خلفية حركة الاحتجاجات في سورية..  تساقطات الأزمة «المالية» العالمية.. وملامح الأزمة السورية
محمد جمال باروت محمد جمال باروت

خلفية حركة الاحتجاجات في سورية.. تساقطات الأزمة «المالية» العالمية.. وملامح الأزمة السورية

حقّق الاقتصاد السوري خلال الفترة بين منتصف العام 2008 التي تفاقمت فيها أعراض الأزمة المالية العالمية وبين العام 2009 معدّل نمو مرتفعاً قدره 5.9% قياساً على المتوسط  في الدول النامية واقتصادات السوق الناشئة الأخرى، التي انخفض معدّل النموّ فيها من 6.1% إلى 2.4% خلال الفترة نفسها، وقياساً على معدّل النمو في الفترة نفسها في الاقتصادات العربية الأخرى، التي تراجع معدل النمو فيها بالأسعار الثابتة خلال عام 2009 إلى نحو 1.8% في العام 2009 مقارنة مع نحو 6.6% في العام 2008.

 

غير أنّ معدل التضخم ارتفع في سورية إلى مستوى كبير ووصل في العام 2008 إلى 15.9%، بينما انخفضت معدلاته في العالم والمنطقة جرّاء تقلّص الائتمان العالمي وانخفاض قيم الأصول، ومنها الأصول العقارية وتراجع أسعار السلع الأولية، وعلى وجه الخصوص أسعار النفط. كما ساهم الركود في الاقتصاد العالمي في احتواء زيادات الأجور وتقلّص هامش أرباح الشركات. وقد بلغ معدّل التضخّم في الدول المتقدمة 0.8% في العام 2009 مقارنة بـ2% في العام 2008، كما انخفض معدّل التضخّم في مجموعة الدول النامية واقتصادات السّوق الناشئة الأخرى من 9.3% إلى 5.7% خلال الفترة نفسها.

لقد كان تحقيق هذا المعدّل من النموّ دليلاً على قوّة الإطار الكلّي للاقتصاد السوري وتوازنه، لكن لو تمّت السياسات التحريرية في إطار إصلاحي مؤسّسي لعظم الناتج بنقاط إضافية، وكان ما فعلته السياسات التحريرية هو هدر هذه النقاط فيما يمكن تسميته معدل النمو الكامن أو المحتمل في الشروط نفسها في ما لو اضطلعت السياسات بذلك.

الآثار غير المباشرة للأزمة وموقعها بين الأزمات التاريخية

تعرّض الاقتصاد السوري في تاريخه الحديث إلى ثلاث أزماتٍ ماليةٍ دوليةٍ، كانت الأولى في العام 1929 في فترة الانتداب الفرنسي، وقد تمفصلت آثارها في تدمير الإنتاج الورشي والحرفي الوطني، النسيجي والجلدي وغيره، ووقوع كبار الملاّكين التقليديين وكبار الملاّك المترسملين في ضائقةٍ شديدة وصلت إلى درجة الإفلاس، والاختناق بديون المصرف الزراعي الباهظة نتيجة انهيار أسعار المحاصيل في السوق العالمية من جهةٍ، وتداعيات موجة الجفاف القاسي التي استمرّت أربع سنوات. فقد ارتبط الملاّكون التقليديون كما الملاّكون المترسملون بالسوق العالمية من خلال الإنتاج الزراعي البضائعي الموجّه إلى التصدير ولاسيّما القطن، أو من خلال شراء الأسهم في البورصات العالمية. وكانت هذه الآثار مدمّرةً  للاقتصاد السوري بسبب اعتماد سلطات الانتداب الفرنسي سياسة «الباب المفتوح»، وانهيار الليرة السورية بسبب ارتباطها بالفرنك الفرنسي، ولم يكن ممكناً الخروج منها من دون تنويع النشاط الاقتصادي، وإعادة هيكلته على أساس انطلاق الصناعة التحويلية السورية التي مهّدت لبزوغ طبقة جديدة في دمشق وحلب. وستحتل هذه الطبقة الجديدة مساحاتٍ كبيرةً من الحيّز السياسي الحزبي والانتخابي والحكومي الذي كان يحتله كبار الملاك التقليديون والمترسملون.

