تفكيك وهم حياد السياسات الاقتصادية

تفكيك وهم حياد السياسات الاقتصادية

تتوالى تصريحات المسؤولين الاقتصاديين في الحكومة الانتقالية عن انتهاء الدور الأبوي للدولة، وأن الدولة ستعتمد مبدأ الحياد الاقتصادي وعدم التدخل في الحياة الاقتصادية. وهذه التصريحات تطرح سؤال السيادة الاقتصادية: هل القرارات الاقتصادية تصاغ للمصلحة العامة فعلاً، أم لضمان استقرار أرباح فئات محددة؟

تُقدَّم الدولةُ الحديثةُ الليبراليةُ بوصفها حَكماً محايداً بين المصالح الاجتماعية، ومديراً تقنياً للاقتصاد العام، لكن عند التدقيق في بنية السياسات الاقتصادية يبرز السؤال المقلق: هل الحياد حقيقة مؤسسية، أم خطاب يخفي انحيازاً بنيوياً لصالح رأس المال؟


وهم الحياد التقني


غالباً ما تُعرض قرارات مثل خفض الدعم وتجميد الأجور أو تحرير الأسعار باعتبارها ضرورات مالية لا بدائل عنها، تُصاغ بلغة الأرقام والعجز والنسب المئوية فتبدو كأنها قرارات هندسية لا سياسية، غير أن المؤرخ الاقتصادي كارل بولاني بيَّن أن تحرير السوق ليس مساراً طبيعياً، بل مشروعٌ سياسي يُعاد فيه تشكيل المجتمع ليتلاءم مع منطق السوق لا العكس، فحين تُقدم السوق باعتبارها مرجعاً أعلى، يصبح كل تدخل اجتماعي تشويهاً، بينما يُعد تدخل الدولة لحماية الربحية إصلاحاً.
الحياد إذن يتحول إلى خطاب: الدولة لا تختار بين المصالح، بل تصلح اختلالات، لكن من يحدد ما هو الاختلال؟


توزيع الأعباء في الأزمات


في كل أزمة اقتصادية تقريباً يُطلب من العمال تحمل المرحلة، بدءاً من تقليص المزايا وتأجيل الزيادات ومرونة أكبر في التسريح وضرائب غير مباشرة تطال الاستهلاك، في المقابل تُقدم تسهيلات ائتمانية وإعفاءات ضريبية أو برامج إنقاذ للقطاعات الكبرى بدعوى حماية الاستثمار والاستقرار.
هذا النمط يعكس ما وصفه ماركس بدورية الأزمات الرأسمالية، حيث تُعاد هيكلة الخسائر اجتماعياً بينما تُخصخص الأرباح في أوقات الرخاء، لا يتعلق الأمر بنوايا أخلاقية، بل ببنية نظام يعطي أولوية لاستقرار رأس المال على استقرار الأجور.


تشريعات العمل بين الحماية وجذب الاستثمار


كثيراً ما تُعدَّل قوانين العمل تحت شعار تحسين بيئة الأعمال، وتُخفف قيود الفصل وتُوسع العقود المؤقتة، ويعاد تعريف الاستقرار الوظيفي باعتباره عبئاً.
السؤال ليس: هل الاستثمار مهم؟ بل: لماذا يُفهَم جذب الاستثمار دائماً عبر تقليل كلفة العمل، لا عبر رفع الإنتاجية أو مكافحة الاحتكار أو إصلاح الإدارة؟
حين يصبح العامل متغيراً مرناً في معادلة التنافسية، بينما تبقى امتيازات قطاعات أخرى ثابتة، فإن الحياد القانوني يفقد معناه.


البنية لا الأشخاص


قد يُقال إن الدولة لا تنحاز، بل تحاول تحقيق توازن معقد، وهذا صحيح جزئياً، لكن المشكلة ليست في نوايا المسؤولين، بل في البنية: من خلال اعتماد المالية العامة على الضرائب غير المباشرة، وهشاشة التنظيم العمالي، ونفوذ جماعات الضغط الاقتصادية، وأولوية المؤشرات المالية على المؤشرات الاجتماعية. في هذه البنية، حتى القرار التقني يميل تلقائياً نحو حماية الاستثمار قبل حماية الأجور، لأن كلفة اضطراب رأس المال تُعد أكثر خطورة من كلفة اضطراب حياة العمال، هنا يظهر الانحياز البنيوي: ليس مؤامرة، بل نتيجة لمنطق نظام.


ما هو الاستقرار حقاً؟


تُبرر كثير من السياسات باسم الاستقرار الاقتصادي، لكن أي استقرار يقصد؟ استقرار سعر الصرف أم استقرار الموازنة أم استقرار قدرة العامل على تأمين معيشته؟ إذا كان الاستقرار المالي يتحقق مقابل هشاشة اجتماعية متزايدة، فإن الحياد يصبح ادعاءً، لأن الدولة قد اختارت ضمنياً تعريفاً محدداً للاستقرار يخدم منطقاً اقتصادياً دون آخر.
الدولة قد تعلن الحياد، لكنها تعمل داخل شبكة مصالح وقوى وضغوط تجعل هذا الحياد نسبياً. فالسؤال الحقيقي: هل الدولة مُخيَّرة أم منحازة؟ بل: هل بنيتها المؤسسية تسمح لها أن تكون محايدة فعلاً؟
حين تتكرر السياسات التي تحمِّل العامل عبء التكيف، بينما تُصان مراكز القوة الاقتصادية، يصبح من المشروع القول إن الانحياز ليس حدثاً طارئاً، بل ميلٌ بنيوي، وعندها لا يعود النقاش أخلاقياً فقط، بل سياسيٌّ بامتياز: من يحدد قواعد اللعبة الاقتصادية، ومن يدفع ثمنها؟


