الانكفاء الإمبريالي الأمريكي إلى نصف الكرة الأرضية الغربي
أعاد التركيز المتجدد على نصف الكرة الغربي في أحدث استراتيجية للأمن القومي الأمريكي فتح نقاش يتجاوز بكثير حدود السياسات الإقليمية. فالمسألة المطروحة لا تتعلق فقط بأمريكا اللاتينية، أو الهجرة، أو ضبط الحدود، أو أي من القضايا التي يحاول الأمريكيون التعمية على تراجعهم من خلالها، بل بشكل القوة الأمريكية ذاته في المستقبل. يختلف المحللون في التسمية: «انسحاب»، «إعادة تركيب»، «إعادة توازن»، «إمبريالية قومية»، لكنهم يصفون بصورة متزايدة الظاهرة البنيوية نفسها: إمبراطورية واقعة تحت القيود، تضيق أولوياتها، وتتصلب أدواتها، وتحاول تثبيت عالم لم يعد يتيح لها الهيمنة التي اعتادت عليها.
نجادل هنا بأنّ هذه التفسيرات، حين تُؤخذ مجتمعةً، لا تكشف تناقضاً فيما بينها، بقدر ما تكشف واقعاً متعدد الطبقات. الولايات المتحدة لا «تنسحب» بمعنى سلمي أو انعزالي. إنها تتراجع استراتيجياً، فيما تكثف في الوقت ذاته الإكراه في المساحات التي لا تزال قوتها فيها أكثر تركّزاً. هذا ليس إحياءً. إنه انحدار مُدار.
من الهيمنة العالمية إلى السيطرة الانتقائية
بين عام 1991 ومنتصف العقد الأول من الألفية تقريباً، استندت القوة الأمريكية إلى تلاقٍ استثنائي لعدة شروط.
عسكرياً: كانت تنفق ما يقارب 40% من إجمالي الإنفاق الدفاعي العالمي.
اقتصادياً: هيمن الدولار على فوترة التجارة، والاحتياطات، والتمويل العابر للحدود.
سياسياً: تمتعت بدرجة من الشرعية بوصفها منظِّمة «لنظام قائم على القواعد».
هذه الشروط تآكلت بحلول عامي 2024–2025، ظل الإنفاق العسكري الأمريكي يتجاوز 800 مليار دولار سنوياً، لكن حصته من الناتج العالمي تراجعت إلى نحو 24%، بعد أن كانت تزيد على 30% عام 2000.
الصين وحدها باتت تمثل قرابة 18% من الناتج العالمي على أساس تعادل القوة الشرائية، وأكثر من 30% من القيمة المضافة الصناعية العالمية. انتهت اللحظة الأحادية القطب، ليس لأن أمريكا انهارت، بل لأن الآخرين لحقوا بها، ونوّعوا خياراتهم، ونسّقوا فيما بينهم.
الدلالة الاستراتيجية حاسمة. إدارة العالم تصبح مكلفة حين لا تعود القوة ساحقة. في مثل هذه الظروف، تنتقل الإمبراطوريات تاريخياً من الطموح الكوني إلى تحديد مساحات ذات أولوية. ويبرز نصف الكرة الغربي هنا كمنطقة ارتكاز أخيرة في عمر الإمبراطورية المتهالكة.
مناطق النفوذ بوصفها انكماشاً لا ثقة
تعترف تحليلات السياسات السائدة بهذا التحول على نحو متزايد. يصف معلقون أوروبيون العقيدة الجديدة بأنها عودة إلى منطق - مناطق النفوذ- وهو خطاب غاب إلى حد كبير عن الخطاب الأمريكي منذ الحرب الباردة. وهذا مهم. فمناطق النفوذ ليست أدوات هيمنة توسعية، بل آليات احتواء وإدارة أضرار.
البيانات تدعم هذه القراءة. انتشار القوات الأمريكية في أوروبا، رغم تأكيده خطابياً، يواجه مقاومة سياسية داخلية وتدقيقاً في الميزانيات. تُظهر استطلاعات الرأي في أمريكا تراجع الدعم للالتزامات العسكرية الخارجية، ولا سيما تلك المؤطرة بوصفها دفاعاً عن الحلفاء لا عن الأمن الداخلي. في المقابل، يتيح نصف الكرة الغربي إعادة تأطير التدخل باعتباره دفاعاً داخلياً: مخدرات، حدود، هجرة، و«تدخل أجنبي» قريب من الداخل. هذا التأطير يخفض الكلفة السياسية لاستخدام القوة. كما يشير إلى العجز عن الحفاظ على شرعية شرطة عالمية.
