من الأرشيف العمالي: نقطة الانطلاق

من الأرشيف العمالي: نقطة الانطلاق

صدرت المسودة النهائية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، وهي تغطي مسائل كثيرة، من تحديدها لميادين الإصلاح، إلى محاولة معالجتها لإشكالية توزيع الدخل الوطني، إلى تحديد اتجاهات الإصلاح الضريبي والإصلاح النقدي والمصرفي، كما أنها تعالج مسائل قوة العمل منالبطالة والتشغيل والتدريب والتأهيل وأمور أخرى مثل البحث العلمي والبيئة والعلاقات الاقتصادية الدولية. إن دراسة أولية لهذه المسودة النهائية تجعلنا نتوقف عند مسألتين أساسيتين، هما: موضوع النمو، ومستوى الرواتب والأجور قياساً بمستوى المعيشة.

إن نقطة الانطلاق هي مضاعفة الدخل الوطني خلال فترة زمنية قصيرة..

حول نسب النمو: تقترح المسودة النهائية نسبة نمو سنوية للدخل الوطني 6 %، وإذا كانت هذه النسبة قياساً لنسب النمو المحقق سابقاً تعتبر نسبة طموحة، فإن المسودة لاتوضح على أي أساس بنيت هذه النسبة، فإذا كان بناؤها يستند على إسقاط نسب النمو السابقة علىالمستقبل، فهذا يعني أن ميل واضعي البرنامج كان ببساطة محاولة مضاعفة نسب النمو المحققة، إلا أن هذه النسبة غير مؤسسة على رؤية واضحة للضرورات التي يفترضها نمو الدخل الوطني خلال فترة زمنية طويلة، فإن نسبة الـ6% نمو سنوي تعني أن الهدف هومضاعفة الدخل الوطني مرة واحدة خلال 12 سنة، فهل يمكن انتظار هذه الفترة الزمنية لتحقيق الأهداف المرجوة من وراء مضاعفة الدخل  الوطني في الظروف الملموسة التي تعيشها بلادنا؟!.

من الواضح أن مضاعفة الدخل الوطني هو هدف مشروع وضروري، ولكن ضمن فترة زمنية كهذه يفقد أهميته وضرورته، والأرجح أن واضعي البرنامج كان يجب أن ينطلقوا بالعكس أي من تحديد الإطار الزمني الضروري لمضاعفة الدخل الوطني، وصولاً إلى تحديدوتائر نموه السنوي، وإذا وضعنا الأمر كذلك، فإن الفترة الزمنية المطلوبة والضرورية لمضاعفة الدخل الوطني قد لا تكون أكثر من (6 ـ 7) سنوات، مما يتطلب معالجة مسألة النمو السنوي على هذا الأساس والتي ستتطلب حينذاك تحقيق نسبة نمو 10% سنوياً كحد أدنى.

إن معالجة موضوع الأجور والرواتب من زاوية احتمالات النمو اللاحقة والمفترضة في برنامج الإصلاح يمكن أن يعني أن هناك نية لمضاعفة الأجور الفعلية الحالية خلال السنين العشر القادمة، بينما تؤكد الدراسات والإحصاءات أن الفجوة بين الرواتب والأجور وبينمستوى المعيشة تتطلب مضاعفة الرواتب والأجور مرتين.

تقول الأرقام اليوم، كما جاء في مسودة البرنامج أن 67% من العاملين في الدولة لاتزيد رواتبهم عن 7500 ليرة، وإذا كان الحد الأدنى للأجر يجب أن يكون بحدود 12000 ليرة شهرياً آخذين بعين الاعتبار أن وسطي أفراد الأسرة في بلادنا أكثر من خمسة أشخاص، فإنالبحث عن وسطي  الأجر العادل يفترض بنا أن نقول بأنه يجب أن لايقل عن 20000 ليرة.

وهذه القضية لايمكن أن ينتظر حلها عشر سنوات، بل تتطلب حلاً سريعاً تدريجياً، مما يتطلب إجراءات استثنائية، لأن الأجر العادل هو جزء لايتجزأ من كرامة المواطن التي على أساسها تتصلب كرامة الوطن.