«لا تبك ولا تضحك... بل افهم!»

«لا تبك ولا تضحك... بل افهم!»

تروي الميثولوجيا اليونانية أسطورة بروكرست وكان لديه عادة سيئة تتمثل في قطع ساقي وذراعي ضيوفه، أو مط أجسادهم حتى تتكسر مفاصلهم، لجعلهم في حجم سريره سيِّئ السمعة. يشبه النظام العالمي السائد في الوقت الحاضر سرير بروكرست، حيث يبدو العالم اليوم وكأنه قد أصيب فجأة بالجنون. وتفاصيل الحياة اليومية المرهقة أنتجت شعوراً متزايداً بأن حياتنا محكومة من قوى خارجة عن سيطرتنا.

يحتضر القديم، والجديد يكافح من أجل أن يولد. يعاني اليوم ملايين البشر من الفقر والجوع، في حين يزداد الأغنياء ثراء. يعيش الناس في خوف دائم على مستقبل غير آمن، يتملكهم شعورٌ عام بانعدام الأمن وعدم اليقين، فما كان يبدو ثابتاً ودائماً، يختفي بين عشية وضحاها ويبدأ الناس بالتساؤل وتقليب قناعاتهم السابقة.
ثمة قناعة راسخة «بأن اليوم أفضل من الأمس والغد سيكون أفضل من اليوم» يجري تغييرها باستبدال روح التفاؤل والإيمان بالتقدم، ليحلّ محلّها شعور عميق بالاستياء والتشاؤم من الحاضر والمستقبل، في محاولة لطمس حقيقة أن هذه الحالة من الاضطرابات هي ما يمهد الطريق للتغيير، ويصبح في نهاية المطاف الخيار الواقعي الوحيد الذي يمكن تصوره.
التاريخ ليس سيرورة دون معنى، والأفكار لا تسقط من السماء، بل تعكس إلى هذا الحد أو ذاك من الدقة، الشروط الموضوعية والتناقضات والضغوط الاجتماعية للواقع المعاش، وقد سبق للفيلسوف سبينوزا أن قدم نصيحة جيدة عندما قال: «لا تبك ولا تضحك، بل افهم!». فإذا لم نكن قادرين على فهم العالم الذي نعيش فيه، فإننا لن نكون قادرين على تغييره. والذين يحكمون العالم ويحتكرون ثرواته لن يقبلوا أبداً بحتمية زواله. وعندما يغرقون، سيفضلون أن يسحبوا الجميع إلى القاع معهم. تكمن المهمة الأساسية في المساعدة على ولادة عالم جديد، بأسرع وقت ممكن وبأقل التكاليف على البشرية.

التفاؤل الهش

يمثّل التفاؤل منطقة تكيف وُسطى بين ردّ الفعل المتوتّر الحاد والشديد وعقدة الانسحاب الاستسلاميّة. أما اليأس فهو مجموعة مشاعر متضافرة بعضها مع بعض، ونتيجة طَبيعية تُفضي إليها حياة تملؤها مشاعر القلق، والغربةِ، والضياع، والفراغ...إلخ.
الأمل ضروريّ تحديداً لأنّه يُمكّن المرءَ من أن يعترف بمدى خطورة وضع معيّن، ومحاولة وضع الحلول اللازمة له، ولكن التفاؤل لا يعني «الرضا» الذي يقود إلى سوء تقدير للعقبات الواجب مواجهتها، والوصول إلى نوع من الطمأنينة الكاذبة.
ثمّة استغراق ذاتي مخيف في التشاؤم، يتغذّى من استمتاع المتشائم بكآبته. فهناك متحذلقون يتفحصون بحذر أيّ منجز صغير، ويعتبرونه بلا قيمة طالما أنه لا يحقق نتائج مباشرة. وهناك من يسخر من كل شيء، ويرفض رؤية تعقيد الواقع، ويحتقر من يسعى لالتقاط نقاط الضوء وسط الظلمة. وهناك أيضاً محبَطون من فرط الهزائم والتراجعات والخيبات التي أصابتهم، ومن فرط السوء الفعلي للوضع العام السائد، فلم يعد في قلوبهم مكان للفرح حتى ولو للحظة. إضافة إلى بعض المتشائمين، الذين كلما رأوا زهرة ندبوا غياب حقل الزهور! يؤثر كل هؤلاء في المشهد، فهم كالحطام المرمي في الطريق، يعيق وضوح الرؤية وانسياب السير. ولا يمكن أن يحدث تغيير في ظل هيمنة أفكار هؤلاء على القناعات السائدة، والأمزجة والخطاب.