أمّا الأزمة الثانية فتمثلت في الأزمة المالية الآسيوية في العام 1997، وكانت آثارها محدودةً في سورية، لكنها كانت مؤثرة من خلال انخفاض سعر برميل النفط الذي كان يموّل القسم الأكبر من عملية النموّ بعد انكفاء القطاع الخاصّ عن مواصلة اندفاعته الاستثمارية (1987-1996)، وهو ما أدّى إلى انكماش الإنفاق الاستثماري والجاري العام وجمود النشاط الاستثماري العام، بينما تساقطت عليه آثار الأزمة الثالثة التي انكشفت  في آب 2008  وتفاقمت أعراضها في الثلث الأخير من العام 2008، منتقلةً إلى عمق الاقتصاد الحقيقي، ثم امتدت من الدول المتقدمة إلى الدول النامية ومنها الدول العربية، ليدخل عندها الاقتصاد العالمي في فترة من الركود ما زالت تداعياتها مستمرةً  بشكلٍ غير مباشر وأساسي. ولم تبرز آثار مباشرة لحجم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على سورية للاستثمار، لكن برزت الآثار غير المباشرة من خلال ما يلي:

‌أ- تراجع الصادرات وإفلاس المئات من المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة، أو اضطرارها إلى العمل بشكل جزئي، أو خفض قيمة عقودها مع شركائها التجاريين الرئيسيين ولاسيما مع الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي وشمالي أفريقيا، ما أدّى إلى تسريح كثير من العمّال، وارتفاع معدّل البطالة. والواقع أن ما فعلته الأزمة كان تسريع انكشاف أزمة الصناعة السورية التي لم يتم تمكينها قبل اتخاذ الحكومة قرارها الاستراتيجي بالتحرير الكامل للتجارة الداخلية، ومحاولة التكيف مع معايير التجارة الدولية، فوجدت نفسها في أسواق منطقة التجارة الحرة العربية (غافتا) وتركيا أمام منافسة شديدةٍ من فيض البضائع ذات شهادات المنشأ المزوّرة لمنتجاتها للاستفادة من الإعفاءات الجمركية، وغزو السلع الصينية الرخيصة الثمن، وارتفاع تكلفة إنتاجها بسبب ارتفاع سعر موادّها الخام والوسيطة، ورفع الدعم عن المازوت الذي لجأت إليه كثير من الصناعات المرخصة على أساس استخدامه لخفض التكلفة.

ب‌- تدنّي تحويلات المهاجرين إلى دول مجلس التعاون الخليجي التي تقدَّر بما بين مليار و 1.4 مليار دولار سنوياً إلى النصف تقريباً، بسبب انعكاس الأزمة على دخولهم وأعمالهم في تلك الدول، وفقدان البعض منهم وظائفه، أو اضطراره إلى العودة إلى سورية، أو إنفاق قسمٍ كبيرٍ من مدخراته، لأن آثار الأزمة العالمية كانت الأشد وطأةً على دول مجلس التعاون الخليجي بسبب اندماجها في الاقتصاد العالمي، وبالتالي انكشافها الاقتصادي الخارجي. وأثر ذلك في حجم طلب المهاجرين في دول مجلس التعاون الخليجي على البضائع السورية لأنها أكبر مستقبلٍ للهجرة السورية، كما أثر سلباً في حجم الطلب الداخلي.

إدارة آثار الأزمة: الدراما التحريرية

أ -  التمكين والتحرير: من هدر التصنيع إلى محاولة إصلاحه

في الوقت الذي لا تتحمل فيه السياسات التحريرية مسؤولية الأثر الثاني للأزمة العالمية المتمثل في تراجع التحويلات إلى ما يقدّر بالنصف، فإنها تتحمل مسؤوليةً مباشرةً عن الأثر الأول المتمثل في انهيار مئات المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة كلياً أو جزئياً. فمن المعروف أن السياسات التحريرية سرّعت تحرير التجارة الخارجية بأعلى ممّا تتطلّبه التزامات الانضمام إلى المنظومة الأورو- متوسطية أو حتى منظّمة التجارة العالمية في إطار منظورها للنموّ عبر التجارة.

إنّ تحرير التجارة يحفّز النموّ شرط ربط ذلك بقضيّة التنمية البشرية. فليس تحرير التجارة، كما معدّلات النموّ، هدفاً في حدّ ذاته، بل الهدف هو تحقيق مكاسب للتنمية. وكما يحدث في العالم حيث الاندماج في الأسواق العالمية يخلق فرصاً لكنه يخلق مخاطر، فإنّ هذه العملية تخلق على المستوى الوطني «المتعولم» خاسرين مهمّشين كما تخلق رابحين، وتفرض تكلفة عالية على التكيّف، ويمكن هذه التكلفة أن تدار بصورة  تؤثّر سلباً في التنمية البشرية. لقد غدت حرية التجارة هي التي تحكم النظر إلى التنمية. ولم تكن الذريعة الليبرالية السورية في النظر «الليبرالي» البسيط إلى التنمية عبر عدسة «تحرير التجارة» بأكثر قوّة من الذريعة التقليدية التي تدّعي أنّ الحماية مفيدة للنموّ، بقدر ما كانت محاكاةً بسيطةً لبعض سمات ما يمكن وصفه بـ«المكْسكة»، حين قادت المكسيك عملية تحرير التّجارة في العالم.

