النقابات بدورها لا بصناديقها
يلاحظ خلال الأشهر القليلة الماضية ارتفاع النشاط النقابي فيما يخص عمال القطاع الخاص والسعي لضم أكبر عدد ممكن للمنظمة النقابية، وهذا ليس بجديد؛ فلطالما شهدت المنظمة نوعاً كهذا من النشاطات المتقطعة والمتباعدة، وخاصةً قبل المؤتمرات السنوية، ولم تحقق تلك الهبّات المتقطعة نتائج تذكر؛ فبقي عمال القطاع الخاص المنتسبين للمنظمة لا يشكلون إلا نسبةً شحيحةً لا تكاد تذكر ومعظمها وهمي على الورق. ويبدو أن النشاط الحالي لم يأتِ من فراغ، بل تماشياً مع التوجه الحكومي العام المصر بشدة على إتمام عملية الخصخصة المعلنة من خلال التصريحات والممارسة التي أثبتت هذا التوجه، والذي يعني تقليص جهاز الدولة لأدنى حدود ممكنة واقتصاره على القطاعات الخدمية إن سلمت هي الأخرى من طوفان الخصخصة القادم.
وبغض النظر عن كَون السلوك النقابي المتكيف مع سياسات الحكومة ذاتي القرار والحركة، أو أنه نتيجة توجيه من الإدارة السياسية التي توضحت قيادتها للعمل النقابي بشكل جلي، فإنه يحمل بعض الإيجابيات وكماً هائلاً من السلبيات لا يمكن حصرها في مقال واحد، وأبرزها أن التوجه باتجاه عمال القطاع الخاص دون أي مجابهة للنهج الاقتصادي والدفاع عن القطاع العام الإنتاجي والخدمي هو إعلان استسلام لهذا التوجه الاقتصادي بل والموافقة عليه. وكنا حذرنا سابقاً من ذلك حين انتقدنا تصريح القيادة النقابية المتضمن مساعدة العمال المفصولين عن العمل في توظيفهم بالقطاع الخاص، واعتبرناه إقراراً بهزيمة مبكرة أمام سياسات اقتصادية مفصلة على قياس مصالح رأس المال الريعي والاحتكاري المتوحش، الذي سيحصد ثرواته وأرباحه على حساب العاملين بأجر والطبقات الضعيفة دون أدنى حماية لمصالح العمال وحقوقهم. وقد خبرت الطبقة العاملة والنقابات كل ذلك، وتجرعت تداعياته ونتائجه الكارثية على الاقتصاد الوطني والمجتمع السوري بشكل عام والطبقة العاملة بشكل خاص. وبهذا تكون النقابات قد فقدت أهم دور لها، وخسرت معه جوهر تمثيلها الطبقي. فأيُّ معنى لنقابات لا تدافع عن عمالها؟ وإن كان الاعتماد اللاحق على عمال القطاع الخاص على حساب العام، يبقى السؤال الأساسي: ما الذي يجعل هؤلاء العمال ينتسبون طوعاً للنقابات إن فقدت دورها؟ ولنضع خطاً أحمر تحت «طوعاً» لنقاش لاحق.
أوهام التنسيب والتنظيم
على ماذا تعتمد القيادة النقابية في تحقيق هدفها؟ فطوال العقود الماضية لم تنجح النقابات باستقطاب القطاع الخاص إلى صفوفها للسبب ذاته، وبقيت قائمة بفضل عمال القطاع العام الضخم، والذين ينتسبون بشكل آلي (كي «لا نقول» إجباري)، وهذا يشمل المثبتين والمؤقتين بعقود أو غيرها، ويتم اقتطاع الاشتراك النقابي من رواتبهم بدءاً من الشهر الأول لهم دون العودة لرأي الموظف أو رغبته، حتى أصبح هذا الأمر اعتيادياً وضمن البديهيات. وأما عمال القطاع الخاص فلم يأتوا لوحدهم وبمبادرة منهم أو رغبة في دخولهم المنظمة (إلا ما ندر، عمال زنوبيا مثلاً)، بل باتفاقات مع إدارات شركاتهم وأرباب أعمالهم وبمبادرة نقابية أو علاقات شخصية، وتحت عنوان صناديق المساعدة والرعاية الاجتماعية والتكافل الاجتماعي وغيرها من الميزات الأخرى، والتي رغم أهميتها إلا أنها لا تختلف عما تقدمه أي جمعية أهلية أو مدنية. وهذا ما عزز الحاجز الكبير بين عمال القطاع الخاص ونقاباتهم؛ فأغلب هؤلاء لا يعرفون بوجودها أصلاً، ومن عرف منهم لا يجد دافعاً للانتساب لها كونها لا تقوم بدورها السياسي والطبقي والاجتماعي المنوط بها؛ فهي حبيسة البيروقراطية ورهينة القرار السياسي الرسمي المباشر وغير المباشر.
كي لا تتحول النقابات لصناديق جباية
الانتساب الطوعي للنقابات شرط أساسي للعضوية النقابية منصوص عنه دستورياً وقانونياً، ليس على مستوى البلاد وحسب بل دولياً أيضاً، وهذا ما يجب العمل عليه وعدم القفز فوقه بطرق ومسارات أخرى؛ لأنه غير مجدٍ وسيضع المنظمة بمكان ليس مكانها، وسيحولها إلى مؤسسة جباية وصناديق لا غير، وسينهي دورها ويفقدها أي أمل بدور مؤثر لاحق في الحياة السياسية والاجتماعية القادمة، والتي ستحتدم بها التناقضات الطبقية والسياسية، ويتوقف على نتائجها مصير البلاد والعباد. وحينها ستجد الطبقة العاملة نفسها بلا تمثيل أو تنظيم أو منبر، وستجد المنظمة نفسها خارج الحياة السياسية العامة، وعاجزة عن التأثير، ودون عمال وهيبة ودور.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263
هاشم اليعقوبي