روسيا في الشرق الأوسط ليست ظاهرة مؤقتة بل واقعاً جديداً
سلمان رافي شيخ سلمان رافي شيخ

روسيا في الشرق الأوسط ليست ظاهرة مؤقتة بل واقعاً جديداً

مع قدرة روسيا على الصمود في وجه القوة العسكرية المشتركة لحلف شمال الأطلسي في أوكرانيا ــ وهزيمتها فعلياً ــ كان من المحتم أن تكتسب سياستها الخارجية وتواصلها الدبلوماسي مع بقية العالم ليس الثقة فحسب، بل أن تصبح أيضاً أكثر عزماً مما كانت عليه خلال العام الأول من هذا الصراع، عندما أطلقت واشنطن ما يسمى بمشروع «عزل روسيا». وفي ترجمة لمكاسبها العسكرية في أوكرانيا، استضافت موسكو أخيراً، على سبيل المثال، الفصائل الفلسطينية لتوحيدها ليس من أجل التوصل إلى حلّ دائم للصراع الأطول أمداً في الشرق الأوسط فقط، ولكن من أجل تطوير موقف موحّد قوي تجاه «إسرائيل» أيضاً. إنّ هذا النهج تجاه فلسطين - والذي يُظهر أيضاً موقفاً واضحاً مناهضاً «لإسرائيل» - مدفوعٌ بشكل مباشر بتواصل موسكو واسع النطاق مع اللاعبين في الشرق الأوسط، في وقت تحول فيه الرأي السياسي في المنطقة ضد «إسرائيل» وواشنطن، مما ترك «إسرائيل» معزولة فعلياً على الرغم من إقامتها علاقاتٍ مع العديد من الدول الإسلامية في فترة ما قبل الحرب على غزة.

ترجمة: قاسيون

في الوقت نفسه، أصبح هذا الرأي أكثر ملاءمة لروسيا. أظهر استطلاع حديث أجراه «معهد واشنطن» أنّ غالبية المشاركين في الإمارات العربية المتحدة (66%)، والمملكة العربية السعودية (67%)، والكويت (62%)، ومصر (57%)، والبحرين (68%)، وقطر (63%)، ولبنان (72%) يوافقون على أنّ الولايات المتحدة ليست شريكاً موثوقاً به وأنّ دول الشرق الأوسط «يجب أن تنظر أكثر إلى دول أخرى مثل روسيا والصين كشركاء».
علاوةً على ذلك، هناك المؤهلات القوية التي تحملها موسكو كضامنٍ أمني. منذ نهاية الحرب الباردة على الأقل، هيمنت واشنطن على المنطقة باعتبارها الضامن الأمني ​​الرئيسي لها، سواء من خلال وجودها العسكري المباشر أو من خلال توريدها، أيْ بيعها، الأسلحةَ إلى المنطقة بقيمة مليارات الدولارات. لكنّ موسكو رفضت هيمنة واشنطن من خلال الدور الرئيسي الذي لعبته في سورية لهزيمة عملية انهيار الدولة التي تدعمها الولايات المتحدة. وبعد ذلك، نجحت في المساعدة في إعادة إحياء علاقات سورية مع العديد من الدول العربية، بما في ذلك السعودية والإمارات العربية المتحدة، والسير بها لتصبح طبيعية. بعبارة أخرى، نجحت موسكو في ترجمة مكاسبها العسكرية إلى انتصارات دبلوماسية من خلال تحولها إلى صانع سلام في الشرق الأوسط. ومن ناحية أخرى، لم تتمكن واشنطن من إحلال السلام في الشرق الأوسط و/أو منع «إسرائيل» من ارتكاب الإبادة الجماعية.
لذلك فإنّ نجاحات روسيا في الشرق الأوسط ترجع جزئياً إلى إخفاقات واشنطن. وفي الوقت نفسه، ترى روسيا نفسها أيضاً قوّة عسكرية عظمى، ويجب أن يكون لدى القوة العظمى موطئ قدم قوي في المنطقة، والذي لا يجب أن يكون مقتصراً على الوجود العسكري.
إذا كان الهدف النهائي لأي سياسة قوة عظمى هو تعزيز مصالحها الأساسية، فإن الوسائل غير العسكرية يمكن أن تكون مفيدة للغاية أيضاً. في الماضي القريب، خدم تعامل روسيا مع العديد من دول الشرق الأوسط عبر إطار أوبك+ مصالحها الرئيسية بشكل جيد. ومن خلال أوبك+، لم تتمكن روسيا من الصمود في وجه الهجوم الذي تقوده الولايات المتحدة على اقتصادها فحسب، بل تمكنت أيضاً من إلحاق الكثير من الأضرار الاقتصادية بالاقتصاد الغربي. أدى عدم قدرة واشنطن على كسر أوبك+ إلى ارتفاع معدّل التضخم في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية.
وفي حين أن قدراً كبيراً من قدرة روسيا على تحقيق ذلك يعتمد على تعاون دول أوبك الأخرى، فإنّ هذه الأخيرة، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، ترى أيضاً أن روسيا يمكن أن تلعب دور الموازن لانسحاب واشنطن من الساحة العالمية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الشراكة مع روسيا تؤتي ثمارها أيضاً. على الرغم من معدل نمو عالمي أقل من 3% في عام 2023، حققت شركة أرامكو السعودية 121 مليار دولار في العام ذاته، وذلك بفضل الإدارة الدقيقة لإمدادات النفط وأسعاره.

