دراسات الإعلام حقلٌ للمتمردين: دعوة لإعادة السياسة إلى قلب الاتصال

دراسات الإعلام حقلٌ للمتمردين: دعوة لإعادة السياسة إلى قلب الاتصال

في عصر تتدفق فيه المعلومات كالسيل، وتتركز وسائل إنتاجه وتوزيعه في أيدي قلةٍ من التكتلات العابرة للقارات، يبرز سؤالٌ مصيري عن دور حقل دراسات الإعلام والاتصال. أهو حقلٌ يراقب التحولات الكبرى من برجه العاجي، أم هو حقلٌ «متمرد» يُعيد ربط المعرفة بالسلطة، ويدرس الإعلام كمجالٍ للصراع السياسي والاقتصادي، ويدافع عن الصحافة كمنفعة عامة وحجر زاوية للديمقراطية؟ هذا السؤال استفزّ الباحث الأمريكي البارز روبرت دبليو مكشيسني قبل ربع قرن، ودعا بجرأة إلى أن يكون حقل الاتصال «حقلاً متمرداً». ورغم مرور الوقت، تبقى دعوته، التي يستعرضها ويدعمها الأستاذ النرويجي سيغورد أليرن، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لا في الولايات المتحدة فحسب، بل في جميع الأنظمة الإعلامية حول العالم، بما في ذلك تلك التي كانت تُعتبر معاقل للخدمة العامة.

عن مقالة للكاتب سيغورد أليرن
عن مجلة المراجعة الشهرية


مقدمة


أزمة الحقل: من النقد الجذري إلى الهدوء الأكاديمي
ينطلق مكشيسني من تشخيصٍ قاسٍ لتطور حقل دراسات الإعلام. فبعد عقدي السبعينيات والثمانينيات اللذَين شهدا نقاشات نظرية وسياسية حيوية حول الإعلام والديمقراطية، جاءت التسعينيات بحمولتها النيوليبرالية من إطلاق الأسواق وخصخصة الفضاء العام، لتدفع باتجاه «تهدئة» الحقل الأكاديمي وإفراغه من السياسة. تحوّل الحقل، في نظره، إلى مجالٍ من الدرجة الثانية، ينتج أبحاثاً ضيقة الأفق تفتقر إلى الجرأة والملاءمة، معزولاً عن النقاش العام الكبير. وبلغت الأزمة درجة أن أهم الأعمال النقدية المؤثرة حول الصحافة الأمريكية كانت من خارج الحقل، مثل أعمال إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي. لقد غاب الاقتصاد السياسي، بتركيزه على علاقات الملكية والسلطة والربح، عن قلب الحقل، مما أفقده أداته التحليلية الأقوى لفهم كيف تُشكّل الرأسمالية النظام الإعلامي وتُحدّد مخرجاته.

مقترحات للتمرد: كيف نُعيد بناء الحقل؟
لم يكتفِ مكشيسني بالنقد، بل قدّم برنامجاً للإصلاح يقوم على أربع ركائز:

  1. الاعتزاز بالتعددية المنهجية: قوة حقل الاتصال تكمن في طبيعته البينية (Interdisciplinary). عليه أن يقاوم إغراء تقليد العلوم الاجتماعية التقليدية بتضييق منهجياتها الكمية، وبدلاً من ذلك يجب أن يكون مختبراً للأفكار الجريئة والمفكرين العموميين الذين يربطون النظرية بالممارسة والتغيير.
  2. الاقتصاد السياسي كحجر الزاوية: لا يمكن فهم الإعلام في مجتمع رأسمالي منقسم طبقياً بمعزل عن تحليل قوانين السوق وتركز الثروة وسلطة العلاقات العامة. دراسة الاتصال دون اقتصاد سياسي، كما يشبّه مكشيسني، أشبه «بعزف البيانو بقفازات». على الباحثين أن يكونوا واعين للادعاءات الأيديولوجية التي تزعم أن السوق يساوي الديمقراطية، وأن يدافعوا بقوة عن قيم الخدمة العامة والصحافة الاستقصائية.
  3. الالتزام العام: على الباحثين أن يلعبوا دوراً مركزياً في تحليل ونشر ومناقشة القضايا المتعلقة بالإعلام والديمقراطية. «عندما نتوقف عن قول الحقيقة للسلطة، سرعان ما نتوقف عن قولها لبعضنا البعض»، كما يحذر.
  4. التفكير والعمل السياسي: النقاش العام السليم داخل المجتمع مرتبط بحرية واستقلالية البحث داخل الأكاديميا. على الباحثين التفكير سياسياً، ليس بمعنى الانحياز الحزبي الضيق، بل بمعنى الانخراط في السجالات الكبرى حول سياسات الإعلام وتشريعاته ومستقبله.