كيف يمكن تفسير الخطاب الرسمي في ضوء فكرة الانحياز البنيوي؟


نأتي إلى تعريف الاستقرار: إذا كان الاستقرار يُعرف رسمياً باعتباره استقراراً نقدياً وتوازناً مالياً وجذباً للاستثمارات، فهذا يعكس أولوية مؤشرات كلية، بينما من منظور عمالي، الاستقرار يُقاس بالقدرة الشرائية والأمان الوظيفي وعدالة توزيع الأعباء. عندما تختلف نقطة القياس، يبدو القرار محايداً من زاوية ومنحازاً من زاوية أخرى.


سياسة رفع الدعم مثالاً


في الخطاب الرسمي يُبرر رفع الدعم بأنه إصلاح تشوهات، ومنع هدر، وتوجيه الموارد للفئات الأشد حاجة، لكن عملياً، كان الدعم يشكل جزءاً من الأجر غير المباشر، وإزالته دون تعويض كافٍ تعني نقل عبء إلى المستهلك. هنا يظهر ما يسميه كارل بولاني «إعادة إخضاع المجتمع لمنطق السوق»، حيث تصبح الأسعار المرجع الأعلى حتى لو اصطدمت بالواقع الاجتماعي.
وفي خطاب جذب الاستثمار، تُعدَّل قوانين العمل لتكون مرنة، ويُقال إن ذلك ضروري لتحفيز النمو، لكن إن كانت المرونة تعني تسهيل فصل العمال أو تجميد الأجور، فإن الكلفة تقع أساساً على العامل. هذا لا يعني وجود نية لإضعاف العمال، بل يعني أن النظام الاقتصادي يعطي أولوية لاستقرار رأس المال لأنه يعتبره محرك النمو. وهنا يمكن استحضار كارل ماركس حول مركزية رأس المال في تحديد مسار الدولة الحديثة، مع التحفظ أن السياق السوري له خصوصياته عن النماذج الكلاسيكية.


خصوصية الحالة السورية


الوضع السوري يتميز بعوامل إضافية: عقوبات خارجية، وانكماش إنتاجي، وضعف موارد الدولة. هل يمكن لدولة تعاني من شح الموارد واعتماد كبير على السوق أن تكون محايدة اجتماعياً فعلاً؟ أم أن بنية الاقتصاد تفرض انحيازاً ضمنياً؟ نظرياً، الجواب يكون: نعم، لكن عملياً، الحياد يصبح صعباً جداً. لماذا؟
لأنه عندما تعاني الدولة من ضعف الإيرادات العامة وعجز مزمن وانكماش اقتصادي واعتماد على القطاع الخاص لتوليد النشاط والسيولة، فإن قدرتها على إعادة التوزيع تتقلص. ومتى تقلصت أدوات التوزيع، يصبح ميزان القوى مائلاً بطبيعته نحو من يملك رأس المال.
هنا يظهر ما يسميه بعض منظري الاقتصاد السياسي «الانحياز البنيوي»، ليس لأن الدولة تريد تفضيل فئة على أخرى، بل لأن البنية الاقتصادية تجعل استقرار رأس المال شرطاً للبقاء الاقتصادي نفسه. بمعنى أبسط: إذا كان توقف الاستثمار يهدد بانكماش أكبر، تميل الدولة تلقائياً إلى سياسات تحافظ على الربحية قبل الأجور.


انعكاس هذه السياسات على العمال وأصحاب الدخل المحدود

النتائج تتجلى بوضوح: من خلال تآكل القدرة الشرائية، حتى مع ثبات الأجر الاسمي يؤدي التضخم ورفع الأسعار إلى خفض الأجر الحقيقي، إضافة إلى هشاشة وظيفية حيث يتحول الاستقرار المهني إلى امتياز نادر، مع نقل المخاطر الاقتصادية: في الرخاء تُخصخص الأرباح، وفي الركود يُطلب من العمال تحمل المرحلة، مما يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى. بسبب غياب إعادة توزيع فعالة، يؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة الاجتماعية على المدى الطويل.


الخلاصة


في اقتصاد يعاني من شح الموارد واعتماد كبير على السوق، لا يكون السؤال: هل تريد الدولة أن تكون محايدة؟ بل: هل تملك الأدوات لتكون كذلك؟
حين تضيق الموارد وتُختزل السياسة في حماية المؤشرات الكلية، يتحول الحياد الاجتماعي إلى رفاهية سياسية، ليس لأنه غير مرغوب، بل لأنه يحتاج قوة مالية ومؤسساتية قد لا تكون متاحة، وعندها يصبح التحدي الحقيقي ليس إعلان الحياد، بل بناء الشروط التي تجعله ممكناً: اقتصاد منتج، ونظام ضريبي عادل، ومؤسسات قادرة على حماية من لا يملكون سوى عملهم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1266