«Katehon» إعداد وترجمة: رنا مقداد «Katehon» إعداد وترجمة: رنا مقداد

أوروبا الشرقية: السير على حبلي روسيا و«الناتو»

لا تزال تمثل العلاقة بين بلغاريا وروسيا، وبينها وبين الاتحاد الأوروبي، صورة مصغرة عن الصراع الذي تعيشه دول أوروبا الشرقية التي تربطها علاقات «الأمر الواقع» مع الاتحاد الأوروبي، فيما تشكل الروابط مع القطب الصاعد، الروسي الصيني، طوق خلاص من التورط أكثر في مشاريع الفوضى الأمريكية.

اقترح رئيس الوزراء البلغاري، بويكو بوريسوف، خلال الأسبوع الماضي، إعلان البحر الأسود منطقة منزوعة السلاح، حيث لن يسمح للسفن الحربية والغواصات بالدخول إليه. ويأتي ذلك التصريح في أعقاب حملة واسعة من قبل «الناتو» لتوريط بلغاريا ورومانيا وتركيا، في مشروع تسلح ومواجهة مع الجانب الروسي في منطقة البحر الأسود.  

قال بوريسوف إن بلاده ستقف عائقاً في وجه العمليات العسكرية أو تركيب منظومات صواريخ في منطقة البحر الأسود. وبدلاً من ذلك يجب أن تكون هناك فرص لتطوير إمدادات الغاز الطبيعي واستخراج النفط والسياحة والصيد والتجارة.

وأوضح رئيس الوزراء البلغاري أن الصواريخ والسفن الحربية والغواصات المنتشرة في البحر الأسود لن تجلب أي شيء إيجابي إلى الدول المجاورة. وقد سبق لبوريسوف أن قدم خطته لزعماء الدول الذين زاروا البلاد، والتي ستتم مناقشتها لاحقاً مع نظرائه الأوروبيين.

وقال بوريسوف إن زيادة الوجود العسكري لأحد الأطراف ستؤدي إلى إجراءات متبادلة من الطرف الآخر. لهذا، فمن المستحسن أن تسعى دول المنطقة لبناء جسور التعاون، بدلاً من إشعال الصراع.

في الواقع، لا يبدو أن هناك مستفيداً من هذا الحل الجذري في البحر الأسود أكثر من بلغاريا ورومانيا، اللتين لا تملكان عملياً أساطيل ذات قدرة قتالية عالية هناك، بينما أسطول البحر الأسود الروسي هو المجموعة البحرية القتالية الوحيدة التي لديها سفن قتالية عالية القدرة في الجنوب. ولدى تركيا أسطول قتالي في البحر لتوسيع منطقة نفوذها الجيوسياسي، وهي غالباً لن تستطيع تحقيق ذلك. 

وقد جاء هذا البيان ليس لتنفيذ الخطة، ولكن للدلالة على الموقف البلغاري نحو خطة «الناتو» التي تهدف لزيادة الوجود العسكري في المنطقة. ويأتي هذا البيان في تناقض مع خطط حلف شمال الأطلسي لتعزيز وجوده العسكري في البحر الأسود، وليبين أن بلغاريا واحدة من الدول التي باتت تدرس جدياً علاقاتها مع «الناتو» وروسيا.

صوفيا

 تريد تطبيع العلاقات مع روسيا

أعلن رئيس الوزراء البلغاري، مؤخراً أنه يسعى لتخفيف حدة التوتر وتطبيع العلاقات بين بلاده العضو في حلف الناتو وبين الاتحاد الأوروبي من جهة، ومع روسيا من جهة ثانية، في تعليقه على دعوات قادة الاتحاد الأوروبي لفرض مزيد من العقوبات ضد روسيا.

وقال بوريسوف: «حسناً، إذا كان هذا ما يريدونه، والعقوبات سوف تستمر على روسيا، فإننا نفقد الكثير من المال في مجال الزراعة نتيجة لهذه العقوبات». وفي عام 2015، عانت بلغاريا من خسائر بلغت 80 مليون يورو بسبب التدابير المضادة لروسيا. ما جعل بلغاريا غير مهتمة بالانجرار إلى صراع جديد مع موسكو.

في الآونة الأخيرة، كان لبلغاريا ردة فعل مرتبكة حول الاقتراح بوجود بحري دائم للناتو في البحر الأسود على شواطئ رومانيا. تركيا أيدت المبادرة في البداية، ولكن السلطات في صوفيا نأت بنفسها عن هذه المبادرة، على الرغم من أنها بدت مؤاتية في البداية. ثم تراجعت عنها تركيا أيضاً بهدف التقارب مع روسيا.

