الحجر الصحي وحلم الثقافة المشاعية
نور أبو فراج نور أبو فراج

الحجر الصحي وحلم الثقافة المشاعية

«وأخيراً امتلكنا وقت فراغٍ كافٍ لقراءة كل تلك الكتب التي كومناها في انتظار أن يسمح الوقت أو المزاج بقراءتها، شاهدنا بعضاً من تلك الأفلام التي كنا نلوم أنفسنا لأننا لم نشاهدها بعد. وأخيراً كان الوقت ملائماً لسماع ساعات وساعات من الموسيقى، والرجوع إلى بعض القصائد المنسية التي سبق وأدهشتنا في الماضي».

كان الحجر الصحي دون شك الزمن الذهبي لاستهلاك الثقافة. كما لو أن المجتمعات الغربية والعربية، لم تمتلك قبلاً لحظة سكينة تُمكّنها من الإطلاع على الكم الهائل من النتاجات الثقافية المكدّسة في المجالات كافة. كانت عجلة الإنتاج تضخ وتضخ أفلاماً وكتباً وألبومات موسيقية ومسرحيات، لكن جزءاً يسيراً منها فقط يتم تداوله والتعرّف عليه. يرجع كل ذلك إلى مجموعة مركبّة من العوامل، منها: غياب وقت الفراغ ضمن منظومة ساعات العمل الطويلة والتراكض المحموم للإنجاز والتنافس. هذا إلى جانب البعد المُتعلق بتسليع المنتجات الثقافية بحيث يبقى الحصول عليها رهناً بالقدرة المادية على شراء بطاقة لحفلة موسيقية أو كتاب أو أسطوانية موسيقية، أو حتى امتلاك فائض من الوقت يُمكن تخصيصه للأنشطة الثقافية بدلاً من استثماره لزيادة الدخل المادي. كل ذلك جعل الإنتاج الثقافي يصل فقط إلى شرائح مختارة ومنتقاة من الجماهير، تنحصر ضمن دوائر ضيّقة تُعيد نفسها ولا تنفتح على شرائح جديدة.

إتاحة الثقافة في عالم طوباوي

في الحجر الصحي، شهد العالم بأجمعه للمرة الأولى سيناريو متخيّل وطوباوي لعالم تُتاح فيه المنتجات الثقافية لمن يرغب بها، وتصل للكثيرين أينما كانوا، باشتراط أن يمتلكوا حاسباً محمولاً أو هاتفاً ذكياً، وخدمات إنترنت، وهذا بالطبع ليس بالشرط السهل تحقيقه. وباشتراط أيضاً أن يمتلكوا الرغبة في استهلاك هذا النوع من المنتجات الثقافية، خاصةً وأن موضوع التفضيلات الثقافية والذائقة العامة قضية شديدة التعقيد لا يجب المسارعة فيها لنعت الناس بالكسل والتخلّف وغياب الاهتمامات النوعية.
بعد الأيام الأولى من فرض حظر التجوّل في معظم مدن وعواصم العالم، بدأت المؤسسات الثقافية بإتاحة الأفلام التي أنتجتها أو دعمتها كي يشاهدها الناس مجاناً عبر الإنترنت، إلى جانب نشر أسطونات موسيقية لتحميلها مجاناً لمدة محدودة. والأمر ذاته فيما يتعلق بإتاحة كتب أو حتى مسرحيات تم توثيقها عبر الفيديو. من جانبٍ آخر، أتاحت المتاحف جولات افتراضية في أروقتها، وأعلن الموسيقيون عن حفلات بث مباشر مجانية من غرف معيشتهم أو حدائقهم، وكل ذلك أسس لما بات يسمى بـ «ثقافة الحجر الصحي». كان الهم الجامع شغل ملايين البشر عن أنباء الإصابات المتزايدة جراء كورونا، أو تأمين استراحة من أخبار الانهيارات الاقتصادية وتزايد أعداد العاطلين عن العمل.