لقد سبقت عملية التمكين عملية التحرير في كافّة تجارب الاقتصادات الغنية إبان تطوّرها الصناعي، أو بلدان العالم الثالث التي نجحت في الاندماج ، وحتى في نمط الدول الليبرالية التّسلطية «الآسيوية»، فإنّ تايوان وكوريا الجنوبية والصين والهند وفيتنام لم تحرّر التجارة إلاّ بالتدريج بعد عملية التمكين التي تمّت من خلال الإصلاحات التي قامت بها. فعلى العكس من الاعتقاد الرائج يرتدّ النجاح في الاندماج العالمي، ليس إلى الاعتماد الليبرالي الاقتصادوي المفرط على آليات السوق بوساطة سلطاتٍ قويةٍ ، بل إلى تفعيل سياساتٍ صناعيٍة وتجاريةٍ واجتماعيةٍ داعمةٍ للتنمية ولتدخل الدولة في مشاريع تعمل على تحقيق تغييراتٍ بنيويةٍ ذات شأن في اقتصادها. والحقيقة أنّ تنميتها لم تتحقق بسبب ترويض السوق بل وبفضل توجيه الدولة للأسواق وسيطرتها على تحركاتها.

 كان المسيطر على تفكير قيادات السياسة التحريرية هو أنه في الإمكان تمثّل الشروط العالمية للاندماج بشراكة أو من دون شراكةٍ وإنتاجها وطنياً بحيث يمكن بناء اقتصاد عصري له حرية واسعة في قراراته حتى لو لم يستفد من برامج الشراكة. لقد كان التوجه هو تحرير التجارة الخارجية، وكأن هذه الشراكات المؤسسية قائمة. وقد قذف هذا التحرير الصناعة السورية في لجّة «الحرج» بما يشبه «الصدمة»، واضعاً إياها في سؤال التآكل والانهيار إن لم تتمكّن من إعادة بناء قدراتها والتحوّل الجذري من نمطها الإحلالي «المتوجه إلى الداخل» إلى النمط التصديري والتنافسي «المتوجه إلى الخارج»، أو في سؤال النهوض.

إن هذه السياسة التحريرية تنطوي على جانبٍ إيجابي يتمثل في «إحراج التنمية»، وهو الاسم الطيّب لـ«الصدمة»، إذ تفرض عملية رمي الصناعة السورية في «النهر» أن تتعلم «السباحة» وتجيدها بوصفها فناً، وأن تتحوّل إلى «ملاحٍ» ، أو تتعرض للهلاك والغرق. لكن الخلل الجوهري في هذه السياسات هو أن سياسات التحرير، أي سياسات القذف في «النهر» كانت شديدة التباطؤ في عملية تمكين الصناعة السورية لمواجهة التجديف الصعب في موجات النهر الجارف، والمليء بالمنحدرات. بينما لو وضعت هذه السياسات التحريرية في إطار مؤسسي تنموي لكان عليها أسوة بالتجارب «الناجحة» في الاندماج أن تربط ربطاً كاملاً بين عمليتي التحرير والتمكين كي يكون الاندماج صفقة «رابحة» وليس صفعة مؤلمة. إن هذه «الصفعة» لم تمسّ المنشآت الصغيرة الضعيفة تقنياً، والتي شهدت ما يمكن تسميته بالبطالة الهيكلية الناتجة عن عدم التكيف مع السوق ومتطلبات المنافسة، بل مسّت المنشآت المتوسطة وبعض المنشآت الكبيرة جزئياً.

في مرحلةٍ متأخرةٍ، وبعد أن أخذت الاقتصادات العالمية بما في ذلك اقتصادات القلاع الليبرالية الجديدة  تعود إلى إنعاش الدور التدخلي للدولة بما يشبه كينزيةٍ جديدة في بعض المجالات، تدخلت الحكومة بشكل طفيف في التجارتين الخارجية والداخلية، واتخذت في شباط/ فبراير 2009 حزمة قراراتٍ إصلاحيةٍ للقطاع العام الصناعي تعتبر امتداداً لتلك الأفكار التي طرحت في العامين 2002-2003، لكن بعد ست سنواتٍ «مهدورة»  كانت كافية لتفاقم مشكلاته غير المحلولة. هكذا كانت سنوات الإصلاح «المهدورة» في سورية ثمناً دائماً لسياسات عقليتي «الخوف» من التحرير أو المجازفة به الاقتصادويتين غير المؤسستين.

