حسابات الغرق والنجاة

حسابات الغرق والنجاة

بعد غياب طال، أيام وأشهر وأعوام، لم يتغير شيء. تقول شوارع المدينة المتعبة وأبنيتها ووجوه أهلها كل شيء. شمس هذي البلاد ذاتها تشرق كل يوم، تشهد بؤس حال أهلها، وجوههم المتعبة وقلوبهم الطيبة أيضاً لم يتغير فيها شيء.

ما زالت شوارعها المتربة وارصفتها متقطعة الأوصال، ما زالت أكوام التراب على أطراف الشوارع، حفرة هنا وجورة هناك، ثقوب الإسفلت الواضحة تتوسط شوارعها. الحسكة، تلك المدينة الوادعة والجاثمة في حوض نهر الخابور، تغير حكامها ثلاث مرات خلال بضع سنوات ولم يتغير فيها شيء، وحدها الأعلام تغيرت وبعض اللافتات، في مفارقة صارخة.
وما زالت وجوه أهلها الطيبين الكالحة تثير حنيناً من نوع خاص، قد لا يستقيم المعنى عند بعض النحاة وأصحاب اللغة بين الطيب والكالح، ولكنها هنا على هذه الأرض ليست سوى وقائع عنيدة بطبعها تشبه كل السوريين.


كالعيس يقتلها الظمأ


مثلها مثل باقي المناطق التي تشكل الجغرافية السورية، تعيش هذه المنطقة أوضاعاً مشابهة لما يحدث ويجري في عموم البلاد، وتعاني من مشكلات عديدة معاشية واقتصادية وسياسية كما يعاني أهلها وناسها من الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار والكهرباء والمحروقات، والمياه وغيرها من جملة المشاكل التي جرى وما زال يجري إغراق السوريين بها، إضافة إلى بعض المسائل التفصيلية الخاصة فيها والمتعلقة بكونها محافظة حدودية ذات طابع خاص، اقتصادياً، كالزراعة وإنتاج النفط...إلخ، واجتماعياً، كالتنوع والغنى الاجتماعي والثقافي لأبنائها، وسياسياً، وفكرياً ، وثقافياً... وهو ما يميز أغلب المناطق في سورية.
ثمة مفارقة تظهر عند الحديث عن سورية ومناطقها المختلفة، حيث تتشابه أغلب المناطق في السمات العامة من الإنتاج إلى التنوع الاجتماعي والفكري والسياسي والثقافي...إلخ، ولكن ثمة خصوصية واضحة لكل منطقة من المناطق، وتشمل هذه الخصوصية كل ما ذكر سابقاً أيضاً. تستدعي هذه المفارقة ضرورة للتفكير في منطق معالجة المشكلات المختلفة في البلاد، وبناء «دولة ذكية ومرنة» قادرة على الحفاظ على المبادئ الأساسية في التخطيط وإدارة الاقتصاد والمجتمع، وتقديم خطط وحلول وخدمات شاملة للجغرافية السورية كلها، ومرونة تؤمن استجابة للظروف الملموسة والواقع المتغير، كما تؤمن أعلى فاعلية ممكنة في المجتمع.

تعرضت المناطق الشرقية، ومنها محافظة الحسكة، للإهمال والتهميش. وكانت معاناتها تتويج لعقود من سياسات اقتصادية وجيوسياسية متعمدة استنزفت ثرواتها وأهملت بنيتها، واستولى الفساد الكبير في مركز السلطة على عائدات النفط والغاز والقمح وغيرها من الموارد دون إعادة استثمارها محلياً، وأدت السياسات المتبعة إلى الإضرار بقطاعات إنتاجية كاملة كالزراعة وترافق ذلك مع حرمان المنطقة من مشاريع البنية التحتية والصناعة وتحويلها إلى مصدر للمواد الخام فقط، مما عزز هشاشة أهلها اقتصادياً وأجبرهم على الهجرة، إضافة إلى حرمان المنطقة من الخدمات والجامعات والمؤسسات الثقافية الكبرى... إلخ كل ذلك زاد من تهميش أبنائها وإفقارهم. وأيضاً مثل كل مناطق سورية، لا يمكن حل المشكلات التي سببها تراكم تشوهات عقود من السياسات الاقتصادية والفساد دون تغيير جوهري في علاقات الإنتاج والملكية.