دراسة حالة 1: فنزويلا وتكثيف الإكراه.
يُظهر النهج الأمريكي تجاه فنزويلا خلال العقد الماضي هذا النمط بوضوح. فعلى الرغم من العقوبات الواسعة، والعزل الدبلوماسي، ودعم قوى المعارضة، فشلت واشنطن في تحقيق تغيير النظام. بدلاً من ذلك، عمّقت فنزويلا علاقاتها مع الصين وروسيا وإيران وشركاء إقليميين.
وبدلاً من إعادة تقييم حدود الإكراه، ضاعفت السياسة الأمريكية رهاناتها على الاحتواء نصف الكروي: استهداف الشحن، والمصارف، ولوجستيات الطاقة، والدول المجاورة. هذه ليست استراتيجية توسع واثق، بل محاولة لمنع تشكّل سابقة. القلق ليس من قوة فنزويلا الذاتية، بل من الأثر الرمزي لتحدي الإرادة الأمريكية داخل «المجال القريب».
كما جادل محللون في مجلة «جاكوبن»، يعكس هذا سلوك إمبراطورية أضعف تصبح أكثر عدوانية محلياً مع تراجع نفوذها العالمي. لا تستطيع الإمبراطورية تحمّل خسارة رمزية في فناءها الخلفي. داخل الاقتصاد السياسي الماركسي، يخفي الخلاف حول المصطلح تقارباً أعمق.
يركّز فريق على فكرة الانسحاب. يشيرون إلى التخلي عن الخطاب الكوني، وانهيار الشرعية الليبرالية، وتضييق الآفاق الاستراتيجية. في هذا التصور، يشبه التحول نحو نصف الكرة الغربي استراتيجيات الإمبراطورية البريطانية المتأخرة بعد عام 1945: تثبيت الأصول المتبقية مع الانسحاب من القيادة العالمية.
في المقابل، يرى مفكرون، ومنهم جون بيلامي فوستر، أن مصطلح الانسحاب قد يهوّن من الأمر. يصفون المرحلة الراهنة بأنها «إعادة تركيب إمبريالية قومية»: إمبراطورية بلا ليبرالية، وهيمنة بلا كونية، وسلطة منزوع عنها غلاف الشرعية ومكشوفة على نواتها الإكراهية. لكن إعادة التركيب تفترض القيد. تعيد الإمبراطوريات تركيب نفسها لأنها لا تستطيع إعادة إنتاج ذاتها بصيغتها السابقة. الفارق تحليلي لا بنيوي.
قوة الدولار وانغلاق مخارج الهروب المالية
ربما يكمن البعد الأشد حسماً لضغط الإمبراطورية في القوة النقدية. في عام 2000، كان نحو 71% من احتياطات النقد الأجنبي العالمية محتفظاً بها بالدولار. بحلول 2024، انخفضت هذه النسبة إلى ما دون 58%. ورغم بقاء الدولار مهيمناً، فإن الاتجاه لا لبس فيه. الأهم، أن البدائل لم تعد تتطلب موافقة أمريكية. التسويات الثنائية بالعملات الوطنية، وأنظمة الدفع الإقليمية، وتسعير السلع خارج الدولار، انتقلت من حيّز النظرية إلى الممارسة.
تسوّي الصين اليوم جزءاً معتبراً من تجارتها مع روسيا وإيران وأجزاء من جنوب شرق آسيا باليوان. يصدر «بنك التنمية الجديد» لدول «بريكس» قروضاً خارج إطار الدولار. هذه التحولات تدريجية، لكنها بنيوية وتراكمية.
كما جادلت راديكا ديساي ومايكل هدسون، تعتمد القوة الإمبراطورية الأمريكية على نحو متزايد على الإكراه المالي—العقوبات، تجميد الأصول، والإقصاء من أنظمة الدفع. لكن كل استخدام لهذه الأدوات يسرّع البحث عن بدائل. وما إن تُبنى هذه البدائل، حتى لا تختفي. هنا يتشكل فخ. فكلما اعتمدت الإمبراطورية أكثر على الإكراه للحفاظ على الهيمنة النقدية، قوّضت أسرع الشروط التي جعلت تلك الهيمنة ممكنة.
