ما بعد هيمنة الدولار: تحليل الهيمنة والأزمة البنيوية المصاحبة
لا يمكن فهم هيمنة الدولار الأمريكي إلّا بوصفها ظاهرة بنيوية في الاقتصاد العالمي، يمكن إدراكها عبر تحليل تاريخي-مادي يربط بين النقد، والدَّيْن، والسلطة، ومسار التراكم الرأسمالي العالمي. يجب أن نسعى إلى تفكيك الأسس التي قامت عليها هذه الهيمنة، وشرح آليات إعادة إنتاجها في مرحلة تتزايد فيها التناقضات الاقتصادية والسياسية داخل المركز الأمريكي، مع اختبار ما إذا كانت اللحظة الراهنة تعبّر عن أزمة عابرة أم عن نقطة انعطاف أعمق في النظام النقدي الدولي. إنّ هيمنة الدولار يمكن فهمها عبر عدة أبعاد متميزة لكنها مترابطة:
فَوترة التجارة والتسوية: الدولار هو العملة الافتراضية لمعظم معاملات التجارة العالمية. على سبيل المثال: بين 1999–2019 استُخدم الدولار في 74–96% من عمليات الفوترة في الأمريكتين وآسيا-المحيط الهادئ، مقابل 66% فقط لليورو داخل أوروبا نفسها. حتى في 2024، كان نحو نصف جميع المدفوعات الدولية على شبكة SWIFT مقوماً بالدولار، وهذا يعكس حضوره الكاسح كوسيط تبادل.
احتياطيات النقد الأجنبي: نحو 58% من احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية المُعلنة عالمياً مُحتفظ بها بالدولار الأمريكي حتى 2024. وهذا يفوق كثيراً اليورو «20%» أو الرنمينبي «نحو 2%» ورغم أنه تراجع من ذروة بلغت 72% في 2001، فإن حصة الدولار اليوم قريبة من مستواها في منتصف التسعينيات.
الدين العالمي والتمويل: الدولار هو عملة التمويل لجزء كبير من العالم. نحو 60% من سندات الدين الدولية مُصدَرة بالدولار. ونحو 55–60% من القروض والودائع المصرفية العابرة للحدود مقومة بالدولار.
تسعير السلع «خصوصاً الطاقة»: تُسَعَّر سلع رئيسية، مثل: النفط إلى حدٍّ كبير بالدولار ضمن نظام «البترو-دولار» طويل الأمد. منذ السبعينيات، كانت مبيعات نفط أوبك مقومة بالدولار، وتُعاد استثمارات فوائض «البترو-دولار» كثيراً في أصول أمريكية «شكل من أشكال إعادة التدوير يربط مصدري السلع بالدولار». يضمن هذا طلباً عالمياً ثابتاً على الدولار لتسوية تجارة الطاقة، ويعزز وظيفة الدولار كوحدة حساب في الأسواق العالمية.
بنية المدفوعات والسلطة القانونية: أمريكا تسند جانباً كبيراً من البنية المالية العالمية. الدولار هو العملة الأساسية في سوق الصرف الأجنبي «يدخل في نحو 88% من عمليات تداول العملات». وتُصفّى معاملات الدولار عبر أنظمة خاضعة لسيطرة أمريكية «مثل: CHIPS وSWIFT». وهذا يمنح أمريكا نفوذاً قضائياً كبيراً: يمكنها فرض عقوبات أو استبعاد خصوم من شبكات الدولار، بما يجبر حتى الكيانات غير الأمريكية على الامتثال للسياسة الأمريكية «ما يسمى «تسليح الدولار»». كما تعزز عمق القوانين المالية الأمريكية ومعايير المحاسبة وشبكات البنوك في نيويورك/لندن ترسخ البنية القانونية التي تقودها منظومة الدولار ضمن العولمة.
تشكل هذه الأبعاد، مجتمعة، بنية هيمنة للدولار كانت مستقرة على نحو لافت. فالمؤشر المركب لدى الاحتياطي الفيدرالي لاستخدام العملات الدولية «الذي يزن الاحتياطيات، وتداولات الصرف، وإصدار الديون، والمطالبات المصرفية، وغيرها» أبقى الدولار قريباً من 65–70 على مقياس من 100 لمدة عقدين، بينما ظل الرنمينبي حول 3. بعبارة أخرى، تقدّم الدولار يفوق أقرب منافسيه بعشر مرات تقريباً.