الدبلوماسيّة الروسية مستمرّة بتحقيق النجاحات

تعتبر تركيا لاعباً رئيسياً آخر في الشرق الأوسط ولا تزال تتمتع بعلاقات قوية مع روسيا، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى الطرق التي تخدم بها هذه العلاقات المصالح المتبادلة. ازداد حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من 80٪ في عام 2022 ليصل إلى 62 مليار دولار. وتعدّ روسيا بالفعل أكبر مصدر للواردات التركية. لكن هذه العلاقة ليست مكلفة. بل على العكس من ذلك، وفرت تركيا ملياري دولار أمريكي من واردات النفط من روسيا عن طريق شراء النفط بسعر مخفض. وقد تمكنت أنقرة من القيام بذلك لأنها رفضت الانضمام إلى نظام العقوبات الذي تقوده الولايات المتحدة على روسيا. ونتيجة لذلك، أصبحت روسيا أكبر مورّد للطاقة لتركيا في عام 2023. وفي العام ذاته أيضاً استوردت تركيا 49.93% من نفطها من روسيا. وقبل عام، بلغت حصة النفط الروسي في السوق التركية 40.74%. نتيجة لذلك، حاولت الولايات المتحدة خلال الأشهر القليلة الماضية فرض عقوبات جديدة على روسيا لجعل العلاقات بين تركيا وروسيا صعبة. ولكن ليس من الصعب تخمين ما إذا كان ذلك سوف يخلف أي تأثير حقيقي، نظراً لتزايد توفر القنوات البديلة، على سبيل المثال، استخدام دول آسيا الوسطى، لإجراء التجارة وتحويل المدفوعات.
ومع ذلك، فإن الجهود الأمريكية لوضع قيود على كيانات من روسيا والشرق الأوسط لمنعها من التعامل التجاري مع روسيا نفسها تظهر النجاح الذي حققته روسيا في الشرق الأوسط. وتخشى الولايات المتحدة أنه إذا استمرت روسيا، مثل الصين، في توسيع علاقتها مع هذه المنطقة الغنية بالطاقة، فقد يؤدي ذلك إلى تسريع خروج الولايات المتحدة من المنطقة، مما يترك جهود واشنطن لتجديد علاقاتها -بما في ذلك تقديم شراكات دفاعية استراتيجية لدول مثل المملكة العربية السعودية- لا معنى لها في مواجهة روسيا.
وحتى إذا تحدثنا عن سيناريو افتراضي هو تأخّر أفول نجم الولايات المتحدة وأنّ الرأي السياسي في بعض دول الشرق الأوسط سيشهد تغيراً جذرياً ليصبح دون سبب ولا سياق مؤيداً للولايات المتحدة من جديد، فإن ذلك لا يعني «نهاية» الوجود الروسي في الشرق الأوسط وعلاقته به. والسبب الأساسي وراء ذلك هو رغبة دول الشرق الأوسط في إعادة تموضعها في النظام العالمي الناشئ باعتبارهم لاعبين مستقلين قادرين على التأثير على السياسة العالمية ــ وهو ما تستطيع هذه الدول تحقيقه من خلال تنويع سياستها الخارجية، أولاً وقبل كل شيء، عبر الحدّ من الرضوخ لإملاءات الولايات المتحدة في سياستها الخارجية، بحيث يلغي هذا اعتمادهم التاريخي عليها بشكل كامل. بهذا المعنى، فإنّ انخراط روسيا في الشرق الأوسط ليس مجرّد ظاهرة قصيرة المدى من شأنها أن تنتهي في اللحظة التي تعرض فيها واشنطن صفقة على دول الخليج. إنها موجودة لتبقى، مع احتمالات نموها بشكل أكثر إشراقاً من أي وقت مضى في الفترات القادمة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1167