وين هيه الحقيقة؟
إيمان الأحمد إيمان الأحمد

وين هيه الحقيقة؟

ثمة نكهة خاصة للفكاهة في أعمال الرحابنة، تتجاوز المألوف ببساطتها من ناحية وعمقها من ناحية أخرى، وتضع يدها عميقاً في جراح عديدة تحتاج للعلاج.

في اسكتش «البوسطجي» للأخوين رحباني، من مسرحية «قصيدة حب» (1973)، يحمل «البوسطجي /ساعي البريد» رسالة من «أسعد ابن «شهدان»، إلى «سلمى ابنة محجوب»، وبسبب خوف محجوب من أن يكون أسعد «آخد راحته» في الحديث إلى ابنته في تلك الرسالة، ولكونه أمّيّاً لا يجيد القراءة والكتابة، يطلب من أشخاص آخرين (البوسطجي، والمعلمة، وشهدان، والد أسعد) قراءة الرسالة، فتتعدّد القراءات بتعدّد القارئين. فتكون رسالة عشق في أحدها، وتتخصص بشؤون الشابين الدراسية، مرة أخرى، وفي قراءة ثالثة، تتضمّن مسائل مالية بين محجوب وشهدان. ومع تعدّد القراءات، يسأل محجوب بحسرة: «وين هيه الحقيقة؟» فيأتيه الجواب جماعياً: «انت لا تفكّر نحنا منفكّر عنك»، مترادفا مع نصيحة فظيعة: «انبسط... اشتغل... وكول ونام... وطنّش». وتتكرر الكلمة الأخيرة «طنّش» أكثر من مرة في رمزية خاصة.


كذب مبرمج


يحمل هذا المنولوج الغنائي الساخر أكثر من فكرة ومحتوى. إضافة إلى «التطنيش»، الذي يجري التركيز عليه في نهاية المشهد، وبوصفه سياسة تحتاجها السلطة (أيّاً كانت)، لفرض سيطرتها بتحويلها «المواطن / الإنسان» إلى طرف خامل يلعب دور المشاهد السلبي ويتلقف ما ترميه له سياسيا ومعرفياً ويكتفي به، دون نقاش. فتتمكن من إحكام قبضتها على عقول «الناس/ الجماعة» المعنية. إضافة إلى ذلك كله، يأتي سؤال محجوب «وين هيه الحقيقة؟» كصرخة تنطلق من حسرة كونه أمياً لا يجيد القراءة والكتابة، وهذه الصفة هي ما تؤسس للوضع الذي وجد نفسه عالقاً به يستجدي الآخرين لقراءة «الرسالة / الخطاب»، وحالة التشويش الذي أصابه نتيجة كذب الآخرين عليه واستهتارهم به، ثم صرخته المدوية في وجوههم، على شكل سؤال يخص الحقيقة حين يفرض الواقع المُتغيّر نسبيتها، ولكنه أيضاً يفتح الباب أمام إمكانية التلاعب بها، والتلاعب به كنتيجة لذلك.


«محجوب السوري»


ثمة شيء من التشابه، عند تحليل الراهن السوري وأحداثه، ومحاولة البعض التعامل مع السوريين بالمنطق نفسه الذي جرى فيه التعامل مع محجوب، الشخصية الرئيسة في اسكتش البوسطجي. ثمة من يعتقد بأمية السوريين السياسية وعدم قدرتهم على التفكير والعمل، ضارباً بعرض الحائط كل الإرث والتراث السياسي والفكري لأبناء هذه المنطقة الجغرافية على تنوعهم وعلى مدى آلاف السنين. ينصّب هذا البعض على مختلف
مشاربه ومواقعه نفسه وصياً بالمعنى الفكري والسياسي والمعرفي على الشعب السوري، في محاولة لمصادرة كل إمكانية للبناء والإنتاج وعلى مختلف المستويات. وهناك عدد لا يحصى من الأمثلة على ذلك، في إحداها، يقف خطاب الدعوة إلى العنف المعتمد على الغرائزية والمظلوميات المختلفة والمستفيد من واقع استبداد السلطة السابقة وما مارسته بحق السوريين من مظالم، واستفزاز المشاعر العدائية المبنية على الثأر كأحد أشكال التطبيع المعرفي والنفسي مع هذه الممارسات.


تطبيع معرفي


التطبيع المعرفي هو تلك العملية عقلية يقوم فيها الفرد بإعادة تفسير المواقف غير المألوفة أو المقلقة أو غير العادية لتصبح أكثر اعتياديةً وقبولاً. ويوصف بأنه آلية نفسية تساعد الإنسان على التعامل مع التغيرات الكبيرة والأحداث الصادمة من خلال تصويرها على أنها «طبيعية» أو «معتادة». ويعمل من خلال إعادة الإطار الذهني، أو تحويل الإدراك مثلاً من «هذا شيء غريب/مخيف» إلى «هذا شيء يمكن فهمه والتعامل معه». ثم التكيف التدريجي، بحيث يجري التقليل من حدته الانفعالية من خلال التعرض المتكرر أو التفكير المستمر في الموقف كما يقوم بدمج العناصر الجديدة في الروتين اليومي أو المنظومة الفكرية الموجودة وبصفته آلية تكييفية يمكن أن يؤدي إلى قبول الظروف غير الصحية أو حتى الظالمة كحالة «طبيعية» وبالتالي يثبط الدافع للتغيير الإيجابي من خلال التكيف مع المشاكل والقضايا التي يلزمها حل بدلاً معالجة أسبابها وإيجاد الحلول.

والأمثلة التي يقدمها الواقع عديدة منها تلك المحاججة، المقصودة أو غير المقصودة، والتي تتمثل في أن تصنع نسخة مشوّهةً من حجّةِ خصمك، ليسهل عليك دحضها والتغلّب عليها، فيما يسمى مغالطة «رجل القش»، فعندما يقول قائل إنّه ضدّ العنف والدم والثأر، لأنها تتناقض وقدسية الحياة، تجري مهاجمته بحجة، توصف فيها أن «حياة القاتل إذاً أهم من حياة الضحية». وكأن استمرار العنف وإعادة إنتاج الضحايا هو الحل.
في النهاية يتناسى هذا البعض ليس التاريخ وحقائق العلم فقط، بل كفاءة الإنسان أيضاً في سعيه إلى البقاء والاستمرار. وقد يعتمد في تبرير ما يفعله بتراجع الحركة السياسية في سورية بسبب خنق الحريات ولكنه ينسى أنها مجرد حالة مؤقتة. أما البحث عن «الحقيقة» فلم تعد مجرد مسألة معرفية فقط، بل وجودية، يصبح فيها الدفاع عن «الحقائق التاريخية والعلمية» دفاعاً عن النفس في مواجهة كل أنواع التضليل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1262