تحديات أمام التنظيم النقابي والاتحاد العام المتجدد
يزداد مستوى التحدي الماثل أمام التنظيم النقابي بأكمله، والناتج عن تطورات الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي والخدمي في سورية، جراء غياب أي نهج اقتصادي حكومي واعٍ ومنسجم مع الواقع والضرورات، مع انغلاق أي أفق يبشر بغير ذلك. وهذا واضح لدرجة كبيرة لا يحتاج لتكرار المكرر.
وما يهمنا في الإشارة لهذا الواقع الكارثي والخطير الذي تعيشه الطبقة العاملة من غياب لأدنى مقومات الأمن الاجتماعي بمكوناته المعيشية والغذائية والصحية والخدمية والحقوقية، هو دور المنظمة النقابية في إدراكه والعمل النقابي الجاد بناءً عليه. ولا يمكن لأحد أن يتهم التنظيم النقابي العمالي بالجهل أو عدم الدراية، ومن الاستحالة أن يكونوا غافلين عما تعانيه الطبقة العاملة على طول البلاد وعرضها، أو أنه خفي عنهم. وهذا ما يزيد من امتعاض العمال وغضبهم واتهامهم المتكرر للتنظيم بعدم الاكتراث، ويزداد هذا الانتقاد والغضب كلما تناول الهيئة الأعلى على سلم التنظيم النقابي. ليبقى السؤال الدائم: أين النقابات؟ وأين الاتحاد العام؟ لماذا لا يقومون بشيء ما؟ ألا يعرفون؟ ألا يشعرون بما نشعر؟ هل يعيشون بمعزل عن مصائبنا وظروفنا وفقرنا؟ ألا يدركون حجم البطالة والعوز؟ ألا يحصون عدد المفصولين والمطرودين؟ ألم يطلعوا على عدد الذين انتهت عقودهم ولم تجدد؟ والذين توقفت معاملهم وانقطعت أرزاقهم؟ ألم يتلمسوا خطورة الخصخصة؟ هل انفصلوا عن واقعهم وكيف؟ من أين يأكلون ويشربون ويدفعون فواتير الكهرباء والاتصالات؟ ماذا يلبسون؟ هل يخوضون معركة المواصلات العامة كل يوم ويدفعون نصف راتبهم عليها؟ أم أنهم يعانون ما نعانيه لكنهم عاجزون عن فعل شيء؟ وهل تولوا أمرنا فقط كي يشرحوا لنا معنى العجز؟
إن التطرق لغياب دور التنظيم النقابي ومسؤولياته ليس بجديد، وقد طال الحديث به تصريحاً وتلميحاً، وتَعج الصحف والمواقع بمئات الدراسات والمنشورات الخاصة بذلك، وهو من الأحاديث اليومية في المعامل والمؤسسات وأروقة النقابات ومكاتبها، لأنه أصبح واقعاً مكرساً وظاهرة تاريخية تطورت بجملة التطورات السياسية في البلاد، وتفاقمت مع مرور الأيام والسنين ووصلت لما وصلت إليه اليوم. وبعيداً عن توزيع الاتهامات وحصة كل طرف فيها، والتي حصة الأسد فيها لسلطة الأسدين على التوالي، لا بد لنا من وقفة مع العامل الذاتي للمنظمة النقابية. ولا نتحدث هنا عما مضى منها بل عما هو قادم، ليس لمحاولة القطع معها أو لعدم أهميتها كتجربة يستفاد منها بشكل كبير، بل لنخفف الأعباء عن أنفسنا ونكتفي بفهم جذورها، ونبدأ بالإجابة عن السؤال التاريخي الأساسي: ما العمل؟ كيف نوقف هذا التراجع المستمر لدور التنظيم النقابي وترهل بناه وقلة حيلته، وغيابه شبه التام عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد؟ كيف نستعيد عمالنا إلينا؟ وكيف نوحد قوانا ونعبر عن وحدة مصيرنا الطبقي أمام ما نواجهه اليوم وما سنواجهه غداً؟ كيف نتحرر من الوصاية والهيمنة وننتزع استقلاليتنا وقرارنا؟ من أين نبدأ وكيف ومتى؟
الحوار مع العمال في تجمعاتهم والقوى النقابية
إن التسلسل البديهي للخروج من أي أزمة كأزمتنا يبدأ بالاعتراف بها أولاً جهاراً نهاراً، ودعوة الجميع لحوار عمالي نقابي واسع وشامل يجمع القوى الأساسية كلها على طاولة واحدة للوصول إلى تكوين الرؤية وتحديد الأسباب وتشكيل لجان متابعة لمخرجاته ونتائجه، وتكليفها بوضع مسودة لبرنامج متكامل يُحمَل إلى العمال في تجمعاتهم، وتُقام ورش عمل متواصلة معهم نسمع منهم ونأخذ برأيهم ومقترحاتهم وتعديلاتهم الصائبة، دون تنظير أو استعلاء. فهذه النقابات لم تقم إلا على أكتافهم، ولم يوضع قانون التنظيم النقابي إلا وهو مبلل بعرقهم، ولم تتوحد النقابات باتحاد واحد إلا بإرادتهم الطوعية ووعيهم النضالي، ولا أحد أجدر على فهم الواقع الملموس وعلاجه منهم. وخير دليل على ذلك المؤتمرات النقابية التي، رغم كل محاولات ضبطها، تَعج بالعشرات منهم. بهذا فقط يمكن أن توضع النقابات على مسارها الصحيح وعلى أرضية صلبة تستطيع بعدها التقدم في الاتجاه الصحيح. ونعلم بأن ما ينتظر الطبقة العاملة وتنظيمها النقابي ليس سهلاً بل شديد الصعوبة، خاصة مع تعاظم حجم الخصوم ونفوذهم الاقتصادي الليبرالي المتنامي. وهذا تحديداً ما يجعل من هذا الحوار ونتائجه ضرورة أكبر.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278
هاشم اليعقوبي