يتذبذب الدولار ضمن نطاق ضيق أعلى بكثير من اليورو والين. أما الرنمينبي الصيني «الأصفر» فلا يزال لاعباً ثانوياً رغم نموه في السنوات الأخيرة. لكنّ الكثير من المؤشرات تدلّ على أن عام 2026 سيكون «نقطة انعطاف» في تراجع هيمنة الدولار بسبب ارتفاع الدين العام الأمريكي، وتضخم تكاليف الفائدة، واضطراب السياسة الأمريكية. لذلك ينبغي فحص ما إذا كانت هذه العوامل قد تدفع إلى مجرد «انعطاف» أم ستؤدي إلى «انهيار» «قطيعة»؟ وهل ستكون القوى البنيوية قادرة على إعادة إنتاج الهيمنة النقدية الأمريكية رغم هذه التحديات؟
الهيمنة والدَّين: إعادة إنتاج الأزمة
يقدم تصور جيوفاني أريغي لدورات التراكم المنهجية/النسقية «Systemic Cycles of Accumulation: دورة طويلة لتوسع الرأسمالية العالمية يقودها مركز مهيمن، تبدأ بالإنتاج ثم تنزاح للمالية عند النضج، وغالباً ما تفتح الباب لأزمة انتقال وهيمنة جديدة» إطاراً نظرياً لفهم الأمر.
إنّ تحوّل أمريكا إلى توسع لا نهائي في الدَّين والمالية هو عرضٌ لتراكم مفرط وانحدار هيمني، على نحو مماثل لأزمات هيمنية سابقة. وفق أريغي، الانتقال من التوسع الإنتاجي إلى التوسع المالي هو علامة على أن الدورة التي تقودها أمريكا استنفدت ديناميتها الإنتاجية. تأتي الأرباح بشكل متزايد من المضاربة والائتمان، وتضخم الأصول بدل خلق قيمة جديدة. هذه «دلالة أزمة» توحي أن الهيمنة الأمريكية في خريفها، عرضةً لعدم الاستقرار وللإزاحة في نهاية المطاف نحو تشكيل قوة جديد.
يجادل أريغي بأن كل قوة مهيمنة تمر بعصر ذهبي من التوسع المادي، ثم أزمة تراكم مفرط تدفع رأس المال للهروب نحو المالية. الدورة الهيمنية الأمريكية انطبقت على النمط: بعد ازدهار ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبحلول السبعينيات، تعرضت أرباح التصنيع للضغط «فائض طاقة إنتاجية، منافسة أجنبية أقوى، تصاعد قوة العمال». كان التحول نحو المالية «المتمثل في نهاية بريتون وودز 1971، وإعادة تدوير البترو-دولار في السبعينيات، وتحرير الأسواق المالية» استجابة لانحسار فرص الاستثمار الإنتاجي. بحث رأس المال عن عوائد أعلى في المضاربة المالية حين اصطدمت دائرة التصنيع بعوائد متناقصة.
في قراءة الأزمة، يعكس توسع الدَّين الأمريكي تراجع الحيوية في الأساس الإنتاجي. الدولة والمستهلكون يراكمون الدَّين لتعويض ركود التراكم الحقيقي «عجز تجاري وعجز مالي مزمنان لإسناد الطلب». هذا يخلق «اقتصاد فقاعات»: ازدهار ظاهري قائم على أهرام الائتمان، وريع إصدار الدولار، وتضخم الأصول. لكنه غير مستقر: رأس المال الوهمي ينمو أسرع من قدرة الاقتصاد الحقيقي على الوفاء بهذه المطالبات. القوة المالية للهيمنة تصبح «وهمية» قياساً إلى القاعدة الإنتاجية.
ما الذي يُعاد إنتاجه إذاً؟ في سيناريو الأزمة، لا تعيد المالية القائمة على الدَّين إنتاج القيادة الإنتاجية للهيمنة على نحو مستدام، بل تعيد إنتاج الربحية مؤقتاً للطبقة الرأسمالية عبر إعادة توزيع وافتراس. يلاحظ أريغي «مستعيداً نقداً ماركسياً عند روبرت بولِن» أن أرباح مرحلة التوسع المالي غالباً ما تأتي من إعادة توزيع: مكاسب بعض الرأسماليين هي خسائر آخرين، أو من تجريد العمال والمدينين «بالتقشف ومدفوعات الفائدة».