ب-  أزمة الزراعة

 تعود أزمة الزراعة السورية إلى ما قبل انكشاف الأزمة المالية العالمية وانتقالها إلى الاقتصاد الحقيقي بسنواتٍ عديدةٍ على الأقل، ولكن السياسات التحريرية قامت بتأزيمها في شروط الأزمة العالمية. وتعني هذه الفرضية أنّ الصقيع أو الجفاف بحسب موسمية المحاصيل ليس العامل المهم الوحيد في أزمة الزراعة، بل إن الأزمة هي بنيوية. وترتد هذه الأزمة إلى دخول المجتمع الزراعي السوري في مرحلة تطوره التاريخية الكبرى الثالثة.

كانت المرحلة الأولى (من خمسينيات القرن التاسع عشر إلى العام 1958) قد اتسمت بهيمنة الملكية الكبيرة لكبار الملاّكين المدينيين «الغائبين» عن هذا القطاع، ودخول الأرض في الأربعينيات والخمسينيات في مرحلة رسملة الزراعة ومكْننتها في إطار الثورة الزراعية التي قادها عددٌ من كبار المستحدثين..

أمّا المرحلة الثانية (من العام 1958 الذي طبق فيه الإصلاح الزراعي إلى العام 1973 الذي توقفت فيه عملية توزيع الأراضي على الفلاحين)، التي تمّت لدواعٍ اجتماعيةٍ لا لدواعٍ إنتاجيةٍ، فقد تميزت بسيادة الملكية الصغيرة والمتوسطة للأرض. ومثلما ترتبط أزمة كل مرحلةٍ بالمخرج من أزمة المرحلة التي سبقتها، فلقد ارتبطت أزمة المرحلة الثالثة بتذرّر الملكيات الصغيرة والمتوسطة ، بسبب الإرث، والصراع العائلي بين أفراد العائلات الفلاحية التي تتسم نساؤها بخصوبتهن المرتفعة ، وعدم الجدوى الاقتصادية لهذه الملكية المتذرّرة في ظل ارتفاع معدل النمو العائلي الحائز هذه الأرض.

 وترافقت هذه الأزمة مع ارتفاع آثار التلوث بما فيها التصحر وتملح الأرض وهجرانها، والزحف العمراني والاقتصادي على الأراضي الزراعية، وارتفاع قيمة الأرض المرتبطة بذلك النشاط، وتموضع العشوائيات في الأراضي الزراعية الأكثر خصباً، وتحوّل الموارد المائية من مرحلة الوفرة إلى مرحلة الندرة، وارتفاع وتيرة تمدين الريف السوري، وتحوّل الزراعة في الأراضي الصغيرة والمتناهية في الصغر إلى نمط حياة أكثر ممّا هو نمط إنتاج له عائدية تغطّي تكلفة الحياة الأساسية. وتمثّلت المشكلة في أنّ الأراضي المتذرّرة وهي أراضي الإصلاح الزراعي كانت من أخصب أنواع الأراضي في سورية، وأكثرها عائديّةً، بينما حلّت الدولة كـ«رأسمالي عام» مكان طبقة المستحدثين الزراعيّين الرائدة التي ضربها الإصلاح الزراعي في تحديد خطّة الإنتاج والتّسويق قبل تحريرها في سياق عمليّة التحرير الثّالث في سورية.

كان تقدّم القطاعات الأخرى على المستوى القطاعي أحد أبرز عوامل تراجع الزراعة، ففي بداية العام 2002 كانت الزراعة تتقاسم المرتبة الأولى مع الصناعة والتعدين في ترتيب القطاعات المولّدة للدّخل القومي، وفي نهاية 2009 تراجعت الزراعة إلى المرتبة الثالثة بعد الصناعة والتعدين وتجارة الجملة والمفرق، لكن بالأسعار الجارية ظلت قيمتها مرتفعة.

الزراعة والعشرية الأخيرة

 كانت محصلة النموّ الاقتصادي على المستوى الإجمالي للعشرية الأخيرة إيجابيةً في منظور الشروط والسياقات والتجارب المقارنة، وبوصفها حقبة توتّر وضغوط جيو-بوليتكية على سورية والإقليم، وحقبة صقيع وجفاف في وقتٍ واحدٍ. وقد تساقطت آثار هذا النموّ بشكل أساسي في أيدي الطبقات والفئات والشّرائح الاقتصادية- الاجتماعية القوية، ولاسيّما رجال الأعمال ورجال الأعمال الجدد بشكل خاصّ الذين جرت عملية إعادة تشكيلهم في سياق إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني على أساس اقتصاد متوجّه إلى الخارج وقابل للتعولم حيث يعتبر قطاع الخدمات الإنتاجية قاطرته الأساسية.

