نجوان عيسى نجوان عيسى

الإحساس بالدونية.. والدفاع عن التراث

 تحفل الصحافة المحلية والعربية، والمنابر الثقافية بوجه عام، بعشرات المقالات والمطالعات والردود التي تهاجم الإساءة المتعمدة التي يرتكبها العديد من الصحافيين والمثقفين والمستشرقين الغربيين والمستغربين من أبناء المنطقة بحق شعوب الشرق وثقافتها، من خلال وصمها بحمل بذور الإرهاب والتخلف والرجعية، وتصويرها على أنها ثقافة حرب وجنس وصحراء

إن أغلب هذه الردود، وإن ربطت تلك الافتراءات بالامبريالية العالمية والمشاريع الاستعمارية، لكنها تردها في المحصّلة إلى عنصرية هؤلاء المسيئين واحتقارهم للعرب، وهذا ما يدفع أغلب أصحاب الأقلام المدافعة إلى محاولة تلميع صورة العرب والمسلمين وحضارتهم وثقافتهم، من خلال إنكار ما ينسب لها من تهم، ومن ثم الانطلاق إلى تسليط الضوء على الإضافات الحضارية لأهل هذا الشرق العظيم.

ولكن التدقيق في هذا الاهتمام بتبييض صفحة الشرق وتلميع صورته في عيون الآخرين، يبين أنه ينطوي على إحساس لدى جزء من مثقفي هذا الشرق بالدونية تجاه الغرب وحضارته الحديثة. أو على الأقل يمكن القول إنه يساهم في تثبيت إحساس قسم من مثقفي الغرب بالتفوق، ويغذي العنصرية لدى معظمهم، ويثبت ما علق في أذهانهم من صورة مشوهة للثقافة العربية والإسلامية، ولكل تراثنا الحضاري العظيم.

كما أن هذا الأسلوب في التحليل والدفاع – وإن كان مصيباً في أغلب طروحاته – يتجاهل أن هذه النظرة لدى مثقفي الغرب، لها ما يبررها في واقعنا المتردي الذي نعيشه، لأن هذه الصورة لم تأت من فراغ، وإنما هي حصيلة تخليفنا استعمارياً بشكل مباشر وغير مباشر من جهة، وفهمنا الخاطئ لتراثنا من جهة أخرى، وبالنتيجة هو حصيلة قائمة الآن نتيجة تقصير القوى الحية عندنا في رفع سويتنا الحضارية بما يلبي حاجاتنا المعاصرة بمختلف أنواعها. حيث تتلقف الدوائر المعادية هذا التخلف الذي ساهمت في صنعه، وتعمل على تكريسه – معرفياً - بوصفه تفوقاً تاريخياً ثابتاً للغرب، وتحوله في وعي قسم كبير من مثقفي وشعوب العالم الغربي إلى إحساس دائم بهذا التفوق، الذي ينعكس بدوره إحساساً بالدونية لدى عدد من مثقفي المنطقة، ولدى شعوبنا بوجه عام.

ليس المهم في الحقيقة الانطباع الذي يأخذه عنا الآخرون، ولكن المهم فعلاً هو ما نحن عليه. كما أن القيمة الفعلية لتراثنا لا تتحدد من خلال ما يراه الآخرون فيه، وإنما تتحدد من خلال ما نعمل نحن على استنهاضه وإحيائه من هذا التراث، ومن خلال النقد العلمي الجاد، والهادف إلى استخلاص الدروس من كل إرثنا الحضاري الضارب في أعماق التاريخ.

إن الاهتمام بصورتنا في عيون الآخرين، أكثر من الاهتمام بالواقع الفعلي المتردي لشعوبنا على مختلف الأصعدة الاجتماعية والثقافية والسياسية، ينطوي دون شك على خطأ منهجي قاتل. لأن التقدم وبناء مجتمع متماسك قوي ليس أمراً غايته تقليد الآخرين، أو تقديم صورة جميلة عنه أمامهم، بل غايته أن نتقدم نحن فعلاً، وغايته أن تصبح صورتنا جميلة فعلاً، وبعد ذلك فليرَ الغرب ومستشرقوه ما يريدون رؤيته، وليتجاهلوا ما يريدون تجاهله. وبناء على ما تقدم، يكون الرد الفعلي على كل الخطاب المسموم الذي يستهدف ماضي المنطقة وحاضرها ومن ثم مستقبلها، هو العمل بكل الوسائل على تطوير هذا الحاضر، ودراسة الماضي ونقده منهجياً، وصولاً إلى بناء مستقبل أفضل لشعوبنا. أما الاستمرار في الانشغال برأي الغرب الإمبريالي ومفكريه في قيمنا وتراثنا، فلن يؤدي إلا إلى المزيد من تكريس ما يريده هؤلاء، من تخلف وتردّ اجتماعي وثقافي.. لأننا لن نفعل شيئاً حينها إلا الكلام..

آخر تعديل على الأحد, 16 تشرين1/أكتوير 2016 17:32