يتلاقى ذلك مع مفهوم هارفي «التراكم عبر نزع الملكية»: النظام المالي الذي تقوده أمريكا مكّن من الاستيلاء على الثروة عبر استخراج الفوائد والاستحواذ على الأصول خلال الأزمات. مثلاً: أزمة ديون «العالم الثالث» في الثمانينيات شهدت برامج تقويم مفروضة من صندوق النقد الدولي، فتحت الاقتصادات أمام رأس المال الأجنبي وخصخصت أصولاً عامة لضمان سداد الديون للدائنين الغربيين، ما يعني نقل القيمة من الأطراف إلى المركز. وبالمثل، أزمة 2008 أدت إلى موجة حبس رهن «نزع ملكية» بينما جرى إنقاذ القطاع المالي، ما راكم الثروة في القمة.
بالتالي، الذي يُعاد إنتاجه هو سلطة رأس المال المالي، لكن على حساب اتساع عدم المساواة وعدم الاستقرار. تتدعّم سلطة الطبقة في أمريكا «هيمنة وول ستريت والنخب»، بينما تتآكل الدينامية الإنتاجية الواسعة وشرعية الهيمنة. بمرور الوقت، تتسع الفجوة بين تضخم المطالبات المالية «ديون، مشتقات» وبين الاقتصاد الحقيقي نحو قطيعة محتملة: نقطة يفرض فيها إما انفجار أزمة دين كبرى، أو انهيار قيمة الدولار، أو ثورة سياسية ضد التقشف واللامساواة عبر كسر النظام.
في رؤية أريغي الطويلة، تتزامن القطيعة مع انتقال للهيمنة: تراجع النظام الأمريكي لصالح آخر «قد يكون صينياً، أو انهياراً نسقياً أوسع». يمكن البحث عن قرائن ملموسة لتدعيم هذا الرأي: نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في أمريكا ترتفع، وعبء الفائدة يصعد. يتجاوز الدين الفيدرالي 120 % من الناتج «مقابل نحو 35% في 1980»، ومدفوعات الفائدة الصافية تبلغ رقماً غير مسبوق «1 تريليون دولار» بحلول 2026. يتجاوز هذا الإنفاق على «ميديكير» أو الدفاع. يعني هذا أن حصة متزايدة من القيمة يجب أن تُسحب فقط لخدمة دينٍ سابق، وهو مؤشر تقليدي على ضغط «رأس المال الوهمي» على الاقتصاد الحقيقي. كذلك، الربحية في القطاع غير المالي ظلت راكدة لفترة طويلة، وأصبح التراكم يعتمد أكثر على أسواق الأصول والائتمان.
من منظور الأزمة الماركسي، تصاعد الدَّين والمالية «نهائي» بقدر ما يجسد تناقضات الهيمنة الأمريكية. قد تكون أمريكا في «أزمة إشارية Signal Crisis: لحظة تاريخية تكشف أن نمط التوسع القائم بلغ حدوده البنيوية، من دون أن يعني ذلك انهياراً فورياً للنظام» لدورتها، أي إنذار بأن النظام القائم لا يستطيع الاستمرار. إذا كانت 2026 «نقطة انعطاف» بهذا المعنى، فهي لحظة لن يتمكن فيها أصحاب القرار من ترقيع التناقضات، ما يفرض تعديلات قاسية أو يفتح طريقاً لنظام هيمني جديد.
حيازات الخزانة: نفوذ أم انضباط؟
أحد جوانب هيمنة الدولار التي تُناقَش كثيراً هو موقع كبار الدائنين الأجانب، خصوصاً الصين واليابان، اللتان تحتفظان بتريليونات من سندات الخزانة الأمريكية. هل تمتلك هذه الدول «نفوذاً» على أمريكا لأنها تمول ديونها، أم أنها «منضبطة بنيوياً» لدعم نظام الدولار رغم تذمرها؟ نحلل سلسلتين سببيتين، مستندين إلى ديناميات المركز–الهامش عند سمير أمين، وإلى منظور الاقتصاد الجيوسياسي لدى راديكا ديزاي:
تقوم فرضية النفوذ على أنّه يمكن لكبار حاملي الدَّين الأمريكي التهديد ببيع سندات الخزانة أو وقف الشراء، ما يرفع الفوائد ويزعزع الأسواق، فيوفر «ورقة ضغط». لو قررت الصين مثلاً بيع جزء كبير من حيازاتها «نحو 0.8–1 تريليون دولار» - بوتيرة أسرع وبصخب أكبر من الذي فعلته على مدى السنوات الماضية، فقد تدفع عوائد السندات للارتفاع وتسبب اضطراباً مالياً، بما يمنحها «خياراً نووياً» في حرب مالية. بينما تذهب فرضية الانضباط إلى أنّ الدائنين الأجانب «رهائن» للنظام الدولاري، لأن استخدام هذا النفوذ سيضرهم هم قبل غيرهم. وبالتالي يُدفَعون بنيوياً لتغذية وضع قائم يعزز الهيمنة الأمريكية. لنوضح كل مسار، مع القيود والقوى الطبقية.
