في مونديال الإمبراطورية... السخرية تُعرّي النفاق... نيكول جينيس أنموذجاً لإعلام خارج الأسوار

في مونديال الإمبراطورية... السخرية تُعرّي النفاق... نيكول جينيس أنموذجاً لإعلام خارج الأسوار

في زمنٍ تحولت فيه الملاعب إلى ساحات لاستعراض العضلات الاستعمارية، وغدت البطولات الرياضية مجرد ألعاب نارية إعلامية لتلميع وجه القطب المهيمن، ثمة من يرفض أن ينساق خلف هذا المسرح الهزلي. فحين تستضيف الولايات المتحدة الأمريكية كأس العالم 2026، لا نكون أمام حدث رياضي فحسب، بل أمام مختبر مكشوف للعنصرية المؤسساتية، ومرآة تعكس الوجه القبيح «للديمقراطية» الغربية حين تُحاصر بكاميرات العالم.

ولكن، وفي خضم هذا الاستعلاء الاستعماري، يبرز صوتٌ مختلف؛ ليس صوتاً صحفياً تقليدياً يلهث وراء «بيانات» الفيفا، بل صوت يحمل سلاح «السخرية المعرفية» لتفكيك الرواية المزيفة. إنها الإعلامية الرومانية «نيكول جينيس»، التي تحولت حساباتها وبرنامجها «Noow Show» إلى خندقٍ متقدم في الحرب الإعلامية، ولا سيما في دفاعها المستميت عن غزة، وفضحها المستمر للجهاز الدعائي الصهيوني.


عنصرية المؤسسات...حين يُعامل «الضيف» «كعدو»


قبل أن تُستهل صافرة المونديال، كانت الولايات المتحدة قد أسقطت قناع «الحياد» و«حسن الضيافة». فما تعرضت له الوفود الرياضية، وتحديداً من العراق وإيران، لم يكن مجرد «إجراءات روتينية» كما تحاول وسائل الإعلام المهيمن المبرمج تجميله، بل كان تجلياً صريحاً لعقلية القطب الذي يرى في كل عربي أو إيراني «إرهابياً محتملاً».
فحجز النجم العراقي «أيمن حسين» لسبع ساعات في مطار شيكاغو، ومصادرة هاتفه، ورفض دخول المصور الرسمي للمنتخب، لم يكن اعتداءً على أفراد، بل اعتداء على شعب رفض الاحتلال الأمريكي. والأقسى كان من نصيب الوفد الإيراني، حيث مُنع ثلاثة عشر من أفراده ومسؤوليه من دخول الأراضي الأمريكية، مما اضطر الفريق لنقل معسكره قسراً من أريزونا إلى تيخوانا المكسيكية، ألا ليدخلوا أرض «الحرية» المزعومة فقط أيام المباريات. إن هذه الممارسات الشبيهة بممارسات نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا «الأبارتهايد» تؤكد أن الإمبراطورية لا تتعامل مع شعوب عالمنا المناهض للفكر الاستعماري كضيوف، بل كرهائن في عقر دارها.


السخرية كسلاح معرفي... نيكول جينيس تفكك الرواية


هنا، لا تكتفي «جينيس» بنقل الخبر، بل تنبري لتفكيكه. ففي مقطع فيديو ساخر، لم تمر بهذا التمييز العنصري مرور الكرام، بل سلطت الضوء على التناقض الصارخ؛ كيف لدولة تدعي احتضانها للعالم، أن تمارس أقصى درجات العقاب الجماعي ضد رياضيين؟
إن ما تقوم به «جينيس» يتجاوز حدود «الكوميديا» إلى فضاء «بناء عالم جديد» معرفياً. فهي، التي عُرِفت بفيديوهاتها التي تسخر فيها من الصهاينة وتفضح إبادتهم لغزة (مستخدمةً الفكاهة السوداء لكشف بشاعة الجريمة التي تعجز عن وصفها اللغات الدبلوماسية)، تدرك تماماً أن الإعلام المهيمن الغربي قد تحول إلى مصنع للتزوير، يُلقي على الجرائم الصهيونية ثوب «الدفاع عن النفس»، ويضع الضحية في قفص الاتهام.
لقد اختارت «جينيس» أن تكون «نشازاً» في جوقة التطبيع الإعلامي. وسخريتها من الاحتلال، حينما قالت مثلاً: «منحوك المأوى فأخذت المنزل كاملاً»، لم تكن مجرد نكتة، بل كانت تحليلاً اجتماعياً-سياسياً مكثفاً لطبيعة المشروع الاستيطاني الصهيوني، بلغات يفهمها الغرب قبل الشرق.


تهديدات الموت...ثمن كسر احتكار الحقيقة


طبعاً، لم يكن هذا التمرد على الرواية الرسمية بلا ثمن. فكما كشفت لبعض الوسائل الإعلامية، تتلقى «جينيس» سيلاً من تهديدات الموت من اللوبيات الصهيونية. وهذا بحد ذاته شهادة ميلاد لصحفي حقيقي؛ يتلقى التهديدات من قتلة الأطفال في غزة ومن يموّلهم، لأنها لا تكتب بحبر التطبيع.
إن الإعلام المهيمن الذي يتغاضى عن عنصرية الهجرة الأمريكية بحق العراقيين والإيرانيين، هو ذاته الذي يبرر المجازر في غزة. إنه إعلامٌ لا يخدم الحقيقة، بل يخدم «الأمن القومي» للقوى الاستعمارية الكبرى والكيان الصهيوني. أما الإعلاميون المستقلون أمثال «جينيس»، فهم يثبتون أن الحقيقة لم تمت، بل هاجرت من شاشات البنتاغون وبي بي سي وسي إن إن، إلى منصات صناع المحتوى الشرفاء الذين يملكون ضميراً حياً.


خلاصة القول:


إن ما يحدث في ملاعب كأس العالم 2026، وما ترصده عدسة «نيكول جينيس» الساخرة، يؤكد لنا أن فلسطين وغزة لم تعودا مجرد قضية عربية، بل أصبحتا «الضمير الجيوسياسي» للعالم، وخط التماس الأول في مواجهة القوى الاستعمارية التي يتغير موقعها عالمياً نحو التراجع.
إننا ندرك أن الحرب اليوم ليست عسكرية فحسب، بل هي حرب سرديات. وإن أصواتاً حرة في قلب أوروبا، تستخدم السخرية لتعرّي عورات الصهاينة وحُماة ما تبقى من القوى الاستعمارية الكبرى، وهي رسالة لنا جميعاً: أن العالم يتغير، ويتحد في وجه جلاديه، وأن ابتسامة الساخر من جلاد غزة، أو من عنصرية أمريكا بحق وفد العراق وإيران، هي في الحقيقة قذيفة تهز عروش ما تبقى من الهيمنة الأمريكية.
ففي زمن تتغير فيه آراء الجموع، تكون السخرية هي أحد أصدق أشكال الجدية، ويكون الإعلام المستنير الواعي ملاذاً لإنسانية تتعاظم من أجل عالم جديد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1282