الذكاء الاصطناعي كتوليف لتحوِّل حضاري محتمل: الاغتراب نموذجاً

الذكاء الاصطناعي كتوليف لتحوِّل حضاري محتمل: الاغتراب نموذجاً

يجري الكثير من النقاش ضمن العقل المهيمن والمواقف الناقدة لهذا العقل حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي على التجربة الإنسانية ككل، وما تحمله هذه التأثيرات من تحولات عميقة تنطوي على معاني انتقال حضاري. وعلى الرغم من أن التأثيرات شاملة، إلا أن التركيز عادة يحصل بشكل خاص على العامل الاقتصادي-الاجتماعي (قضايا استبدال الطبقة العاملة مثلاً). وكنا قد مررنا سابقاً على المعاني الفلسفية للذكاء الاصطناعي وتعظيمها للتناقض الفلسفي التاريخي مادية-مثالية، والتحدي الذي يفرضه على حل هذا التناقض. وهنا نمرّ على الجانب الفردي لهذا التناقض، أيْ انقسام الإنسان على ذاته، كجوهر لقضية الاغتراب.

في الصدمة «الوجودية»

في تاريخ الاكتشافات العلمية، هناك بعض الاكتشافات التي أثرت عميقاً في العقل الإنساني، بمعنى النظرة إلى العالم. هذه الاكتشافات لم تدخل إلى العقل الإنساني بسلاسة وسهولة، بل واجهت ممانعة ومعاندة شديدة من قبل العقل المهيمن حين ظهور هذه الاكتشافات، وواجه أصحاب هذه الاكتشافات الاضطهاد والملاحقة والمحاكمة وحتى الإعدام. ويقول سيغموند فرويد، عالم النفس ومطوّر نظرية التحليل النفسي (على الرغم من الجانب والموقف المثالي لهذه النظرية، بالمعنى الفلسفي)، بأنه حصلت عدة صدمات «وجودية» للإنسان جرّاء تلك الاكتشافات العلمية. ومنها: نظرية/اكتشاف كوبرنيكوس عدم مركزية الأرض، ودوران الأرض حول الشمس. وثاني نظرية/اكتشاف هي تطور الأجناس عند داروين. ويَعتبر فرويد أنّ نظريته في اللاوعي هي الاكتشاف الثالث. وتشكل تلك الاكتشافات صدمة «وجودية» في كونها تضع «الذات» الإنسانية في مواجهة مع مركزيتها في الكون، وفي كونها أصل وعلّة ومحور «حكاية الوجود». ويمكن إضافة الذكاء الاصطناعي إلى هذه الاكتشافات التي تشكّل مساهمة جديدة في الصدمة الوجودية للإنسانية في كون موضوعها هو العقل البشري نفسه واحتمال «صناعته». وعلى الرغم من أننا لا نؤيِّد، إلى جانب آخرين كثر، فكرةَ أنّ ما نشهده الآن، وسنشهده لاحقاً، من تطور في الذكاء الاصطناعي هو نسخة عن العقل البشري - لعدة اعتبارات ليس المكان هنا للخوض فيها - ولكنَّ ميدان الذكاء الاصطناعي وبمعزل عمّا يمكن تحقيقه من خلاله من تصنيع للعمليات العقلية والسلوكية، إلّا أنّه يطلق سلسلة من الإشكاليات الفلسفية في أصل العقل وكيفية تشكّله وعملياته الداخلية، ومصدر تشكُّلها النوعي. إضافة إلى ذلك، يدفع الذكاء الاصطناعي إلى تعظيم وزن السؤال حول الفعالية الإنسانية، وقضايا المسؤولية القانونية-الحقوقية، والمسائل الأخلاقية، وقضية «الحرية» و«الهوية» بمعناها الفلسفي. فالتقدم في ميدان الذكاء الاصطناعي، وعلى الرغم من المدى النوعي الذي يمكن أن يصله، يتطلب وضع هذه القضايا على طاولة البحث وجدول الأعمال، ويتطلّب بالضرورة الإجابة المبدئيّة المعرفية والمنهجية عنها، وهذا بحد ذاته مكون لعناصر صدمة «وجودية» تتجاوز المستوى السياسي والاجتماعي المباشر.