تراكم دول الفائض «الصين، اليابان» احتياطيات دولارية عبر فوائضها التجارية مع أمريكا «أمريكا تعاني عجزاً، الأطراف تصدر سلعاً وتتلقى دولارات». تُستثمر هذه الدولارات عادة في سندات الخزانة لأسباب سيولة وأمان. بحلول 2024، كانت اليابان تملك نحو 1.1 تريليون دولار، والصين نحو 0.8–0.9 تريليون، بوصفهما أكبر دائنين أجنبيين للحكومة الأمريكية «في عام 2011 بلغت حيازات الصين من سندات الخزانة الأمريكية حوالي 1.32 تريليون دولار في أعلى مستوى تاريخي لها. منذ ذلك الوقت بدأت تقلّص تدريجيًا حتى 2025، حيث تراجع إجمالي حيازات الصين بنحو 563.7 مليار دولار تقريباً بحلول أيار 2025».
إنّ قيام الصين واليابان ببيع سريع لسندات الخزانة يغرق السوق ويخفض الأسعار ويرفع العوائد. ارتفاع الفوائد يبطئ الاقتصاد الأمريكي، ويرفع كلفة الاقتراض في واشنطن. التهديد يمكن أن يكون أداة ضغط. لكنّ أي بيع كبير يفرض خسائر رأسمالية على البائع نفسه، لأن أسعار السندات تهبط. كما أن ارتفاع العوائد يرتبط غالباً بحالة «عزوف عن المخاطر» عالمية تضر بالنمو العالمي وبأسواق تصدير الدائن. علاوة على ذلك، فإنّ أمريكا ليست هدفاً سلبياً. الاحتياطي الفيدرالي يستطيع أن يتدخل كمشترٍ أخير «كما فعل بالتيسير الكمي»، ويمتص موجات البيع، لأنه يستطيع خلق دولارات وشراء سندات الخزانة «مع آثار تضخمية يتحملها جميع مستخدمي الدولار». وهذا يعني أن الدائن العدائي لا يستطيع بسهولة إفلاس أمريكا. إضافة إلى ذلك، يمكن لأمريكا في الحالات القصوى استخدام العقوبات المالية «تجميد الأصول» كما حدث مع احتياطيات روسيا في 2022. لاحظت ديزاي وآخرون، أن الأصول الأجنبية في أمريكا يمكن أن تصبح «رهائن»؛ إذ يقلق محللون صينيون من إمكانية تجميد حيازات الصين الدولارية إذا اندلع الصراع. هذا الخوف يحدّ من جرأة الصين على استخدام «الخيار النووي»، ويقلص نفوذها.
إنّ مشكلة فرضية النفوذ هي في مبالغتها في تقدير استقلالية الأطراف تجاه المركز الإمبريالي. سمير أمين رأى أن «التبادل غير المتكافئ» يربط الأطراف بتزويد المركز بسلع رخيصة وبائتمان «شكل من أشكال الجزية». حيازات سندات الخزانة يمكن أن تُقرأ كـ«جزية» بهذا المعنى: الأطراف تعيد تدوير فائضها للمركز لحفظه، ما يقلل خياراتها التنموية. كما أن البرجوازيات الوطنية في هذه الدول تستفيد من النظام القائم «أسواق التصدير، الوصول للنظام المالي الأمريكي». إلحاق ضرر بالدولار يضر بتلك النخب، لذلك لا يحظى بدعم طبقي داخلي كافٍ. لهذا بقي هذا النفوذ نظرياً حتى اللحظة.
