معتقلو فيلتون الستة وانتصار الضمير على القمع
في ليلةٍ من ليالي آب 2024، وقَفَ ستةُ شبابٍ وشاباتٍ بوجوهٍ مطمئنةٍ وقلوبٍ تَخْفقُ بأملٍ عظيم، يلتقطون صورةً جماعية. كانوا جوردن ديفلين، وتشارلوت هيد، وزوي روجرز، وصامويل كورنر، وليونا كاميو، وفاطمة زينب رجواني. في الصباح التالي، كانوا على موعدٍ مع فعلٍ جريء، اخترقوا فيه مصنع «إلبيت» للأسلحة في «فيلتون» البريطانية، وحطّموا طائراتٍ مسيّرةً تستخدمها دولة الاحتلال الإسرائيلي لتمزيق أجساد الفلسطينيين في غزة.
بعد سبعة عشر شهراً من الاعتقال القاسي، والاتهامات الباطلة التي وصلت حدّ «السطو المسلح» الذي قد يعاقب بالسجن
مدى الحياة، أصدرت هيئة محلفين بريطانية حُكمها: براءة. نعم، براءة هؤلاء الذين لم يحملوا سلاحاً إلا مطرقة الحق، ولم يهاجموا إلا أدوات الموت. لقد رفضت هيئة المحلفين، تلك الصوت الشعبي الخفيّ النامي داخل
النظام القضائي، أن تكون أداةً لإسكات الضمير الإنساني. لقد فهمت، كما قال مصدر الدفاع، أن «الذين يحطمون أسلحة إسرائيلية ليسوا هم المذنبين، بل المذنب الحقيقي هو من يرسل هذه الأسلحة لارتكاب إبادة جماعية في غزة».
هذا النصر ليس مجرد حكم قضائي؛ إنه صفعةٌ مدوّيةٌ للرواية الرسمية البريطانية التي حاولت، بتواطؤٍ صارخٍ مع الاحتلال، تصوير المدافعين عن الحياة كمجرمين وإرهابيين. إنه إدانةٌ ضمنيةٌ لسياسة الحكومة التي سارعت إلى حظر «فعل فلسطين» وتجييش إعلامها ضد النشطاء. لقد كشفت المحاكمة عن زيف تلك الادعاءات، وعن تعطيل كاميرات المراقبة، وتحرير لقطات حراس «إلبيت»، وكلها محاولات يائسة لتلفيق التهم.
هؤلاء الشباب الستة، مثلهم مثل المناضلين السابقين من أجل الحقوق المدنية والنساء «السفروجيت» اللواتي وُصفن بالإرهابيات في زمانهن، اختاروا طريقاً صعباً لأن كل الطرق السلمية الأخرى استُنفدت: المظاهرات، والعرائض، ومراسلة النواب... فلم يجدوا سبيلاً سوى أن تكون أيديهم أداةً مباشرةً لتعطيل آلة القتل، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح تحت القصف. كما قالت والدة إحدى الناشطات بفخرٍ: «هم شبابٌ يتحلّون بضميرٍ حي».
إن تبرئتهم تذكيرٌ قويّ بقوة المحلفين الشعبية، وبحق الناس في محاكمة عادلة أمام أقرانهم، وهو حقّ تسعى
الحكومة إلى تقويضه خشيةً من أحكام الضمير هذه. كما أنها ضربةٌ لشرعية الحظر التعسفي لحركات التضامن، وتأكيدٌ على أن صوت الحق لا يمكن إسكاته، حتى لو تحالفت ضدّه أقوى الحكومات وأشرس أجهزة الأمن.
لكل ناشط وناشطة في «فعل فلسطين»، ولكل معتقلٍ من «فيلتون الـ24» الذين لا يزالون رهن الاعتقال، ولكل مدافعٍ عن كرامة الفلسطينيين في كل مكان: لقد أثبتم أن الخوف لا يوقف الإرادة، وأن السجن لا يكسر القيم، وأن درع الإنسانية أخيراً، عندما يرفعه أنقياء القلب، يمكن أن يصدّ عنف الدولة وآلة الحرب. نصركم هو بصيص نور في ظلمة الصمت الدولية، وهو رسالة تضامن تصل إلى قلب كل بيت في فلسطين، تقول: لستم وحدكم. شكراً لكم، لأنكم تجسّدون أرقى ما في البشرية: الرحمة والشجاعة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264