في قضية انقسام الإنسان على ذاته

إن تلك القضايا والإشكاليات لا تحصل في سياق وجودي «هادئ» وصافٍ، بل مضطرب ومتناقض ومنفجر ومنقسم على ذاته أساساً. وإذا ما صَبَبْنا تركيزَنا على قضية العقل الإنساني، نجده يعيش ويعاني من انقسام وتناقض داخلي يجعل من تلك الإشكاليات عاملاً مضافاً ذا وزنٍ كبيرٍ جدّاً في تعظيم هذا الانقسام. فالعقل الإنساني في عصر الرأسمالية، ولكونها مجتمعاً للانقسام الطبقي، واغتراب الإنسان عن عمله وعن سيطرته على واقعه، وضمناً عن نفسه ومِن ثَمَّ اغترابه عنها وعن الآخرين، فإنَّ هذا العقل يعيش أساساً سؤال وجوده لأنّه وبكل بساطة يعيش تناقضاً مع واقعه، مما يضعه في أزمة الإجابة عن أسئلته الذاتية وإرضاء حاجات توكيد وجوده وتحققه، خصوصاً مع انغلاق أفق مناورة الواقع الرأسمالي لاستيعاب تناقضات وحاجات الإنسان الروحية-النفسية، وحكماً الجسدية المباشرة، بعد الأزمة العميقة والمفتوحة التي يعيشها نظام الهيمنة. وبالتالي فإنّ أسئلة الهوية والدور والفعالية وتعريف الذات (وضمناً العقل) والمسؤولية القانونية والأخلاقية، هي أصلاً مطروحة علناً وضمنياً بعد أزمةِ وتعطّل البنية الفوقية للمجتمع الرأسمالي، كانعكاس لتعطل وأزمة بنيته التحتية الاقتصادية-الاجتماعية. فكل المقولات الحقوقية والقانونية والسياسية والجمالية والأخلاقية، وقضايا الفعالية التاريخية للفرد ودوره، والتعريف العلمي والفلسفي للإنسان وهويته (بالمعنى الفلسفي) التي سادت في حقبة الليبرالية والفرد، كلّها تعيش أزمةً لا يمكن للعقل الرسمي الإجابة عنها، وهو لهذا يتقدم بـ«إجابات» عدمية تحمل نفياً للإنسان والمجتمع على حد سواء، أيْ إلغاء الإشكالية نفسها متى غابت قدرته على الهروب من الإجابة عنها، أو المناورة في الإجابة ضمن حدود مجتمعه المنقسم نفسه. وكل تلك الإشكاليات تتمركز في الانقسام المركزي فرد-مجتمع، الذي هو القاعدة المادية للاغتراب الروحي، والانقسام العقلي. فسيطرة الإنسان على نفسه تتطلّب سيطرة الإنسان على المجتمع، أو بشكل أدق، سيطرة المجتمع على نفسه، كما أشار عالم النفس السوفييتي ليف فيغوتسكي. وفي هذه العملية من السيطرة على الضرورة الاجتماعية، أي الانتقال إلى عالَم الحرية كما يقول إنجلس، يكمن جوهر الانقسام، وتنبع منه باقي الإشكاليات التي يدفع بها الذكاء الاصطناعي إلى مستويات عالية، ومنها مثلاً علاقة الفلسفة بالعلم، والنظرة إلى العالَم التي على العلم أن يحملها.

في توليف التحول الحضاري

إنّ الذكاء الاصطناعي ليس ميداناً لإشكاليات تعريف العقل وعملياته والفعالية وعلاقة العقل بالنشاط فقط، ولا يعيد طرح القضية المعرفية (الإبستمولوجية) الفلسفية التاريخية على بساط البحث التجريبي فحسب، بل إنه كذلك ميدانٌ لسؤال علاقة الإنسان بنفسه وبالواقع والمجتمع، ويضع قضية الصراع التاريخي في الفلسفة في دائرة الحاجة للإجابة، ويدفع بالمجتمع نحو الحاجة إلى إجابات تتجاوز هذا الانقسام. وإذا أردنا أن نعطي مثالاً مباشراً وملموساً حول كيف تُطرَحُ مثلاً قضية الفعالية وتعريف الإنسان ضمن سياق الذكاء الاصطناعي، فإنّ الإنسان اليوم يشعر بأنه أقلّ قدرة وقيمة بالمعنى التاريخي من الذكاء الاصطناعي، ليس فقط لأن الذكاء الاصطناعي قادر على القيام بمهام متعددة، بل لأن الذكاء الاصطناعي «يسيطر» على الإنسان، من خلال دوره في نظام الهيمنة، لا في كونه مسيطراً بالمعنى المطلق. وتجاوز هذ التناقض يتطلب رفع قيمة وعي ودور وقيمة الإنسان وفعاليته التاريخية كمَخرجٍ وحيد من «دونية» وقلة حيلة الإنسان-الفرد في ظل مجتمعِ تغييب الفاعلية الفردية والقدرة على تقرير المصير التاريخي. ويتطلّب إذاً توحيد الإنسان وتجاوز انقسامه من خلال توحيده مع المجتمع وتجاوز انقسامهما وإلغاء التناقض بين الفرد والمجتمع في توحيد مصالحهما التاريخية.
ودون هذا التوحيد وتجاوز الانقسام الواقعي والمعرفي (الإبستمولوجي)، فإن الذكاء الاصطناعي لن يكون عاملاً في تشكيل صدمة «وجودية» لإنسان اليوم فقط، بل وكذلك عاملٌ في أزمة العقل الإنساني المنقسم على نفسه، وتذريره وتعطيله أكثر فأكثر، كمسار عام موضوعي، ويجري الدفع باتجاهه من خلال جدول أعمال قوى النخبة المالية الفاشية عالمياً. إن الذكاء الاصطناعي فعلاً، وإضافة إلى المستوى الاقتصادي-الإنتاجي (قضية استبدال القوى البشرية العاملة ومجتمع ما بعد السوق الرأسمالية)، يشكل بالمعنى الفلسفي والنفسي والاجتماعي توليفاً لتحول حضاري ضروري من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية، وعودة الإنسان إلى ذاته، وتجاوز اغترابه، كما يشير ماركس مراراً. وهذا ما يدفع اليوم نحو إعادة الاعتبار للماركسية ليس فقط كنظرية في الاقتصاد، أو العدالة الاجتماعية، بل في التحرر التاريخي للإنسان، بل ولادته التاريخية وبداية تاريخ البشري على حد تعبير إنجلس.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1167