طارق عبدالواحد طارق عبدالواحد

هجّاؤو التكنولوجيا.. وفيروسات الزمن المفقود

 يمكن لمتابعي الوسائل الإعلامية بشتى أنواعها، المقروءة والمسموعة والمرئية، أن يلاحظوا – في كثير من الأحيان- إلى الهجاءات اللاذعة الموجهة إلى العصر التكنولوجي، فضلاً عن شيوع نغمة النوستالجيا في أقوالهم، والحنين إلى تلك الأزمنة التي لم تكن لتطغى فيها مفردات التكنولوجيا على هذا النحو (!!)..

ويظن القارئ، للوهلة الأولى، أننا نعيش – في هذا الجزء من العالم- عصراً تكنولوجياً مُحكماً، بكل ما للكلمة من معنى، وكأن الأدوات التكنولوجية دخلت جميع التفاصيل في حياتنا اليومية، ومسخت "خصوصيتنا" الحضارية بكل سماتها: الفكرية والإبداعية والأخلاقية والإجتماعية..ألخ!..
ولا يوفر عرّابو "القرون الخالية" فرصة دون أن يتباكوا على تلك الأزمان (التي تمشي الهوينى)، فهذا العصر..عصر السرعة. ولإنه كذلك فهو عصر السرعة في كل شئ: عصر الوجبات السريعة، وعصر الكتابات السريعة، وعصر الأغنيات السريعة. وبسبب من حكمة قديمة، لن تخدعنا مظاهر الأشياء، فمن سينتصر أخيراً هي السلحفاة بالطبع(!!)، أما الأرنب السريع فسيخسر في كل الأحوال، لأنه لم يحظَ بالحكمة الملائمة التي يمنحها البطء، وبالإضافة إلى ذلك فهو لا يتحلى بالمهابة التي تحظى بها السلحفاة.
وهكذا نحن أمام كميات كبيرة من الحنين، تُضخ بمناسبة وبدون مناسبة، بحيث يبدو أن الطاعنين في السنّ هم من يتحكمون بمقاديرنا، على الرغم من وصفنا بـ "الأمم الشابة". والحقيقة الأكثر إيلاماً أن الكثير من شبابنا هم أكثر كهولة وشيخوخة.. بذهابهم إلى مناطق استعارة الحكمة والوقار.
علاقات حميمة من مختلف الماركات، وانحياز إلى العادات القديمة: حميمية مع القلم والورقة من أجل الكتابة، حميمية مع الكتاب من أجل القراءة، حميمية مع المكتبة الورقية، حميمية مع مكتب البريد واستلام الرسائل، حميمية مع الإذاعة وممارسة هواية المراسلة.. وهلمجرا.
وكأنه ما من أحد فطن إلى هواية تصفح الأطلس، والسفر إلى جميع دول العالم!!..
من يسمعهم وهم يتحدثون عن تلك "الأيام" يظن أنهم يتحدثون عن الفردوس المفقود، ويظن أننا كنا –وقتها- أسياد تلك الحقبة، فقد كان في كل بيت من بيوت الوطن مكتبة، وكان الجميع يقرؤون ويكتبون ويتراسلون، وكان شمل العائلة يلتم للاستماع (والاستمتاع) إلى البرامج الإذاعية والتلفزيونية..
ولم يعد ذلك ممكناً في هذا العصر التكنولوجي، البارد. وبعبع العولمة يقضّ مضاجعنا، ويهدد أصالتنا وقيمنا وتراثنا. والمتابع –حقاً- لمثل هذه الإهراءات يعتقد أننا نستعمل الآلة الحاسبة لغير العمليات الأربع‘ وأننا نستثمر الكمبيوتر المحمول بوصفه أكثر من آلة كاتبة، أما عن مساوئ الانترنت فحدث ولا حرج، حتى كأننا أكثر من يستخدم الانترنت في العالم، وأكثر من يمتلك غرفاً للشات، وأن الانترنت مجاني عندنا، أسوة بالكثير من دول العالم..
المفارقة.. أن من يثير المخاوف والشكوك حول الثورة المعلوماتية، هم من يعملون في الحقول الفكرية والإبداعية والإعلامية‘ وكأنهم بذلك يخشون فقدان امتيازاتهم وألقابهم (فتلك الحقول ينبغي ألاّ تكون كلأ متاحاً للجميع)، فهم وحدهم القادرون على التمييز بين الغث والسمين، بين ما يمكث في الأرض وينفع الناس، وبين ما يذهب هباء كغثاء السيل.
ثمة بنية فقهية في عقول أؤلئك الذين يتجلببون بأردية الانفتاح واستجلاب النافع والمفيد من حضارة الآخر، ونبذ المختلف والخبيث. وهذه كلمة حق يُراد بها باطل‘ فهي تبطن صلاحيتهم وأهليتهم للتفريق بين النافع والخبيث، بين المفيد والضار.
المفارقة الأخرى.. أن مثل هذه "الأفكار" تأتي من عقول ينبغي أن تكون منفتحة على الجديد، متحمسة له، ومنحازة لتمكينه وتفعيله‘لا..بثّ الشبهات حوله بقصد خلق الممانعات الأخلاقية والإجتماعية، أسوة بالممانعات الأمنية التي تقوم بها السلطات السياسية.
إذا كان من آثار جانبية لثقافة "الثورة المعلوماتية"، وهي موجودة فعلاً، فيجب علينا العمل على دراسة تداعيات هذه الثقافة وتأثيراتها، وإيجاد آليات حصانة..من خارج منظومة الرومنسيات البائدة، والانطباعات الشخصية، مستفيدين بذلك من المنظومة المعلوماتية نفسها، التي تسوّق لبرامج الحماية من الفيروسات التي يدأب الجميع على اقتنائها، وتحديثها كلما دعت الحاجة.
الصحيح أيضاً، أن الكثير من هجاءات التكنولوجيا هي بمثابة فيروسات مبرمجة وممنهجة، والمؤلم أنها موجودة – وتستميت لأن تكون فاعلة- لأنه في كثير من الأحيان ليس لدينا ما نقوله!!..