«مئة عام من العزلة» لماركيز: هكذا خرج «غابو» من محلّيته الى العالم

«مئة عام من العزلة» لماركيز: هكذا خرج «غابو» من محلّيته الى العالم

كان الخبر متوقعاً، ومع هذا هزّ الملايين وأبكى كثراً. فقلة من الناس فقط كانت تصدق ان غابريال غارسيا ماركيز يمكن ان يموت. فـ «غابو»، المبدع الذي نفخ حياة مدهشة في عشرات الشخصيات وكتب روايات تعتبر من أروع ما كتب في القرن العشرين، وانتشرت اعماله في تجوال حول العالم واللغات خالقاً بواقعيته السحرية ومن دونها أحياناً، نصوصاً تشع جمالاً ومكراً وبساطة وشاعرية، لم يكن من الكتاب الذين يمكن الحديث عنهم بصيغة الماضي. وحتى وهو مريض على حافة الخرف في أعوامه الأخيرة، كان كثر يعتقدونه، أو يتمنونه مازحاً. 

لكنه فعلها ومات. فعلها بعد ان خلّف لنا تلك الروايات والقصص والنصوص الذاتية التي من الصعب ان يشبهها اي شيء آخر. ومع هذا تبقى لروايته الكبرى «مئة عام من العزلة» مكانتها الفريدة في تاريخ الرواية الحديثة وفي تاريخه الشخصي. وهنا عودة اليها لمناسبة رحيل مبدعها والعالم على وشك الاحتفال بمرور نصف قرن على صدورها للمرة الأولى.

إذاً قبل خمسين سنة تقريباً، أصدر كاتب شاب لم يكن اسمه معروفاً على نطاق واسع، مع انه كان هو الآخر، في الأربعين من عمره، رواية برزت كالقنبلة وسط زحام العالم الأدبي، في زمن كان العالم يشهد فيه تغيرات كثيرة، في السياسة والإبداع، وفي ولادة اجيال جديدة من القراء المتطلبين. كان عنوان الرواية «مئة عام من العزلة». اما الكاتب فلم يعد منذ ذلك الحين في حاجة الى ان يعرّف. بل انه نقل وطنه كله من خانة في هذا العالم، الى خانة اخرى، واضعاً إياه، مرة واحدة على خريطة الأدب العالمي... الكاتب هو، طبعاً، غابريال غارسيا ماركيز، الذي أصبح منذ ذلك الحين علماً من أعلام الرواية في العالم، بل حتى مساهماً اساسياً في ابتكار «صنف ادبي جديد» أُطلق عليه اسم «الواقعية السحرية»، وبه رُبط أدب اميركا اللاتينية ككل، بحيث إن كل درر ذلك الأدب صارت تعتبر منذ ذلك الحين جزءاً من ذلك التيار. نعرف ان الأمور تطورت كثيراً بعد ذلك، وأن ماركيز راح يصدر رواية إثر أخرى، وكتاباً بعد كتاب. ونعرف أن أدب ماركيز انتهى به الأمر، عام 1982، الى ان يمنح جائزة نوبل للآداب.

وعلى رغم كثرة أعمال ماركيز ونجاحها الكبير، ظلت «مئة من العام العزلة» ذات الحظوة الكبرى لدى القراء في العالم أجمع. ومع هذا، على رغم الإجماع النقدي والشعبي الذي يحظى به هذا العمل الفذ، لم يخل الأمر من نقاد وباحثين يهاجمونه بين الحين والآخر، مثل ذاك الذي كتب في «صنداي تلغراف» يقول انه يعتبره من أكثر الأعمال التي بولغ في تقديرها على مر العصور. او الآخر، الكولومبي الشاب الذي نشر اخيراً دراسة يقول فيها ان هذا العمل، على رغم عظمته هو اقرب الى ان يكون سرداً لتاريخ كولومبيا، منه الى ان يكون عملاً روائياً تخييلياً ينتمي الى اي غرائبية. انهما رأيان بين آراء عدة. ولكن من المؤكد ان الذين يقرأون «مئة عام من العزلة» الآن، أو يعيدون قراءتها مرة بعد اخرى، ينظرون الى الأمور من زاوية اخرى تماماً. فكيف ينظر القراء الى هذه الرواية؟