دراسة حالة 2: الهجرة بوصفها ارتداداً إمبراطورياً
تكشف سياسات الهجرة بُعداً آخر للانكفاء المقنّع بالدفاع. الهجرة الجماعية من أمريكا الوسطى والكاريبي ليست خارج التاريخ الإمبراطوري، إنها إحدى نتائجه. عقود من التكيّف الهيكلي، واختلالات التجارة، والتدخل السياسي أفرغت الاقتصادات المحلية. والنتيجة ضغط ديموغرافي يتجه شمالاً.
تعيد الاستراتيجية الجديدة تأطير ذلك بوصفه تهديداً أمنياً لا نتيجةً بنيوية. عسكرة الحدود، واتفاقيات الإنفاذ الإقليمي، وتفويض الاحتجاز إلى أطراف خارجية تنقل المسؤولية إلى الخارج. هذا ليس حلاً للمشكلة، إنه إدارة للحدود. تاريخياً، تُصلّب الإمبراطوريات الآفلة حدودها لا لأن الحركة تزداد، بل لأن الشرعية تتراجع. تصبح الحدود خط السيادة الأخير حين يتلاشى النفوذ.
قد تحافظ الولايات المتحدة على تفوق نسبي في مجالات محددة- التكنولوجيا العسكرية، العمق المالي، والانتشار الثقافي- لكن الهيمنة ليست مجموع نقاط قوة. إنها منظومة علاقات. وهذه المنظومة تتشظى.
خاتمة: جعل الإمبراطورية تدوم ليس هو استعادتها
تدور جميع التحليلات الجدية- الليبرالية والواقعية والماركسية- اليوم حول الاعتراف ذاته: القوة الإمبراطورية الأمريكية لم تعد توسعية. إنها دفاعية، انتقائية، ومتزايدة الطابع الإقليمي. التحول نحو نصف الكرة الغربي ليس علامة ثقة متجددة. إنه إشارة إلى أن الإمبراطورية تختار أين ترسم خط الصمود. محاولة إطالة عمر الإمبريالية- عبر التماسك الإقليمي، والإكراه العلني، والتخلي عن الادعاءات الكونية- قد تنجح في تأجيل القطيعة. وقد تحقق حتى انتصارات تكتيكية.
لكن التأجيل ليس انعكاساً للمسار. العالم الذي أسند الهيمنة الأمريكية تغيّر بطرق لا يمكن التراجع عنها بوثائق استراتيجية، أو جدران حدودية، أو أنظمة عقوبات. ما يتبقى ليس إحياءً، بل إدارة. والإدارة، مهما بلغت قوتها، هي سياسة إمبراطورية تدرك- ضمناً وإن لم تصرّح- أن مستقبلها سيكون أضيق من ماضيها.

ميزان القوة العسكرية: تفوق مطلق بلا حرية استراتيجية
من أكثر الأوهام شيوعاً في نقاشات تراجع أمريكا معادلة التفوق العسكري المطلق بالهيمنة الاستراتيجية. لا تزال الولايات المتحدة تنفق على الدفاع أكثر من الدول العشر التالية مجتمعة-نحو 840 مليار دولار في عام 2024، أي قرابة 37% من الإنفاق العسكري العالمي. ومع ذلك، يفشل هذا التفوق العددي على نحو متزايد في التحول إلى نتائج سياسية. هذا التناقض جوهري لفهم التحول نحو نصف الكرة الغربي.
منذ عام 2001، أنفقت الولايات المتحدة ما يُقدَّر بـ 8 تريليونات دولار على حروب أفغانستان والعراق وسورية ومسارح مرتبطة بها. العوائد الاستراتيجية شديدة الهزال: عادت أفغانستان إلى حكم طالبان، وبقي العراق مجزأً سياسياً وتحت نفوذ إيراني عميق، وسورية وحتى إن اعتبرها البعض انتصاراً أمريكياً، فهي ليست بالغنيمة القادرة على تغيير وجه التاريخ كما يحلو للبعض- خاصة السوريين- أن يروجوا. لم تنتج هذه النتائج عن ضعف عسكري أمريكي، بل عن ارتفاع كلفة تحويل القوة إلى سيطرة.
يشكّل هذا النمط الاستراتيجية الراهنة. تعكس أولوية نصف الكرة الغربي ليس الثقة بالقوة، بل محاولة لإعادة ترسيخها حيث لا يزال تفوق التصعيد قائماً. في أمريكا اللاتينية والكاريبي، لا يواجه الخصم قوة نظيرة، وتظل مخاطر المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى منخفضة. يصبح الإقليم الساحة الأخيرة التي يضمن فيها التفوق العسكري نفوذاً سياسياً. لكن هذا بالضبط ما يَسِمُ الانكفاء الإمبراطوري: قوة لا بد من حصرها جغرافياً كي تبقى فعّالة.