التراكم الطبقي و«رأس المال الثقافي»


كما نالت المحافظة نصيبها من سياسات التهميش والتمييز والتجييش القومي والديني والطائفي... إلخ. واليوم ثمة محاولات لإعادة الاستثمار في هذه السياسات وتشويه الحقائق والوعي الاجتماعي لخرق النسيج الاجتماعي وعمقه التاريخي.
يتشكل النسيج الاجتماعي عبر تراكم تاريخي طويل، وليس بقرار لحظي. وتشارك في تشكله جملة من الظروف والعوامل المختلفة، منها بنيوية أو (هيكلية) كشبكات العلاقات، ويمكن اعتبارها «الخيوط» الأساسية، وتبدأ من الروابط الأسرية والصداقات والعلاقات المهنية، إلى مؤسسات توفر إطار للانتماء والتفاعل كالدولة والأحزاب والنقابات والمدارس والجمعيات الأهلية والنوادي...إلخ. ومنها عوامل ثقافية ورمزية، وهذه تشمل؛ اللغة والتراث والقيم والمعتقدات والهوية والانتماء... وغيرها. وعوامل اقتصادية حيث يدعم الاستقرار الاقتصادي والعدالة في توزيع الثروات الاستقرار الاجتماعي.
تشير الدراسات إلى أن المجتمعات القديمة كانت تُدرك نفسها كنسيج اجتماعي واحد، ومحاولة فهم عُمقه التاريخي، تتطلب، من جهة، النظر إلى جذوره التاريخية فالنسيج الاجتماعي ليس ثابتاً، بل نتاج مسار تاريخي طويل من التفاعلات والتحولات. ومن جهة أخرى، النظر إليه ليس «كماضٍ منقضٍ»، بل «كحاضر متراكم» يعيش في بنية مجتمعنا وفي عقولنا الباطنة. فالتاريخ لا يكتب في الكتب فقط، بل يُنقش في أجسادنا (طريقة المشي، الأكل، التحية) وفي أذواقنا (ما نحبه ونكرهه). إن العُمق التاريخي الذي يجمع الشعوب ليس سردية محايدة، بل هو ذاكرة انتقائية تُبنى في الحاضر. وقد أكد عالم الاجتماع موريس هالبفاكس أن الذاكرة الجمعية لا تُستعاد كما هي، بل يعاد بناؤها وفق احتياجات الجماعة في الوقت الراهن.


سياسات الاعتراف


كما يتجسد التاريخ أيضاً في توزيع الموارد الثقافية (التعليم، اللغة، المهارات). فالمجموعات المحرومة من التعليم أو الاعتراف بثقافتها عبر التاريخ، حسب الدراسات الاجتماعية، تمتلك «رأس مال ثقافي» أقل وفق معايير المجتمع السائد، مما يُكرس تهميشها حتى بعد صدور قوانين المساواة.
يؤكد تشارلز تايلور في كتابه المعنون «سياسة الاعتراف»، أن الاعتراف لا يعتبر مجرد «لطف» أو «تسامح»، بل هو حاجة إنسانية أساسية لتشكيل الهوية، الحرمان منها يسبب «ضرراً نفسياً» جماعياً. كما يرى الألماني أكسل هونيث أن الصراعات الاجتماعية تنبع أساساً من «الحرمان من الاعتراف». فالإنسان يبني ذاته من خلال نظرة الآخرين إليه. «وعندما تنكر الدولة وجود ثقافة مجموعة ما، أو تهمش لغتها، أو تشوه صورتها في المناهج التعليمية، فإنها ترتكب «إهانة أخلاقية» تؤدي إلى شعور المجموعة بالظلم، وهذا الشعور هو المحرك الأعمق للصراعات، وليست المادة فقط».
ويركز علماء آخرون على معالجة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، حيث يجري الانتقال من البعد الرمزي إلى البعد المادي (الاقتصادي الاجتماعي). تؤكد نانسي فريزر أن «الاعتراف بدون إعادة توزيع هو مجرد شفقة». أي إن الاعتراف الثقافي وحده لا يكفي إذا بقي التفاوت الاقتصادي قائماً.
أما (تيد روبرت جور)، صاحب نظرية «الحرمان النسبي» النفسية-السياسية فيؤكد أن الناس لا يقيسون فقرهم بالمطلق، بل بالمقارنة مع من حولهم. عندما ترى مجموعة ثقافية أن مجموعة أخرى (قد تكون تاريخياً متميزة) تحصل على وظائف وخدمات أفضل، فإن الاستياء يتصاعد حتى لو كانت الدولة تعلن المساواة لفظياً. هذا الاستياء هو الذي يمزق النسيج، وليس الفقر ذاته.


التأثير العلمي للعدالة


تظهر الأبحاث في الاقتصاد السلوكي أن الفوارق الأفقية (بين المجموعات) أكثر تدميراً للثقة الاجتماعية من الفوارق العمودية (بين الأغنياء والفقراء من نفس المجموعة). لذا، توزيع الاستثمارات والخدمات بعدالة جغرافية وقطاعية يُنتج «رأس مال اجتماعي عابر للجماعات»، وهو العمود الفقري للتماسك.
وإذا كان النسيج الاجتماعي القوي هو نتاج تفاعل معقد بين العوامل التاريخية والهيكلية والثقافية. فإن تقويته تتطلب جهداً واعياً ومستداماً ليس لتعزيز الحوار فقط، وبناء أرضية مشتركة، بل لضمان العدالة، والاستثمار فيما يجمع الناس. مقاربة «السفينة الغارقة» و(المصير المشترك) يستدعي المثل القائل: «السفينة تغرق مهما كان لون مقصورتك فيها»، التفكير الجدي والعميق بمنطق يمكن له أن ينقذ البلاد وناسها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285