التأمين الصحي.. الربح قبل كل شيء
غزل الماغوط غزل الماغوط

التأمين الصحي.. الربح قبل كل شيء

ما تزال قضية التأمين الصحي لعمال القطاع العام واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، إذ تتربع على رأس قائمة من المشكلات العالقة المعروضة على طاولة الحكومة الحالية والحكومات التي سبقتها.

 

وقد خرجت علينا الحكومة الحالية منذ بضعة أيام باجتماع جديد ونقاشات جديدة لم تكن سوى ذراً للرماد في العيون، ومحاولة لإطالة عمر التأمين الصحي بصيغته الحالية التي أثبتت إخفاقها بجدارة.

لمصلحة من؟

يجمع التأمين الصحي بين أطراف عدة هي: المؤسسة العامة السورية للتأمين، وشبكة من مقدمي الخدمة الطبية، ومن المستفيدين منها كما يفترض، وشركات إدارة نفقات التأمين الصحي باعتبارها وسيطاً بين هذه الأطراف، وتخضع في عملها لبوليصة التأمين المتفق عليها مع وزارة الصحة.

واقع الحال

تبدأ رحلة العلاج بأن يجد الموظف الطبيب المتعاقد مع شركة إدارة النفقات الطبية، ويتأكد من أنه سيقبل بمعالجته بناء على بطاقة التأمين، وهو ما يتطلب منه الانتظار ريثما يتواصل الطبيب مع الشركة، ويحدث الأمر نفسه أحياناً في الصيدليات، إذ يعتذر الصيدلي عن تقديم الدواء رغم أنه موجود لديه، وذلك بسبب تأخير شركات إدارة النفقات الطبية في إعطاء المتعاقدين من مخابر وصيادلة وأطباء مستحقاتهم المالية، ما يدفعهم إلى امتناعهم عن خدمة المريض أو تأجيل صرف الوصفة إلى حين التواصل مع الشركة.

تقييم وعقوبات

الحديث عن التقييم الدوري لشركات التأمين، وفرض نظام جزاءات يتضمن سحب أو تجميد رخص الشركات التي لا تلتزم بأداء واجباتها، هي أمور طرحتها المؤسسة العامة السورية للتأمين كحلول مفترضة لإصلاح القطاع التأميني، ولا سيما مشكلة تسرب العديد من الأطباء والصيادلة بسبب تأخر شركات الخدمة الطبية في سداد مستحقاتهم.

بلا مقدمات

يذكر أن دخول التأمين الصحي إلى سورية لم يُسبق بأية خطط هادفة لخلق وعي تأميني لدى المواطن، بل أنه أقرب ما يكون إلى أمر فُرض عليه بغير إرادته، إذ وجد نفسه فجأة وقد سُلب من راتبه اقتطاع جديد هذه المرة تحت مسمى التأمين الصحي، وكانت البداية باقتطاع 250 ليرة من أجره كل شهر، ولم يعط المواطن حتى حق اختيار شركة التأمين التي تناسبه، بل جرت محاصصة قطاعات الحكومة بين مختلف شركات التأمين التابعة للقطاع الخاص، رغم أن منح المواطن حق اختيار الشركة كان من شأنه أن يخلق نوعاً من التنافسية بين هذه الشركات ويدفعها لتقديم الأفضل.

قصور ومماطلة

كما يعاب على النظام التأميني السوري أنه لم يشمل عائلة المؤمن عليه ولا الموظفين المتقاعدين، إلى جانب أنه استثنى الكثير من الأمراض والأدوية والعلاجات السنية، في حين اكتفى بدفع نسبة مئوية معينة فقط للعلاجات الأخرى.

ويعاني المواطن أيضا من المماطلة في تقديم الخدمة وصرف الوصفات لأعذار كثيرة، أبرزها عدم كفاءة الإنترنت، ووجوب انتظار رد شركة التأمين، ما خلق لديه نوعاً من الإحساس بالإهانة وعدم الاحترام، رغم أن الخدمة التي يطلبها في الواقع هي حق له، فهي خدمة مدفوعة الثمن ولا مِنّة لأحد عليه.

مسؤوليات وواجبات الدولة

ختاماً لا بد من القول أن صحة المواطنين وسلامتهم تعتبر من مسؤوليات وواجبات الدولة أولاً وأخيراً، وليس قطاع التأمين الصحي بمعزل عن هذه المسؤولية، ولئن عكفت الحكومات المتعاقبة على خصخصة هذا القطاع تباعاً، والتهرب من مسؤولياتها على مستوى الرعاية الصحية، كما غيرها من المسؤوليات والواجبات الأخرى، فإن المطلوب هو إعادة الأمور إلى نصابها، حيث لا يفترض أن تكون صحة المواطنين مصدراً للتربح أو مجالاً للاستثمار بحال من الأحوال، وهو ما يجب أن يُعمل من أجله.