الأمر الآخر، أنّ كبار دائنِي الدولار غالباً ما يعتمدون على نموذج نمو يقوده التصدير. الصين مثلاً: أبقت، وتبقي، اليوان مقوَّماً بطريقة تدعم تنافسية التصدير، ما يستلزم تراكم احتياطيات دولارية: البنك المركزي الصيني يشتري الدولارات الداخلة مقابل عملة محلية ليمنع ارتفاع اليوان، ويبني مخزوناً من سندات الخزانة. بهذا يصبح نموذج التنمية نفسه رابطاً بنيوياً بالدولار. اليابان أيضاً بنت احتياطيات دولارية كبيرة ضمن سياسات الاستقرار النقدي بعد الثمانينيات.
يوفّر الدولار أعمق الأسواق وأكثرها سيولة، ولا توجد بدائل مكافئة بالحجم نفسه، رغم جميع المحاولات الناشئة اليوم لاستبداله، هو ونظام المدفوعات الخاص به. السندات باليورو مجزأة ومحدودة، وسوق الصين المالية رغم نموها ليست مفتوحة بالكامل، ولديها قيود على رأس المال. لذلك حتى إن أرادت الصين أو اليابان التنويع، فإن الخيارات العملية ضيقة: بعض اليورو، بعض الذهب «وقد زادت الصين بالفعل حيازاتها منه»، أو استثمارات مباشرة، لكن امتصاص تريليونات كـ «أصول آمنة» يبقى متركزاً في سوق الخزانة الأمريكية. هذا «انضباط بنيوي» يفرضه الدولار: تغادر نظام الدولار فتضرب استقرارك المالي.
يتوافق ذلك مع تصور نظام عالمي هرمي تؤمّن فيه القوة المالية سيطرة المركز. «الامتياز المفرط» لأمريكا هو إصدار أصل الاحتياطي، الذي يتم فيه إجبار الآخرين عملياً على شرائه. هذا يعادل نقلاً مستمراً للقيمة من الأطراف للمركز: الأطراف ترسل سلعاً حقيقية وتتلقى «سندات» يمكن أن تتآكل. عندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة، تنخفض أسعار السندات ويحمل الأجانب خسائر رأسمالية، ومع ذلك يتحملون لأن البدائل أسوأ.
بأيّ حال، ورغم عمق ترسّخ هيمنة الدولار، وما تمنحه من قدرة استثنائية على امتصاص الأزمات وإعادة إنتاج ذاتها، فإنّ هذا لا يعني غياب البدائل أو استحالة الخروج من النظام الدولاري القائم. على العكس، ما يميّز المرحلة الراهنة أنّ بدائل الدولار لم تعد محصورة في أطروحات نظرية أو تمنيات سياسية، بل بدأت تتشكّل كمسارات عملية، جزئية وتراكمية، داخل بنية الاقتصاد العالمي نفسه. هذه البدائل لا تظهر كعملة واحدة تحلّ محل الدولار دفعة واحدة، بل كنُظم موازية وآليات التفاف تقلّص مجالات هيمنته، وتكسر احتكاره لوظائف محددة: في التسويات التجارية، والتمويل، والاحتياطيات، والبنية التحتية للمدفوعات.
تشمل هذه المسارات توسّع استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، وبناء أنظمة مدفوعات خارج الهيمنة الأمريكية، وزيادة دور الذهب والأصول غير الدولارية في الاحتياطيات، إلى جانب صعود مؤسسات تمويل وتنمية لا تخضع بالكامل لمنظومة واشنطن. الأهم من ذلك، أنّ هذه البدائل تنشأ مدفوعة بحوافز مادية واضحة: الرغبة في تقليص التعرّض للعقوبات، تخفيض كلفة التقلبات النقدية، واستعادة قدر من السيادة الاقتصادية في عالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مكتملة.
لكن هذه البدائل ليست مكتملة ولا متكافئة، ولا تشكّل بعدُ بديلاً هيمنياً شاملاً، بل أدوات تفكيك تدريجي لهيمنة قائمة. في المقال القادم، سننتقل من تشخيص الأزمة إلى تفكيك هذه البدائل عملياً، وبالتفصيل ذاته الذي خُصِّص لتحليل هيمنة الدولار نفسها، لفهم حدودها، وإمكاناتها، وتناقضاتها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259
عروة درويش