الجديدة» أن يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها: تحركات أمريكا «المبررة بذكر روسيا/الصين» تُحدث شروخاً مع الحلفاء، وتستدعي إجراءات مضادة عسكرةً، فتُدخل التوتر إلى قطب كان أكثر استقراراً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262
عروة درويش