أعذب موسيقى!

أعذب موسيقى!

لم، ولن، ولا يمكنني، تغيير طبعي المحبّ للمطر. ففي كل شتاء أمارس هوايتي المفضّلة مساءً وهي سماع نشرات الأحوال الجوية من عدة مصادر، وأقارنها مع بعضها لأتأكّد من حالة الجوّ. فإذا كانت بشرى مذيع النشرة بأن عاصفة مطرية قادمة إلينا، أهلّل طرباً وأسارع بالاتصال مع بعض الأصدقاء الذين يشبهونني بهذا الطبع ونتفق على الاحتفال. ودائماً نجترح مناسبة لاحتفالنا؛ تارةً بالقول: «ما رأيكم أن نحتفل معاً ببداية الشتاء؟». وتارةً: «ستصل العاصفة غداً، وعلينا ملاقاتها على شاطئ البحر». وغالباً ما نتفق على أن نحتفل بقدومها في ربوع الطبيعة. ربما لتكامل عناصر المشهد الرومانسي فيها. فصفير الرياح وهزيم الرعد وجنون الشجر واصطخاب الطيور المذعورة وعواء بنات آوى.. تجعل المشهد أقرب إلى الحياة البدائية. تذكّرنا بعذابات البشر وكفاحهم المرير لتوقّي مخاطر الطبيعة ومصاعبها. 

 

 

ذات مساء، سبقني أحد أفراد الشلّة بمعرفة أحوال الطقس، واتصل بي هاتفاً بحماسِ معلّقٍ رياضي يتابع اللحظات الأخيرة لمباراة كرة القدم، بأن العاصفة «زينة» كما سمّتها المحطات التلفزيونية ستصل غداً. وأنه وباقي الأصدقاء تركوا لي خيار انتقاء المكان هذه المرة للاحتفال بقدومها. 

فكّرت مليّاً مستعرضاً الأمكنة والمناطق التي يمكن أن تضفي على جلستنا الاحتفالية مزيداً من المسرّة، قفز إلى ذهني العمّ (أبو عدنان) الذي نحرص على زيارته بين الحين والآخر. وهو رجل عجوز تجاوز السبعين من عمره. يسكن بمفرده قرب غابة صنوبرية على أطراف إحدى القرى النائية على ضفاف نهر الكبير الشمالي في محافظة اللاذقية. وأبو عدنان هذا سبق أن فُجِعَ بيومٍ واحدٍ بفقدان أكثر من نصف عائلته؛ فقد غيّب الموت زوجته وأربعة من أبنائه، إثر قذيفة صاروخية على بيتهم في مدينة حمص. كما أنه ابتُلِي باعتقال أحد أبنائه بسبب نشاطه السياسي ولم يسمع عنه خبراً منذ ثلاث سنوات. وهاجر ما تبقّى من أبنائه إلى تركيا وألمانيا. لذلك فقد آثر الانزواء في هذه البقعة المتطرّفة من ريف اللاذقية. كأحد أشكال رفضه للعنف. وليقضيَ ما تبقّى من عمره بعيداً عن الحرب المأساوية التي اكتوى بلهيبها فقراء البلاد كلهم. حيث أشاد غرفة ومنتفعاتها بمساعدة أهالي القرية، وقام بتربية العديد من الطيور الداجنة ليتسلّى بها في وحدته ويبدّد وحشته. 

أخبرتُ أصدقائي عن رغبتي في ارتياد المكان، فأثنوا جميعاً على اختياري.

لدى وصولنا إلى صومعته كانت السماء مرشوشة بغيوم خفيفة باردة. والريح تداعب الأشجار بلطفٍ وسطح النهر بحنان. قلت لصديقي الذي أخبرني بقدوم العاصفة وقد طار أملٌ مجنّحٌ من عينيّ: 

- يبدو أن توقعات الأرصاد الجوية لم تصحّ هذه المرة! 