القدرة الصناعية والحدود المادية للهيمنة
ترتكز القوة الإمبراطورية في النهاية لا على السلاح وحده، بل على العمق الصناعي واللوجستي. وهنا تبدو الاتجاهات طويلة الأمد أكثر دلالة. في عام 1990، كانت الولايات المتحدة تمثل نحو 25% من الإنتاج الصناعي العالمي. بحلول 2023، تراجعت هذه الحصة إلى أقل من 16%. في المقابل، تنتج الصين اليوم سلعاً صناعية أكثر من الولايات المتحدة واليابان وألمانيا مجتمعة. وتسيطر على سلاسل توريد حرجة في الصلب، والإلكترونيات، ومعالجة المعادن النادرة، والبطاريات، والآلات الصناعية.
تكمن الأهمية في أن الهيمنة العالمية تتطلب القدرة لا على التدمير فحسب، بل على إعادة البناء، والتزويد، والاستقرار. قامت الإمبراطورية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية على فائض صناعي، مكّن واشنطن من إعادة إعمار أوروبا واليابان، وتثبيت العملات، وتشكيل التجارة العالمية.
اليوم، تتسم السياسة الصناعية الأمريكية بالدفاع والانتقائية. لا تهدف «إعادة التوطين» و«التوطين الصديق» إلى استعادة الهيمنة الصناعية العالمية، بل إلى تأمين سلاسل توريد حدّية لأشباه الموصلات، ومدخلات الدفاع، وتقنيات الطاقة. إنها استراتيجية إمبراطورية لإدارة الخسائر لا لإنتاج الوفرة.
ينسجم نصف الكرة الغربي مع هذا المنطق. فالسلاسل الإقليمية- التقريب الصناعي في المكسيك، والتكامل الطاقي مع كندا، والسيطرة الزراعية في أمريكا اللاتينية- محاولات لتقصير وتأمين شبكات الإنتاج في عالم لم تعد فيه الانفتاحية العالمية أمراً مسلّماً به.
الطاقة والموارد وجغرافيا السيطرة
تظل الطاقة إحدى الركائز المادية للهيمنة، وهنا أيضاً يكشف التركيز نصف الكروي منطقاً دفاعياً. أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، لكن ذلك لم يُعد هيمنة الطاقة بالمعنى الكلاسيكي. بل كثّف المنافسة على اللوجستيات والتسعير والاصطفاف السياسي. تنسيق «أوبك+»، وصمود روسيا تحت العقوبات، وعقود الطاقة طويلة الأجل التي أبرمتها الصين، تقوض قدرة واشنطن على تسليح الطاقة عالمياً من دون ارتدادات.
أما في أمريكا اللاتينية، فتظل سياسات الطاقة أكثر قابلية للضبط. تمتلك فنزويلا وغويانا والبرازيل والمكسيك مجتمعة احتياطيات هائلة ضمن إقليم خضع تاريخياً للمعمار الطاقي الأمريكي. لا يتعلق التحكم هنا بالهيمنة العالمية، بل بحرمان المنافسين من وصول غير متنازع عليه.
يوضح نزاع غويانا– فنزويلا كيف تتقاطع الطاقة والجيوسياسة والإنفاذ نصف الكروي. فالإشارات الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية الداعمة لاستثمارات «إكسون موبيل» في غويانا لا تتعلق بغويانا بحد ذاتها، بقدر ما تتعلق بالحفاظ على الأسبقية المؤسسية والاستراتيجية الأمريكية في تدفقات الطاقة الإقليمية. تميل الإمبراطوريات التي تقترب من حدود بنيوية إلى إعطاء أولوية لأمن الموارد على حساب التوسع الأيديولوجي. ويتكرر هذا النمط هنا بوضوح لافت.
تضخم العقوبات وتناقص عوائد الإكراه
أصبحت العقوبات الأداة غير العسكرية الأساسية للقوة الأمريكية. حتى عام 2024، فرضت الولايات المتحدة شكلاً من أشكال العقوبات على أكثر من 40 دولة، ما يغطي قرابة نصف سكان العالم. هذا الحجم غير مسبوق تاريخياً. لكن فاعلية العقوبات تتراجع.