وقال بوريسوف في ذلك الوقت: «لقد قلنا دائماً إننا بلد مسالم. لا نريد للبحر الأسود أن يصبح منطقة نزاع عسكري.. نرفض فكرة أسطول مشترك لحلف شمال الأطلسي في البحر الأسود». ووفقاً لاتفاقية مونترو، التي تحظر وجود دائم للسفن الحربية لغير دول منطقة البحر الأسود، فإنها يمكن أن تتكون فقط من أساطيل بلغاريا ورومانيا وتركيا.

خطة الناتو في البحر الأسود والغموض البلغاري

تبرز تصريحات بوريسوف من بين قادة الناتو الموافقين على توسيع الوجود العسكري للحلف في البحر الأسود، لكن قراراً نهائياً في هذا الصدد سيتم اتخاذه في القمة المقرر عقدها في شهر أوكتوبر القادم.

ويقول البيان الختامي لقمة وارسو: «نحن أيضاً نسعى لتطوير الخطط الموضوعة للجزء الجنوبي الشرقي من أراضي الحلف. ستتخذ التدابير المناسبة الموضوعة خصيصاً لمنطقة البحر الأسود، ومنها المبادرة الرومانية لإنشاء لواء متعدد الجنسيات للمساعدة في تحسين التدريب المتكامل لوحدات الحلفاء تحت مقر الفرقة متعددة الجنسيات في الجنوب الشرقي، سيسهم هذا بشكل عام في تعزيز التحالف من ناحية الردع والدفاع، ويسهل عمل حلف الناتو دون قيود. كما سيوفر هذا إشارة قوية لدعم الأمن الإقليمي. وسيتم تقييم الخيارات لتعزيز القدرات الجوية والبحرية للناتو».

في المقابل، أيد الرئيس بليفنيليف، الذي قاد الوفد البلغاري في قمة الحلفاء موقف بلاده من وجود الناتو في منطقة البحر الأسود. ورفض في الوقت نفسه فكرة تشكيل منظمة حلف شمال الأطلسي لأسطول مشترك في البحر الأسود.

وفي هذا الصدد، من المتوقع أن يؤثر التناقض بين رومانيا وبلغاريا على الأمن في البحر الأسود على نشاط اللواء المشترك متعدد الجنسيات الذي سينشأ وفقاً لقرار قمة حلف شمال الأطلسي في وارسو.

 

غير جاهز للتصعيد

في شهر نيسان من هذا العام، خلصت دراسة لمعهد «غالوب» شملت أنحاء أوروبا الشرقية جميعها حول التصورات عن التهديدات الأمنية الوطنية للرأي العام، إلى إن روسيا لا تعتبر تهديداً للأمن القومي في بلغاريا، على عكس رومانيا، حيث نشرت منظمة حلف شمال الأطلسي دعاية مثيرة للحرب أظهرت أن 52٪ يعتبرون روسيا التهديد الرئيسي للأمن القومي، على الرغم من أن روسيا لم تظهر أي اهتمام خاص نحو رومانيا.

أمام هذه الحال، يظهر مسعى رئيس الوزراء البلغاري أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي أقل سيطرة على النخب السياسية في بلغاريا قياساً برومانيا. وهم يفضلون استراتيجية إعادة النظر في العلاقة مع روسيا والناتو، ربما بهدف الحصول على تفضيلات من كل من الولايات المتحدة وروسيا. إلا أن الأولى ليس لديها جدياً ما تقدمه، سوى المزيد من توريط حلفائها في مشاريع التوتير.

وكان بوريسوف هو الشخص الذي دمر في الواقع المشاريع المشتركة كلها بين بلغاريا وروسيا، بما في ذلك خط أنابيب «السيل الجنوبي» لنقل الغاز، ودفع الشراكة العسكرية إلى الأمام مع الولايات المتحدة (بما في ذلك القواعد العسكرية).

وإذا عارض مثل هذا اللاعب خطط حلف شمال الأطلسي، فهذا يؤشر إلى الكثير، فالمصالحة الأخيرة بين روسيا وتركيا قد تؤثر على تغيير سلوك القيادة البلغارية (أو على الأقل الجزء الذي يمثله رئيس الوزراء).

 

 

(0 أصوات)
No Internet Connection