أجاب باعتراضٍ عاتب: 

ألم تسمع بمقولة «الهدوء الذي يسبق العاصفة؟». دائماً بصلتك محروقة! تريّثْ قليلاً يا أخي!

مسحتُ المكان بنظرة متشائمة ودخلنا إلى بيت العمّ أبي عدنان. استقبلنا بحفاوة كعادته وقد تألّق من فرط سعادته باللقاء. أحسستُ بسحابة من السكينة تهبط عليّ. وما هي لحظات حتى زمجرت السماء وبدأ قصف الرعد ينهمر على أسماعنا. لم نعد نميّز بعده ما بينه وبين أصوات قذائف المعارك الدائرة بين قوات الجيش والمسلحين.

سارع العجوز أبو عدنان إلى تلقيم المدفأة ببضع حطبات من شجر البلوط، وطوّقنا المدفأة بأجسادنا التي بدأت تستمدّ الدفء تدريجياً. ودارت الكؤوس.. 

وسط هذا الجوّ الحميميّ بدأنا نتجاذب أطراف الحديث. تطرّقنا إلى الموسيقى والغناء، وبدأ كلٌّ منا يدلي برأيه؛ هذا يفضّل الغناء العراقي الحزين، وهذا يطرب للغناء القديم، وذاك يستعذب الموسيقى الكلاسيكية.. لفت انتباهي صمت العجوز وهو واجمٌ يصغي مطرقاً باتجاه أصابع يديه يدرج ببطء لفافة تبغ. 

قلت له:

- ايه يا عمّ، لم تخبرنا ماذا تفضّل؟

التفت صوبي مبتسماً من تحت حاجبيه الكثّين الأشيبين، وأشعل لفافته وأخذ نفساً عميقاً منها ونفثها باتجاه الأعلى. وفجأةً تغيّرت سحنته واكتسى وجهه ملامح حزنٍ دفين وأجاب بهدوء الحكماء: 

أفضل موسيقى بالنسبة لي يا بنيّ! هي تلك التي كان يعزفها أولادي السبعة قبل أن يرحلوا عني ويتفرّقوا كلٌّ في طريق. عندما كانوا أطفالاً كنت أوزّع عليهم (الجزر) وأجلس قبالتهم مراقباً. (أغمض عينيه سارحاً وأضاف باستكانة): إن الأصوات المنبعثة من جرش الجزر في أفواههم وهم يضحكون، هي أعذب وأرقّ وأروع موسيقى سمعتها في حياتي. (وختم جوابه وهو ينقّل نظراته إلينا مستمتعاً بما أحدثه من تأثير): إنها أشبه بأزيز أبواب الجنّة يا أبنائي. 

مسح عينيه الدامعتين براحتيه ونهض متثاقلاً إلى صورة عائلية معلقة على الجدار تجمعه مع أفراد أسرته. وتسمّر يرنو إليها بحزن. وتناهى إلى أسماعنا صوته المتهدّج بعد أن خذله الكلام: ايه يا زمن!

ساد صمتٌ قصير توجّه على إثره إلى المطبخ لدقائق ليعود وقد أحضر صحناً طافحاً بالجزر اللذيذ ذي اللون البرتقالي. تطلّعنا ببعضنا مبتسمين، وبتواطؤٍ ضمني، سرعان ما انهمكنا بجرش الجزر مصدرين تلك السيمفونية التي كان يطرب لها عجوزنا الطيب. كنا نرامق بين الحين والآخر مشاعره المتناقضة بعطفٍ ورثاء، تارةً ترتسم على وجهه بسمة لطيفة كبسمات القديسين، وتارةً أخرى يكاد مطر عينيه ينهمر على أخاديد وجهه المتعب الحزين.

نعم، لقد عزفنا له الموسيقى التي أحبّ، لكنها بالتأكيد ليست بعذوبة الموسيقى التي كان يعزفها أولاده.