في المقام الأول على انها عمل إبداعي من النوع الذي يرسم صورة لفترة زمنية طويلة يعيشها مكان معين من العالم. فلا يكون الزمان حقيقياً ولا يكون المكان انعكاساً لمكان حقيقي موجود على خريطة عالمنا. ومع هذا، على هؤلاء ان يصدقوا ماركيز حين يقول ان أدبه إنما يأخذ زوادته من الحياة نفسها. ومن هنا تصبح المعادلة واضحة تماماً كما «اخترع» ويليام فولكنر مدينة جيفرسون، ككناية عن مسقطه في الجنوب الأميركي، ليجعلها مرآة للعالم كما يراه ويريد وصفه ووصف توالي الأجيال فيه، «اخترع» ماركيز مدينة «ماكوندو» على صورة المدينة التي ولد فيها في شمال كولومبيا آراكاتاكا، ليجعل منها، هي الأخرى، صورة لكولومبيا، كما صورة لأميركا اللاتينية كلها. وانطلاقاً من هنا: صورة للعالم. وهذا هو الأهم. فالحقيقة ان ماركيز في «مئة عام من العزلة» قدم نصاً كونياً، وإن كان أطّره ضمن واقع محدود ومحدد. من هنا، إذا كان صحيحاً ان الكاتب يقدم في هذه الرواية كناية عن تاريخ محدد لبلد محدد، فإن من الصحيح ايضاً انه هنا يعيد تركيب سفر التكوين كله. ذلك ان أسرة بونديا، التي يتابع ماركيز سيرة حياتها، فرداً بعد فرد وجيلاً بعد جيل خلال قرن من الزمن تقريباً، تكاد تكون هنا صورة عن جانب من جوانب النوع الإنساني كله. نحن هنا امام مفهوم الأسرة و «الساغا» العائلية، لكننا ايضاً امام ملحمة الإنسانية ككل، من خلال ثلاثة عناصر اساسية من عناصر تاريخ هذه الإنسانية: مسألة السلطة، قضية العلم ومسألة العلاقات العائلية. وبهذا تتحول «مئة عام من العزلة» من ملحمة تاريخية الى ملحمة عن التاريخ. وفي هذا الإطار، لا تعود سلالة بونديا هي التي تحتل الواجهة، بل التفاصيل الصغيرة، مثل دور الزائرين الغجر الموسميين الذين، حين يأتون مرة في كل سنة ليخيّموا قرب البلدة، يحملون معهم العلم والحداثة الى عالم رتيب كان من شأنه لولاهم ان يبقي على دورته الحياتية البيولوجية محروماً من تلك الحداثة. وفي يقيننا ان اختيار ماركيز لهذا التحديث يأتي من طريق الغجر، أي المهاجرين الغرباء، أمر له دلالة هامة من الصعب على المرء ان يفهم اليوم لماذا غابت عن اذهان كثر ممن كتبوا عن «مئة عام من العزلة» طوال خمسين سنة، ولا سيما من الذين فضلوا، لأسباب ايديولوجية غالباً، ألا يروا في هذا العمل المتعدد الطبقات - كما يجدر، بكل عمل فني كبير ان يكون - سوى حكاية ديكتاتورية بونديا والعنف وضروب القتل. هذه كلها موجودة بالطبع ولا يمكن نكرانها، وهي تشكل من دون ريب هماً اساسياً من هموم الرواية ومن هموم ماركيز. كل هذا صحيح، ولكن صحيح ايضاً ان الكاتب جعل هذه المسألة مسألة مهمة في نصه، لكنه لم يحاول ان يسبغ عليها سوى اهمية جزئية، لأنه - وهو الذي خص مسألة الديكتاتورية لاحقاً بكتب أخرى له أبرزها «خريف البطريرك» - إنما كان يشاء لـ «مئة عام من العزلة» ان تكون شيئاً اوسع من ذلك بكثير. وهذا ما كانته بالفعل. وبقيت عليه حتى اليوم: رواية سيرورة البشرية، تختلط فيها القضايا الكبيرة والصغيرة، السحر والواقع، المدينة والعالم، السلطة والعلم، الحب والنزعات الروحية... وصولاً الى كل ما كان يمكن خياله الكبير ان يبتكره، مثل مشهد ريميديوس وهي تطير صعداً في السماء.

في هذه الرواية اراد ماركيز ان يخلق، كتابة، معادلاً للعالم الذي نعيش فيه، وأن يكوّن عالمه على نسق التكوين الذي يتحدث عنه السفر الشهير. بالنسبة إليه ليس الأدب صورة للحياة. بل هو حياة أخرى. ومن هنا حين سئل ماركيز ذات مرة كيف يجرؤ على ان يصف أدبه بأنه أدب الحياة والحقيقة، هو الذي جعل احدى شخصياته تطير في الهواء ناقضة قانون الجاذبية، ابتسم باستغراب وقال لسائله: «لكن هذا موجود!» وأين هو موجود؟ سأله الآخر باستغراب. فسأله ماركيز: من أين جئت به أنت؟ فقال الآخر: «من روايتك» قال ماركيز: «أوَجدته في الرواية؟». «أجل» رد الآخر، فاختتم ماركيز الحديث قائلاً: «ألم أقل لك انه موجود في مكان ما...».

طبعاً، هذا الكلام اعتبر على لسان ماركيز يومها نادرة طريفة... لكن ماركيز لم ينظر إليه على هذا النحو، بل اعتبره تعبيراً عن نظرته الى الأدب وإلى الفكر في شكل عام، على انه مكان لخلق حياة موازية للحياة... تكون احياناً أكثر حقيقة من الحياة نفسها. والواقع ان ما يقوله ماركيز هنا تعليقاً على «مئة عام من العزلة» لا يحــتاج قارئ هذه الرواية الى ان يســـمعه منه، لأنه - أي هذا التأكيد - عدوى تنتقل الى القارئ وهو يقلّب صفحات هذا العمل الفذ... عدوى في يقيننا انها هي التي أعطت «مئة عام من العزلة» قوتها وصدقيتها، ومكنت الشاعر بابلو نيرودا من ان يقول عنــها حين قرأها للمرة الأولى، وكان العالم بالكاد سمع باسم غابريال غارسيا ماركيز: انها أعظم نص كتب باللغة الإسبانية منذ «دون كيشوت».

 

المصدر: الحياة

آخر تعديل على السبت, 19 نيسان/أبريل 2014 23:01