تختلف أزمة الزراعة العائدة إلى عوامل موضوعية مناخية أو بشرية، مثل تنوّع القطاعات الاقتصادية وتقدّمها، وارتفاع وتيرة التمدين وغيرها، عن سياسة «تأزيم الأزمة»، في أنّ هذه السّياسة الأخيرة منظّمة وصادرة عن إرادة سياساتية مسبقة، وبالتالي كان يمكن تجنّبها أو تخفيف جرعتها فيما لو أخذ في الاعتبار الرؤية التي تسأل: من أنا؟ ماذا يمكن أن يحدث؟ ماذا أملك؟ ماذا يمكن أن أفعل؟ كيف أفعل؟ وهي الرّؤية المعروفة في منهجيات الاستشراف الاستراتيجي في معرفة ماذا يمكن أن يكون عليه المستقبل..

تعرّضت الزراعة السورية، بعد أن مرّت بها محنة الصقيع، إلى أسوأ موجة جفاف مرّت بها منذ خمسة عقود على الأقل. واستمرّت هذه الموجة طيلة فترة ( 2006-2009)، وبلغت ذروتها في العامين (2007-2008)، أي في العامين اللذيْن انكشفت فيهما الأزمة المالية العالمية.

 يتمثّل السؤال هنا في ما يلي: هل كانت السياسات التحريرية على درايةٍ بتاريخ سورية المناخي- الاقتصادي هذا، وبتجاوب الأجيال السابقة في تجاوز الأزمة؟ وهل فكّرت في وضع الزراعة حين فكّرت في تحرير أسعار المشتقات النفطية ولا سيّما مادّة المازوت؟ وهل كان في إمكانها بلوغ مآربها من دون سحب هذا الدعم الأساسي للزراعة؟ إنّ الإجابة ستكون حكماً سلبية. فالسياسات التحريرية المسكونة بهاجس التجارة والخدمات، والتي تنظر شزراً إلى الصناعة والزراعة تاركةً إياهما وفق «جدول الأعمال كالمعتاد» لم تكن على درايةٍ حقيقيةٍ بذلك، بقدر ما سيطر على تفكيرها الحلّ الليبرالي الجديد «المكتبي» لعجز الموازنة، والوصول إلى «موازنة الموازنة»، فكان تفكيرها مالياً محاسبياً جبائياً بحتاً. ولكن هل كانت الموازنة في عجزٍ كبيرٍ يستحقّ هذه المجازفة، وهي إلحاق الدمار بالزراعة في شروط الأزمة العالمية؟

تمثّل المفتاح في هذه «المجازفة» في التخلص من الدعم العام الذي يشكل دعم المحروقات وحواملها نسبةً  تصل إلى ما يقارب 9.3% من أصل 11،% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية. أخضع موضوع رفع الدعم إلى نقاش معمّق في مؤسّسات النظام السياسي، وحصل كلّ فريق على دعم سياسي لطرح وجهة نظره، لكن تقرّر رفع الدعم في النهاية، ثمّ التراجع عنه جزئياً إزاء «الكارثة». وحصل هنا «تأزيم الأزمة». وكان ذلك كله جراء الرؤية التحريرية الاقتصادوية المحاسبية لتوازن الموازنة وليس رؤية الزراعة ورؤية القطاعات الأخرى التي تعتمد عليها في نشاطها ونموّها وفي مساهمتها في الناتج المحليّ الإجماليّ.

لقد كانت عملية تحرير أسعار المشتقات النفطية من دون تمكينٍ مسبقٍ لها عبارةً عن امتثال «بسيط» لتوصيات بعثة صندوق النقد الدولي، مع أنّ هذه التوصيات ليست ملزمةً للحكومة السورية التي لم توقّع أيّ اتفاقية مع الصندوق. لكنها عملت وكأنها وقّعت مثل هذه الاتفاقية.  وقد تجاهلت السياسات الليبرالية السورية، وهي تفكر في رفع الدعم عن المشتقات النفطية، أنّ الدّعم المباشر الذي تقدّمه الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي لقطاعاتها الزراعية يفوق، على الرغم من نشوء منظمة التجارة العالمية، ما كان يقدّمه الاتحاد السوفياتي لدعم زراعته.

• مقتطفات من دراسة «العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح» (ج3).