نتفلكس راعية الثقافة المأجورة

قد لا تبدو حالة التفرّغ لاستهلاك الثقافة إيجابيةً بالكامل، خاصة حينما يستعاض عن مصطلح الثقافة بالترفيه بحيث يعاد طرح الأسئلة حول المضامين التي يُسارع الناس إلى استهلاكها حتى وإن كانت مأجورة. إذ لا يجب الظن بأن فترة الحجر الصحي جعلت الثقافة مجانية بالكامل، فهذا ربما ما زال حلماً بعيد المدى. في واقع الأمر ازدهرت أعمال بعض الشركات المحظوظة العاملة في قطّاع الترفيه، كنتفلكس مثلاً بالتزامن مع انتشار الوباء، حيث زاد عدد المشتركين فيها 15,8 مليون مشترك خلال فترة فرض الحجر الصحي، وهو رقم مضاعف عمّا توقعته الشركة بحيث وصل عدد مشتركيها إلى 183 مليون مشترك حول العالم. لكن حتى نتفلكس بدأت تنتظر رفع الحظر وعودة عجلة الإنتاج كي تستطيع إكمال إنتاج مسلسلات وأعمال جديدة تغذي فيها سوق الاستهلاك لأعوام 2020-2021. ووفق بعض الإحصاءات التي خرجت بها مسوح شاملة لسوق المستهلكين في الولايات المتحدة الأمركية، تبيّن أن الناس باتوا يستخدمون خدمات البث المباشر بمعدل ثماني ساعات يومياً، وهي ضعف المدة قبل فيروس كورونا. وبالتالي، نحن نتحدث هنا عن عدد ساعات كبير من وقت الفراغ يمكن لها أن تُشغل بأي شيء كان، وهذا ليس بالضرورة أمرٌ جيد.

الثقافة حاجة

بالعودة لأيام الحجر الصحي، كانت تلك ربما المرة الأولى التي يعترف فيها العالم بأن استهلاك الثقافة حاجة إنسانية حقيقية ومُلحة، وبدأ البعض يتداول على مواقع التواصل الاجتماعي عبارات تقول: «إن كنت تظن بأن الفن ليس مهماً تخيّل الحجر الصحي دون أفلامٍ أو كتبٍ أو موسيقى». كما لو أن العالم اعترف أخيراً تحت ضغط الإكراه بأن هناك حاجات روحية ونفسية لا بد من إشباعها. بحيث استطاع الناس بعد زمنٍ طويل إدراك كم الاغتراب الذي كانوا يعيشونه في ظل النظام الاقتصادي السائد الذي يُسيّر حياتهم كما يشاء، ولا يترك لهم الوقت لالتقاط أنفاسهم والاستمتاع بالهوايات التي ترمم أرواحهم وطاقاتهم.
لكن المحزن في الأمر، أن ما بدا طارئاً واستثنائياً في إتاحة الثقافة للجميع زمن الحجر الصحي كان يجب أن يكون الواقع الطبيعي لو أن العالم الذي نعيش فيه لا يقف رأساً على عقب. في عالم مُشتهى كان يجب على الحكومات والأنظمة الحكومية دعم الأنشطة والفعاليات الثقافية بحيث تؤمن هي للفنانين دخلاً عادلاً يُمكّنهم من إكمال إنتاجهم، وتتيح الثقافة مجاناً للعالم بأسره. لكن في العالم الذي نعيشه، كانت الثقافة المجانية أشبه بحلمٍ قصير أو غفوة وقت الظهيرة، يستيقظ منها المرء ليجد أن الأمور عادت إلى سابق عهدها، وما زال السواد الأعظم من الناس لا يملكون المال أو الوقت أو الطاقة لاستهلاك الثقافة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
969
آخر تعديل على الإثنين, 08 حزيران/يونيو 2020 12:12