إصلاح البنية وتعزيز الدور: متلازمة العمل النقابي
هاشم اليعقوبي هاشم اليعقوبي

إصلاح البنية وتعزيز الدور: متلازمة العمل النقابي

أجرت وسائل إعلامية محلية خلال الأسبوع الماضي مقابلات مصورة مع السيد فواز أحمد، رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، والسيد جورج داوود، أمين شؤون العمل في المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنقابات العمال، والتي حظيت باهتمام ومتابعة من قبل العمال والنقابيين والإعلام الإلكتروني والقوى المهتمة والمعنية بالشأن العمالي النقابي. ولم يأت هذا الاهتمام من فراغ، بل لأسباب عديدة، أهمها حجم الملفات المعلقة التي تمس بمصالح الطبقة العاملة بشكل كبير ومباشر، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر أهمية فهم التوجه النقابي الحالي واللاحق تجاه تلك القضايا والملفات التي يمكن القول عن بعضها إنه مصيري بالنسبة لشرائح واسعة من عمال القطاع العام والخاص.

والراصد للآراء العمالية في الوسط العمالي، سواء المباشر الحسي في مواقع العمل وأروقة النقابات أو من خلال التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات «الواتس أب»، سيلاحظ بشكل جلي التوافق الكبير على استمرار الأزمة العميقة التي تصيب المنظمة النقابية، والتي تحتاج لمعالجة منهجية. ومن الظلم تحميل القيادات الجديدة استمرار ومفاعيل هذه الأزمة، كونها نشأت منذ عقود طويلة، وتحديداً في أواخر الخمسينيات، والتي استمرت وتعمقت خلال سلطة النظام البائد وصولاً إلى يومنا هذا، دون أن تلتقط مؤشرات دالة على تفسيرها والعمل على معالجتها لاستعادة الدور التاريخي لها. وكنا قد أشرنا مراراً وتكراراً للقائمين على مسؤولية المنظمة إلى ضرورة الاستفادة من اللحظة التاريخية التي تلت سقوط سلطة نظام الاستبداد والفساد، للتخلص من جملة الأزمات المتراكمة التي دون إزالتها ستؤدي لاستمرارها وتعمقها يوماً بعد يوم. وجوهر الأزمة يكمن في البنية والدور والعلاقة بينهما، واستحالة النهوض بالمنظمة دون معالجتها وكسر تلك الحلقة المغلقة المتشكلة موضوعياً، حتى بتوفر النوايا الحسنة التي يسهل التقاطها في التصريحات والمبادرات. وهذا طبيعي، فليس من الممكن امتلاك الدور بغياب البنية، ولا يمكن إصلاح البنية بعيداً عن الدور «وحلّها إذا بتنحل». وكوننا من الحرصين على المنظمة حرص الأب على ولده، سنبقى نخشى عليها في ظل إصرارها على تفويت الفرصة بالتخلص من عقلية الحقبة الماضية التي كرست التراجع وسرعت مجرياته، بل وتخلصت من معظم أدوات مقاومته الداخلية.

قصور فهم الدور في العقلية النقابية


إن التخلي عن العقلية والنهج السابق للعمل النقابي، والذي اختبرناه وحصدنا نتائجه الكارثية، هو المطلوب تماماً، وهذا ما يجب العمل عليه منذ اليوم. فليس من الصائب، بما يتعلق بالجانب البنيوي للمنظمة، أن تعتقد القيادة النقابية بأنها أنجزت انتخابات ديمقراطية وشرعية، وأنها بذلك استعادت دورها ومكانتها من قوة التفاوض ودخول الوزارات، وتضعه ضمن الإنجازات. أو أن تعتبر النقابات نفسها شريكة للحكومة ووسيطاً بينها وبين العمال تنقل مطالبهم وترفع كتبهم، دون أن تقف مثلاً بوجه توقيف المعامل بذرائع الخسارة تمهيداً للخصخصة، وأن تكتفي فقط بالتعبير عن حرصها على حقوق العمال مع المستثمر الجديد. فهذا ليس دور النقابات أصلاً، بل دور وزارة أو مؤسسة حكومية. فالحكومة بالأساس تعتبر بالنسبة للعمال رب عمل تتناقض مصالحهم مع مصالحها في الكثير من النقاط والمحاور، وستبقى كذلك ما بقيت الحكومات. وهنا نرى تأثر الدور بالبنية غير المستقلة، وبالتالي عجزها عن رفع سقف مطالبها والإصرار عليها والتصعيد باتجاه مواجهتها بأدواتها القانونية والشرعية. وفي الوضعية البنيوية الحالية للنقابات، فإن حصل وقررت المضي باسترجاع دورها، فلن تساعدها البنية «المسبقة الصنع» على ذلك. وعليه، فإن ما يجب العمل عليه هو معالجة تدريجية ومنهجية للبنية النقابية مع التقدم بالدور بشكل مستمر، ونجاح كلتا المعالجتين يساعد كل منهما الأخرى على تقدمٍ جديد.


الحوار العام مفتاح الحلول


نعلم بأن المهام التي أمام المنظمة ليست بسيطة، وبأن دراسة وفهم الواقع الحالي للطبقة العاملة والمنظمة النقابية يحتاج لعمل شاق نظري وعملي، خاصةً حين يكون المطلوب إعادة قراءة ووعي لكامل التجربة النقابية لاستخلاص النتائج والرؤى، وصياغة برنامج نضالي يسهم في تمكين المنظمة من انتزاع دورها ووزنها وتمثيلها لأوسع الطبقات الاجتماعية في البلاد. لذلك نعود ونشدد على ضرورة فتح حوار دوري ومستمر مع كل القوى المعنية بذلك، للوصول إلى أرضية نضال مشترك تردم الهوة الشاسعة بين الطبقة العاملة وتنظيمها النقابي، واستعادة زخم العمل النقابي وتأثيره بجميع القضايا الكبرى الماثلة أمام السوريين، الوطنية منها والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265