من الولايات المتحدة إلى العولمة: صلة التحذير بالواقع الأوروبي والعربي


واجهت أفكار مكشيسني انتقادات في أوروبا، أهمها أنها «أمريكية» أكثر من اللازم، ولا تنطبق على النماذج الأوروبية التي تحتفظ بتقاليد قوية في الإعلام العام ودعم الصحافة. لكن مكشيسني نفسه أقرّ بالاختلافات بين النموذج الليبرالي الأمريكي التجاري البحت، والنموذج الديمقراطي التكافلي في شمال أوروبا. ومع ذلك، أشار هو وآخرون مثل هالين ومانشيني إلى عملية «تجانس» متسارعة بين النماذج، مدفوعة بسياسات التحرير والخصخصة والعولمة الرقمية.

هذا التحذير يجد صداه اليوم حتى في الدول الإسكندنافية، حيث تتعرض مؤسسات الخدمة العامة لهجوم من قبل الأحزاب اليمينية والشركات الإعلامية التجارية التي تسعى إلى تقليص نطاق عملها وميزانياتها. وفي العالم العربي، حيث تتداخل سلطة الدولة ورأس المال في تشكيل المشهد الإعلامي، يقدم تحليل مكشيسني للاقتصاد السياسي أدوات ثمينة لفهم آليات السيطرة على الإعلام، ليس عبر الملكية المباشرة فقط، بل أيضاً عبر الإعلان والعلاقات العامة والروابط غير المرئية بين النخب.

الصحافة كمنفعة عامة وبنية تحتية ديمقراطية
يقدم مكشيسني، بالتعاون مع باحثين آخرين، مفهومين بالغي الأهمية لتجذير دفاعه عن صحافة حرة:

  1. الصحافة «كمنفعة عامة» (Public Good): تتصف المنتجات الإعلامية الجيدة، كالأخبار الموثقة والتحقيقات الاستقصائية، بسمات «المنفعة العامة»: فهي غير تنافسية (استهلاكها من قبل شخص لا يمنع الآخرين من الاستفادة منها) وغير حصرية (من الصعب منع غير الدافعين من الوصول إليها). هذا يخلق «مشكلة الراكب الحر»، حيث تتحمل وسيلة الإعلام تكاليف الإنتاج الباهظة، بينما يمكن نسخ المحتوى ونشره مجاناً. في ظل السوق الخالص، يؤدي هذا إلى نقص حاد في إنتاج الصحافة الجيدة، لأنه لا يوجد حافز تجاري كافٍ. الحل، وفق مكشيسني، هو الاعتراف بأن تمويل هذه «المنفعة العامة» هو مسؤولية جماعية، تتطلب سياسات عامة تدعم الإنتاج الصحفي المستقل، كما تدعم التعليم والرعاية الصحية.
  2. الآثار الخارجية وإعلام البنية التحتية الديمقراطية: للصحافة «آثار خارجية» هائلة، إيجابية وسلبية، على المجتمع ككل، تتجاوز العلاقة المباشرة بين القارئ والجريدة. الصحافة الرديئة التي تهمش القضايا الجوهرية وتكرر خطاب العلاقات العامة تُنتج مواطنين غير ملمّين، وتقود إلى حوكمة رديئة وفساد، ويدفع ثمنها المجتمع بأسره. بالمقابل، الصحافة الجيدة التي تكشف الفساد وتعمق النقاش العام تفيد الجميع، حتى أولئك الذين لا يستهلكونها مباشرة. من هذا المنطلق، يجب النظر إلى مؤسسات الصحافة الجادة على أنها جزء من «البنية التحتية الديمقراطية» لأي مجتمع، مثل الطرق والمدارس. لا يمكن بناء اقتصاد حديث أو ديمقراطية حقيقية من دونها.


خاتمة: نحو تمردٍ معرفي ضروري


إن دعوة مكشيسني إلى أن يكون حقل الاتصال «متمرداً» ليست دعوة إلى الفوضى، بل هي دعوة إلى الالتزام. التزام بإعادة الربط بين المعرفة والمسؤولية، بين التحليل الأكاديمي والنضال من أجل فضاء عمومي حقيقي. في عصر التضليل الإعلامي وهيمنة منصات التكنولوجيا العملاقة التي حوّلت البيانات إلى سلعة والانتباه إلى عملة، يصبح تبني رؤية الاقتصاد السياسي والنظر إلى الصحافة كمنفعة عامة وبنية تحتية ديمقراطية ليس خياراً أكاديمياً فحسب، بل شرطاً للبقاء.

على الباحثين في العالم العربي، الذين يشهدون تحولات جذرية في مشهدهم الإعلامي بين إعلام سلطوي وتجاري بحت وأشكال هجينة، أن يلتقطوا راية هذا التمرد المعرفي. تمرد يرفض تحييد البحث، ويسائل علاقات القوة الخفية، ويصر على أن دراسة الإعلام هي في صميمها دراسة للديمقراطية ذاتها. كما عاش مكشيسني مُعلّماً ومفكراً وناشطاً، علينا أن نتعلم أن قول الحقيقة للسلطة، أياً كانت، هو السبيل الوحيد لإنقاذ الحقل، والإعلام، والديمقراطية من براثن الرداءة والاستسلام.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1257
آخر تعديل على الإثنين, 22 كانون1/ديسمبر 2025 08:53