الموظفون على باب الجمعيات الخيرية

الموظفون على باب الجمعيات الخيرية

هل وصل الأمر إلى هذا الحد؟ «إي وأكتر والله العظيم فقرونا وبهدلونا وشحدونا اللقمة، ما بحياتي كنت متخيلة حالي وقفة على دور الجمعية لآخد حصة مونة أو شقفة لحمة، ليش هيك عم يعملوا؟». بهذه العبارات المنكسرة أجابت الخالة أم تيسير – هكذا عرفت عن نفسها – قبل أن نكتشف لاحقاً بأنها نفسها الآنسة أمل، مدرسة الصف الخامس في إحدى مدارس منطقة الزاهرة التي قضت أكثر من 18 سنة في تعليم المرحلة الابتدائية فيها، وإن كانت كنية «أم تيسير» ليست شائعة في حياتها الاجتماعية كثيراً إلا في أوساط نادرة، ومنها الجمعيات الخيرية التي باتت تقصدها منذ أشهر ليست كثيرة.

تعتبر الآنسة أمل من المعلمات القليلات اللواتي عرفتهن عائلات المنطقة، كونها تدرّس في مدارسها منذ سنوات طويلة، إضافة إلى نشاطها في تدريس الطلاب في منزلها المستأجر في منطقة دف الشوك، واقتصر نشاطها التدريسي على أبناء طبقتها الاجتماعية، فصارت ملاذاً وطوق نجاة للعائلات الفقيرة التي لا تقوى على دفع كلفة الدروس الخصوصية المتعارف عليها، فهي قامت بتحويل منزلها إلى ما يسمى «بيت الطالب»، فتقوم بمتابعة دراسة طلابها بشكل يومي وبجميع مواد المرحلة الابتدائية، تشرح دروسهم وتساعدهم في حل وظائفهم، إضافة إلى تهيئتهم للمذاكرات الدورية والفحص النهائي، معطية جل وقتها لهذه المهمة مقابل أجر زهيد لا يتجاوز «خرجية» طالب واحد، ورغم ذلك تراها تمنح الحسومات وتقسط الاستحقاقات وعندها دفتر للدين مثلها مثل بقالية الحارة، وهذا الدخل الإضافي على تواضعه كان يساعدها في تغطية جزء مهم من احتياجاتها الأساسية، ولكن الوضع تغير كثيراً خلال السنة الماضية بشكل عام، والأشهر الخمسة الأخيرة بشكل خاص.


عن جد صرنا نجوع


تقول الآنسة أمل: «ارتفع راتبي بالزيادة اللي أخذناها، بس قبضنا باليمين دفعنا ضعفها باليسار، أجرة بيتي كانت 400 ألف صارت مليون و200 ألف في دف الشوك، هيك صارت الإيجارات تلاتة أضعاف وما في بيوت أصلاً، والأكل والشرب والخبز والغاز وآخر شي الكهربا والنت، كل شي ارتفع، ما بقى فينا نجيب شي، مصروف البيت والولاد مو طبيعي، عن جد صرنا نجوع، مو مزح ولا مبالغة، وشو بدي آخذ من الطلاب؟ من وقت فتحت المدارس العدد عندي نزل للنص، دقيت لأهلهم أسأل عنهم ليش ما عم يجوا، شو برأيك قالوا لي؟ ما معنا ندفع، ما معهن 5 آلاف باليوم يدفعوها لولادهم ليدرسوا؟ متخيل يا أخي؟ بقوا عندي 8 طلاب بس، من وين بدي جيب مصاري أنا؟ نصحوني أرفع الأجرة، وأنا بلا ما أرفع راح نص الطلاب عندي، وبعدين على مين بدي أرفع؟ هدول ناس ما معها، دراويش، عايشين بالزور، عم يقطعوا من تمهن هالأهالي ليعلموا ولادهم».


لسا في أمل


وأضافت الآنسة أمل: «تعال شوف حال الطلاب بالمدرسة، مو طبيعي الوضع، اللي كانت حالته شوي أحسن اليوم ما بقا هيك، من لبسه وسندويشتو ومصروفو منعرف، في طلاب أحذية برجلين متل العالم ما في، نحنا مو مناح، والأهالي مو مناح، والطلاب كمان، كل مالها الأمور لورا، كنا نحفظ كرامتنا بكم ليرة بيجونا شوي، من شغل جوزي مع راتبي وشوية تدريس مدبرين حالنا الحمد لله، بس هلأ كيف؟ إذا فضيَت جرة الغاز كيف بعبيها وكيف بدفع الفواتير؟ من كم يوم انضرب عندي ميتور المي من ورا قلّتها، وبرنامج التقنين، كلفني التصليح 75 ألف، قايمتها من الأكل والشرب، طبيعي تلاقيني هون على باب الجمعية متلي متلهم، وإذا بضل الوضع هيك رح تلاقي الكل هون، ولعلمك كمان الجمعيات ما بقوا متل قبل، اللي عم يقدموه كتير قليل، كتر خيرهم طبعاً، بس قليل، ومع هيك راضيين فيه، بساعد شوي، اللي بعز علينا إنه بعد هالعمر والخدمة بالمدارس يصير فينا هيك، عم ندور على طاقة فرج، والله مو شايفينها، مشان هيك الناس ضايجة، شفت اللي طلعوا مشان الكهربا؟ لسا ما شفنا شي، رح نشوف الناس نازلة من الجوع، رح تنزل الناس كرمال رغيف الخبز وحبة الدوا. هالبلد مو للفقير ولا للموظف ولا للأجير، كل مالها عم تصير لهالقمة للمسؤولين وأولادهم وتجارهم، شوف سياراتهم وشوف الباص اللي منطلع فيه، شوف المطاعم والفنادق والمولات وشوف حارتنا ومدرستنا، تعال وقف الظهر وشوف الولاد والآنسات هن وطالعين من الدوام، تعال شوف الفقر والتعب والتعتير، والله بستحي وقف هالوقفة حتى لو مغطية وجهي متل كل هالنسوان اللي هون، لأني ما بدي طلابي يشوفوني. بتعرف ليش؟ ما بدي يخافوا من مستقبلهم، وما بدي (يكفروا بالوطن)، لأنو لسا في أمل».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1266