الفرجة على المآسي بتقنية «ثلاثي الأبعاد»

الفرجة على المآسي بتقنية «ثلاثي الأبعاد»

تستخدم المرجعيات الخاصة بعلوم الاتصال مصطلح «التعرّض» لوسائل الإعلام وأخبارها. لكن في عصر السوشل ميديا، بات الأمر أشبه بامتصاص للحدث، أو السماح له بالتغلغل إلى أعمق نقطة في دواخلنا. فالمسافة مع ما يحصل ما زالت موجودة؛ نحن هنا، وهو هناك، لكن ذلك لا يمنحنا سوى شعور واهم بالأمان. فالحدث بات يخترق المرء، كما لو أن الإعلام وتأثيراته أتمّ دورة تامة؛ في بداية نشأة دراسات تأثيرات الإعلام، ظهرت النظريات التي تقول: إن للإعلام تأثيراً كرصاصة، أو إبرة تنغرز أسفل الجلد، ومن ثم بدأ علماء الاتصال فيما بعد بتقليص هذا الدور، والحديث عن عوامل ومتغيرات أخرى حاسمة تخفف أو تزيد من أثر الإعلام. لكن وكما يبدو اليوم عادت وسائل التواصل لتمتلك التأثير الطاغي نفسه، عادت لتخترقنا.

الإدراك ثلاثي الأبعاد للمأساة

تقول المصادر التاريخية: إن شكسبير كتب مسرحيته الشهيرة «الملك لير»، بينما كان محجوراً أثناء انتشار الطاعون في أوروبا، يبدو أنه استطاع فعل ذلك، لأنه لم يمتلك تلفزيوناً، أو هاتفاً محمولاً، لم يتعب نفسه بتتبع تضارب الأنباء والإرشادات الصحية، ولم يحرق أعصابه بمشاهدة مئات الفيديوهات عن كل ما يحصل حوله. ربما استرق النظر من نافذته، تجرأ على القيام بجولة قصيرة في المدينة، أو تبادل رسائل مكتوبة مع أشخاص بعيدين. بالتأكيد خاف على حياته وحياة من يحب من الوباء، لكن خوفه لم يتغذ بما يكفي من الصور كما يحصل مع خوفنا.
وصل تصاعد الأحداث في الأشهر القليلة الماضية إلى الحد الذي بات فيه المرء يتمنى لو أنه عاش حقبة الطاعون، أو الحربين العالميتين الأولى والثانية. فمأساة هذا العصر مصحوبة بإدراك ثلاثي الأبعاد لما يحصل، مصحوبة بإدراك تفاعل المصائب والخسارات الشخصية مع الخسارات العامة. الأمر أشبه بمراقبة لوحة من حجارة الدومينو من أعلى، ومشاهدة الحجارة ترتطم إحداها بالأخرى، شيئاً فشيئاً، قبل أن يصل الاهتزاز إلى المرء نفسه فيسقط بثقله على الحجر الذي بجانبه.
حدث هذا الأمر أول ما حدث مع تتبع حركة الوباء الذي كان يمشي متنقلاً من بلد إلى آخر، من غرفة طوارئ إلى أخرى، حتى وصل إلى أبواب بيوتنا وغرف نومنا. وحدث ثانياً مع انفجار بيروت. بعد عشر دقائق من وقوع الانفجار، كنت أتجوّل عبر تقنية البث المباشر- من مكاني في إحدى المدن السورية- على كورنيش بيروت، ترتج صورة الكاميرا، تظهر السيارات المقلوبة على جانب الطريق وتتوقف دون إستئذان أمام ناجٍ مغطى بالدم من رأسه حتى أخمص قدمه، يسأله المصور أن يصف ما حدث، الرجل بالكاد يستطيع الكلام. أُمعنُ من مكاني النظر في يديه، كان يرتدي قفازاً أزرقاً كي يحمي نفسه من الوباء، يبدو أنه من شريحة الناس التي تتخذ أكبر قدرٍ ممكن من الحيطة. القفاز المهترئ الذي يكشف عن أصابع مدماة تكثيف لطبقات الخوف القديم، الذي بات رحيماً، سخيفاً أمام الخوف الجديد الذي ولّده الانفجار.
في اليوم الأول للتفجير وما تلاه لاحظت أنني أدمنت «الفرجة»، أدمنت التعرّض لكل ذلك الكم من الصور القادرة على تحطيم القلوب. وكنت أقرّع نفسي بلا جدوى على ما أقوم به، إلا أنني أعود لأتسلل لمشاهدة المزيد. حاولت تذكير نفسي بضرورة الفصل بين الأحداث وتصويراتها، فهناك في الحقيقة ما حدث وانتهى، إلا أنه سيبقى حياً على وسائل الإعلام، وسيعاد كل لحظة من البداية إلى النهاية. أي أن وسائل الإعلام تريدنا بصورة أو أخرى أن نظل عالقين هناك في تلك الدقائق المشؤومة من الانفجار.
بعد سنواتٍ من العمل داخل منظومة وسائل الإعلام أو مراقبتها عن مبعدة كمشاهد، وصلت إلى قناعة بأن الخوف هو الابن البار للإعلام. فالقنوات الإعلامية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعية تريد قبل إعلامنا وتثقيفنا وتحذيرنا وحشدنا، تريد قبل ذلك كله تخويفنا. تخوفينا إلى الدرجة التي نكون فيها مشلولين. وبعد أن نتخدّر، ونصبح أشبه بقوالب ثلج مذعورة، تفكر هي بما يمكن فعله بنا، بعد أن أصبحنا طيعين، مسالمين، نقبل سلالنا فارغة، مقابل شعور الأمن، حتى وإن كان واهماً.

سؤال الجدوى

ينكب الناس عموماً على متابعة أخبار المآسي (كورونا- تفجير لبنان نموذجاً) كشكل من أشكال التعبير عن التعاطف، عبر الانخراط إلى أكبر درجة ممكنة، ومشاركة الناس مصابهم ولو من مبعدة. لكن ذلك نفسه ما يحوّل التعاطف إلى فعل أجوف، يمسي عبئاً على من يقوم به وعلى من يتلقاه. ربما الأجدر هنا إعادة طرح السؤال عن جدوى هذا الشكل من أشكال التفاعل مع الأحداث عبر وسائط الاتصال. فبعد ما يزيد عن أربعة أشهر من انتشار الوباء، اكتشفنا أن المعلومات التي كنا بحاجة معرفتها ما زالت نفسها (ارتد كمامة، اترك مسافة مع الآخرين)، وبالتالي، فجميع تلك الساعات التي قضيناها في تتبع الأخبار، لم تقينا حتى خطر الوباء، ولم تفد بالكثير. وكذلك الأمر فيما يتعلق بمشاهدة أخبار التفجير، إذ كان يكفي مشاهدة القليل منها، حتى يفكر الواحد منا بالطرق الممكنة لتقديم المساعدة إن وجدت، كجمع التبرعات، أو حتى إجراء اتصال تلفوني طويل مع صديق كان بحاجة ليحكي عما اختبره.
يقال: إن الناس يصلون بعد التعرض لكم كبير من الرسائل الإعلامية، إلى ما يشبه الإشباع، وأعتقد أننا جميعاً تجاوزنا الإشباع، ووصلنا حد التخمة المهددة بالانفجار. الأولوية الآن لأن نعتني بأنفسنا، ونمنع وسائل الإعلام من الاستمرار بالسيطرة علينا عبر جعلنا خائفين دائماً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
978
آخر تعديل على الإثنين, 10 آب/أغسطس 2020 12:53