أجور خاسرة باستثمارات رابحة
شهدت أجور العاملين في القطاع الخاص انخفاضاً جديداً، وخاصةً في المجالات الخدمية سواء بالمدن أو الريف، وذلك نتيجة تغير معادلة العرض والطلب التي مالت بشكل متسارع لصالح أرباب العمل، وخاصةً بالأرياف، يعكس حجم التغيرات المتعددة التي يستغلها أصحاب الأعمال لصالح مصالحهم بأعلى استغلال ممكن لهم.
فأجور عمال المبيعات والمطاعم وموظفو الكاشير مثلاً تراوحت في المدن الكبرى بين المليون إلى مليون و200 ألف ليرة بالعملة القديمة، فيما انخفضت بأريافها إلى 800 ألف فقط، في حين لم تتجاوز في مدينة السلمية مثلاً أكثر من 700 ألف، في دلالة واضحة على تراجع النشاط الاقتصادي والتجاري العام. وللعلم، فإن هذا الانخفاض الجديد من حيث الرقم يعتبر تراجعاً بسيطاً إذا ما قارناه بانخفاض القوة الشرائية للأجر الذي خسر أكثر من 25% من قيمته الحقيقية، جراء ارتفاع أجور المواصلات والاتصالات التي تنعكس بشكل مباشر على هذا النوع من الأجور كون طبيعة عمالها من الشباب الخريجين والجامعيين الذين لا يمتلكون خبرات مهنية متراكمة سابقاً.
إن المتابع لشؤون العمال يستطيع رصد حجم ارتفاع النشاطات التجارية الخدمية، وبالتالي حجم انزياح اليد العاملة لهذه القطاعات، خاصةً بشركات الصرافة والحوالات إضافةً للمطاعم والمقاهي والمولات الصغيرة والمتوسطة. ورغم كل ذلك التوسع، لم ينعكس ذلك لمصلحة اليد العاملة التي من المفترض أن ترتفع أجورها بناءً على اتساع الطلب عليها. ويكمن ذلك في حجم البطالة أساساً الذي اتسع مع سقوط سلطة النظام الفاسد وما تلاه من إجراءات بحق موظفي القطاع العام، وكونه أتى على حساب قطاعات أخرى إنتاجية الطابع من معامل وورشات ومحلات حرفية، زد عليه مئات آلاف المهجرين بالداخل والخارج. وبذلك يجد أصحاب الأعمال فرصةً جديدةً لتضييق نفقاتهم على حساب أجور العاملين لديهم دون ضوابط حكومية وقانونية، وهذا طبيعي في ظل نهج اقتصادي شعاره إنهاء دور الدولة بالاقتصاد والاكتفاء بدور المتابع والمراقب.
الحكومة والمستثمر في طرف واحد
يدعي أصحاب العمل بأنهم مضطرون لضغط نفقاتهم بسبب ضعف الحركة الاقتصادية والتجارية، وبأنهم قريبون من الحد الأدنى الرسمي الحالي للأجور، وبأن هوامش أرباحهم في أدنى مستوياتها ولا يحتمل الوضع أجوراً أعلى، رغم الطابع الخدمي لأعمالهم الذي ما زال يتسع ويزدهر. ولا يخفى على أحد حجم الأرباح المتوفرة في هذا النوع من الأعمال؛ فهم حين يدفعون مئات آلاف الدولارات على مشروعهم إضافةً لمثلها أو أكثر كرأس مال مدوَّر لا يشتكون، ويعتبرون ذلك ضرورياً وملزماً لهم، وعند الوصول لأجور العمال يغصّون ببضع ملايين من الليرات في كتلة الأجور الكلية. ولا يجد العمال فرصةً للدفاع عن ذلك؛ فلا خيار أمامهم سوى العمل بتلك الشروط القاهرة. ولا يهم إن كان الواحد منهم خريج اقتصاد أو أدب عربي أو معهد متوسط؛ فهذا لا يغير في واقع المعادلة شيئاً، فهو في نهاية الأمر عامل غسيل صحون أو «أراكيل» أو موظفة استقبال أو موظفة كاشير أو مدخلة بيانات أو موظف مبيعات لا أكثر. وكيف لهم أن يعترضوا أو يحسنوا شروط عملهم وأجرهم إن كانت الحكومة بحد ذاتها حددت الحد الأدنى للأجور بأقل من مليون ليرة، وهي نفسها من تتعامل بإجراءاتها بعقلية المستثمر والتاجر الساعي للربح وضغط النفقات؟ وخير مثال على ذلك إجراءاتها المتسارعة باتجاه الخصخصة ونشرة أسعار المحروقات وفواتير الكهرباء والاتصالات. فمن سيعتب أو يحاسب مستثمراً أو تاجراً يشتري قوة عمل البشر بأبخس الأثمان إن كانت الدولة أول الفاعلين وأكبرهم؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263