صُبحيّة..

صُبحيّة..

اعتاد مجموعة من العاملين والعاملات في إحدى مؤسسات القطاع العام، الاجتماع صباح كل يوم، في مكتب رئيس الدائرة لشرب القهوة ولمدة نصف ساعة، قبل التوجّه إلى ممارسة أعمالهم. وقد كُلّف مراسل «قاسيون» لرصد همومهم ومشاكلهم فكان تقريره التالي:

 

حرصاً منّا على نقل نبض الشارع باتجاهاته السياسية والفكرية والعقائدية المختلفة فقد توجّهتُ لزيارة مؤسسة عامة كعيّنة عشوائية من الجهات العامة. وقبل تجوالي في أهمّ أقسامها، دُعيت لتناول فنجان قهوة في أحد مكاتبها وكانت حصيلة ما رأيتُ وسمعتُ هو التالي:

عامل (1): بتصدّقوا يا جماعة، مبارح ما إجت الكهربا إلاّ ساعة وحدة. ويا دوب شحنت الموبايل وبطارية اللدّات.. العمى شو هاد، والله العيشة صارت زفت!

عامل (2): ياسيدي احمد ربّك، هنيّالك أنّو إجت عندك ساعة. الله وكيلك من خمسة أيام ما شمّينا ريحة الكهربا!

عاملة (3): إذا بقلّكن أنّو الغسيل صرلو بالغسّالة أسبوع وما عم تخلص الوجبة! أي والله رح نقمّل!

رئيس الدائرة: بتعرفو يا زملاء، أنا من أسبوعين ما تحمّمت، ما عم يصرلي دور. نحنا خمسة أفراد بالبيت والقازان بدّو يومين ليسخن.. الله وكيلكم عم نتقاتل مين بدّو يتحمّم بالأول..

عامل (1): لأ والمصيبة مافي غاز. مبارح مثلاً نطرت أكثر من عشر ساعات عالدور، وآخر شي قال ما في، خلص الغاز! لا حول ولا قوة إلا بالله، شو بدّو يحكي الواحد؟

عامل (معارض): شايفين هالحديث اللي عم نحكي فيه؟ هاد اللي بدّو ياه النظام، نحكي فيه عن الكهربا والغاز والمازوت وضرّاب السخن.. يا جماعة هالأزمات صدّقوني كلها مفتعلة، والحكومة قادرة تحلّها كلها.. بس الغاية أنّو البني آدم بهالبلد يتحوّل لكائن غرائزي، همّه الوحيد تأمين لقمة العيش واتّقاء البرد والظلام.. وبالتالي تعطيل تفكيره من خلال إشغاله بتأمين ما ذكرت حتى ما يشغّل مخّه ويفكّر ويحكي بالقضايا الكبرى..

عامل (موالي): يا أخي رجاءً لا تصيد بالماء العكر. نحنا بحالة حرب، وكل هالأزمات المعيشية ماكانت موجودة قبل ست سنين. لا تحطّو كل شي برقبة الحكومة والنظام. طيب في دولة بالعالم عاشت حالة حرب طويلة إلا وظهر فيها أزمات؟ إنتاج ما في، حصار وعقوبات اقتصادية، تآمر و..

عامل (معارض): يا أخي ما اختلفنا، بس برأيك ما في إمكانية لتخفيف معاناة الناس من خلال محاربة الفساد وتأمين سلّة غذائية لكل عائلة بسعر معقول، وحصر استيراد الحاجات الرئيسية بأيدي الدولة، وتأميم شركات الخليوي ومكافحة التهرّب الضريبي والإفراج عن معتقلي الرأي، و..

عامل (1): يا جماعة، عوجة، عوجة والله ما في حلّ..

عاملة (4): كل مين بهمّو مبتلي.. والله والله مستعدة آكل تراب بس يفكّ أسر ابني المخطوف من أكثر من تلات سنين ما بعرف عنه شي. يا ترى ميت ولّا طيب!

عامل (2): عندي اقتراح، شو رأيكن وقت اللي منجتمع الصبح عالقهوة، نكون حريصين أنّو ما نجيب سيرة الكهربا والغاز والسياسة وما بعرف شو.. خلّونا نحكي بقضايا تربوية، بالحبّ، بالغرام، بالفنّ.. أي والله مو معقولة كل يوم نفس السيرة ديديديديدي.. وما عم يطلع معنا شي!

عامل (معارض): ليش برأيك العناوين اللي ذكرتا ما إلها علاقة بالسياسة؟ وحياتك كل شي مرتبط بالسياسة. ليش دخلك بظلّ هالغلاء الفاحش وهالأوضاع الكارثية، مين قادر يحصل على بيت ويحبّ وينضرب على قلبه ويتجوّز؟ بعدين مين قادر يربّي أولاده تربية حضارية؟ حبيبي إذا كنت مهمّش مكبّل فقير جوعان مقهور عايف التنكة.. ولك كيف قادر أصلاً تبتسم؟!

عامل (موالي): يا جماعة، صحيح في فساد وشبّيحة وعفّيشة وتجاوزات واللي بدكن ياه.. بس والله مو وقتوه هلّق نحاسب حدا.. في مؤامرة كبرى يا ناس بدها تدمّر البلاد والعباد.. والخطر الحقيقي حالياً هوّي داعش والنصرة. ولك هدول إرهابيين ما شافت عصور التاريخ أشرس منهم.. معركتنا يا شباب مع هدول مو مع غيرن. لازم نتكاتف لخوض معركة إنقاذ سورية.

رئيس الدائرة: أنا مع الزميل (العامل الموالي) بالفعل نحنا أمام خطرين، الإرهابيين والفاسدين. بس بصراحة يا شباب الفاسدين أرحم.. عالقليلة ما بيدبحوك!

عامل (معارض): ولك يا أخي الفاسدين هم الوجه الآخر للإرهابيين. نحنا كمعارضة ضد الاثنين معاً، ولا يمكن نوحّد الشعب لمحاربة واجتثاث الإرهاب إلا إذا صار حلّ سياسي وضربنا بيد من حديد تجار الأزمة من عفّيشة ومحتكرين وفاسدين.. ولازم نبدأ بالرؤوس الكبيرة أولاً.. معقول نخلّي حفنة قليلة من الفاسدين يتحكّموا برقبة غالبية الشعب السوري ويمرمروه؟!

هذا وما زالت «الصُبحيّة» على حالها، فقد زرتُ المؤسسة ذاتها بعد أسبوعين، وكانت الأحاديث هي هي..

معلومات إضافية

العدد رقم:
794