تكيفت إيران وروسيا وفنزويلا عبر تحويل التجارة، والإحلال المحلي، وقنوات مالية بديلة. تجنبت روسيا، رغم العقوبات الشديدة، الانهيار وأعادت توجيه تجارتها نحو آسيا. لا يدل ذلك على حصانة، بل على تعلّم- والتعلّم غير قابل للعكس.
تعترف الاستراتيجية نصف الكروية بذلك ضمناً. تعمل العقوبات على أفضل وجه، حيث تكون التبعية الاقتصادية أعلى والبدائل أضعف. تظل أمريكا الوسطى والكاريبي، المعتمدة بشدة على تدفقات الدولار، والتحويلات، والتجارة مع أمريكا، أكثر عرضة للضغط المالي. يعزز هذا تفسير التركيز نصف الكروي بوصفه إكراهاً انتقائياً تحت القيود: تركيز الضغط حيث لا يزال يُجدي، لا حيث ادّعى يوماً وصولاً كونياً.
دراسة حالة: المكسيك وحدود التقريب الصناعي
غالباً ما تُقدَّم المكسيك بوصفها قصة نجاح للاستراتيجية نصف الكروية الجديدة. تجاوزت التجارة بين أمريكا والمكسيك 800 مليار دولار سنوياً، ما جعل المكسيك الشريك التجاري الأكبر لأمريكا. يعد التقريب الصناعي بمرونة سلاسل التوريد وتقليص الاعتماد على آسيا.
لكن هذا الاندماج يكشف تناقضات. يبقى اقتصاد المكسيك هشاً أمام دورات الطلب الأمريكية، فيما تتجمد الأجور ويظل الارتقاء الصناعي محدوداً. في الوقت نفسه، تعززت الاستقلالية السياسية المكسيكية، ولا سيما في سياسات الطاقة والعلاقات مع الصين. لم ينتج التقريب الصناعي خضوعاً سياسياً، بل أنتج ترابطاً متوتراً. يعكس ذلك معضلة إمبراطورية أوسع: لم يعد التكامل الاقتصادي المحكم يضمن الامتثال السياسي. أدوات الماضي تعطي سيطرة أقل.
الديموغرافيا والشرعية والجبهة الداخلية
الانكفاء الإمبراطوري ليس خارجياً فقط. إنه داخلي أيضاً. تواجه الولايات المتحدة تحولات ديموغرافية تقوض الإجماع الاجتماعي الذي أسند الهيمنة العالمية. عادت اللامساواة إلى مستويات لم تُشهد منذ عشرينيات القرن الماضي. ركدت الأجور الحقيقية لشرائح واسعة رغم مكاسب الإنتاجية. تراجعت الثقة بالمؤسسات على نحوٍ حادٍّ عبر خطوط الانقسام الحزبي.
تاريخياً، تعيد الإمبراطوريات في هذه المرحلة توجيه القلق إلى الخارج، وتشديد الانضباط الداخلي. تُؤمنَن الهجرة. يُعاد تأطير المعارضة بوصفها تخريباً. تُجسّد التهديدات الخارجية وتُقرّب من المجال الداخلي. ينسجم التحول نحو نصف الكرة الغربي بدقة مع هذا النمط. فهو يترجم التراجع العالمي المجرّد إلى أعداء ملموسين ومرئيين: مهاجرين، عصابات، «تدخل أجنبي» على الحدود. لا يحل ذلك المشكلات البنيوية؛ بل يدير الإدراك السياسي.
عبر كل هذه الأبعاد- العسكرية، والصناعية، والنقدية، والديموغرافية- يتكرر مفهوم واحد: عدم القابلية للعكس. حين تنتقل النظم البيئية الصناعية، لا تعود بالكامل. وحين تُؤسَّس بدائل مالية، تستمر. وحين يستبطن الحلفاء عدم اليقين، لا تتجدد الثقة تلقائياً. هذه ليست إخفاقات سياسات؛ إنها عتبات تاريخية. التحول نحو نصف الكرة الغربي محاولة للعمل بعد عبور هذه العتبات. يسعى إلى الحفاظ على القوة عبر تضييق نطاقها المكاني والوظيفي.
يمكن للإمبراطوريات أن تعيش طويلاً بعد ذروتها. يمكن أن تبقى هائلة، عنيفة، ومؤثرة. لكن حين يصبح التراجع مسألة إدارة لا انعكاساً للمسار، لا يعود السؤال ما إذا كان يمكن استعادة الهيمنة، بل كيف ستُفرض حدودها- وبأي كلفة. هذا هو الشرط الذي تعيشه الولايات المتحدة اليوم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1261
عروة درويش