التفاؤل موقف سياسي

لا يكفي التفاؤل بالطبع، ولكنه موقف سياسيّ وقيميّ ونفسيّ وروحيّ لا يمكن من دونه الوصول إلى ما يتعدّاه من فهم وإدراك ونقد ووضع الرؤى والخطط اللازمة للتغيير. لا ينبع التفاؤل من السذاجة، ولكن من قوة الأفكار الناتجة عن فهم علميّ للواقع والقوى الفاعلة فيه. فهمٌ لا يقوم على شكل سلسلة من الحوادث غير المترابطة وغير المتوقعة، بل يعبر عن عملية مترابطة ومفهومة بشكل واضح تشمل السياسة والاقتصاد وكل مجالات التطور الاجتماعية، واستيعاب للعلاقة الجدلية المعقدة التي تربط هذه الظواهر بحيث لا يمكن فهمها بمعزل عن بعضها بعضاً.
إن نظرة مجتمع في مرحلة صعود، تختلف جداً عن نفسية ونظرة مجتمع في حالة من الركود والانحطاط. وإذا كان السياق التاريخي العام يحدد كل شيء، ويؤثر على المناخ السائد، فهناك ضرورة لتجاوز الحقائق المعزولة، ولتفسير الاتجاهات العامة للانتقال من نظام اجتماعي إلى آخر، واكتشاف القوى المحركة الجوهرية التي تحدد هذه التحولات.

المزاج والتفاؤل الثوري

يعيش المزاج المبني على أساس المعطيات اليومية حالة من الانفصام، متقلباً بين التفاؤل والتشاؤم، يؤسس الانغماس باليومي والجاري لحالة من الشعور باليأس والعجز و فقدان المعنى والهدف على المستوى الفردي والشخصي المباشر، ويتناقض في سرعة تطوره مع الآفاق الجديدة لحالة الصعود التي يرسمها الاتجاه العام. وهو ما يفسر الهاجس الذي يحمل كثيرين وخاصة الشباب على الهروب من الواقع المعاش بأشكال متعددة ومختلفة.
ثمة ضرورة لفهم وتمييز الفروق بين نوعين من التفكير «المنهزم والمنتصر»، وضرورة لفهم الفروق الفاصلة بين التفاؤل الثوري والمزاج.
المزاج لحظي وآني وجزئي ومتغيّر مع تغيّر الظروف التي أنتجته، بينما التفاؤل الثوري ثابت وجذري ومبني على أسس علمية ينظر للبعيد آخذاً بعين الاعتبار أنّ التحولات الكبرى تنسف طرق العيش السابقة خلال بناء طرق جديدة للعيش.
يمكن للمزاج أن يتأخر عن مشاطرة التفاؤل الثوري موقفه، وخلال ذلك غالباً ما ينظر الأول للثاني بأنه ضرب من ضروب الخيال وأنه يعيش حالة من الوهم، بينما يصر هذا الأخير على رؤية علمية واضحة للاتجاه العام للأحداث. وهو يدق الباب الآن مؤكداً ضرورة النضال اليومي الدؤوب والمستمر لتسريع التحول المطلوب القادم ضمن الأفق المنظور.
من الصعب على غالبية الناس الخروج من أوهامهم الاجتماعية، فعندما جرى خلق هذه الأوهام، وُضع نظام دفاع عنها ليبقى مرافقاً لها. ولكن العالم اليوم في منتصف الصّيرورة التي يبدأ فيها كثير من الناس بالتخلّي عن أوهامِهم، والمشروط بالتخلّي عن الظروف التي تحتاج هذه الأوهام.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1166
آخر تعديل على الجمعة, 26 نيسان/أبريل 2024 23:15