بيت بيوت

لطالما توزّع الأطفال  أدوار اللعب - في حمى تقمص حياة الكبار وسلوكهم – وكانت لعبة «بيت بيوت» من أكثر ألعابهم تكراراً وتفضيلاً: كلُ طفلٍ ياخذ لنفسه مساحةً محددة، يصنع لها أثاثاً مما تيسر من ألعابه ووسائده وأغطية سريره، ويتكفل الخيال بملء ما تبقى من المساحة الفارغة. يعلن الطفل: «هنا المطبخ» ، ثم ينشغل بتحضير الشاي في أقداح وهمية، يقلد صوت الماء المتدفق من الصنبور، ويجبرك على تناول كأس على عجل، هنا الصالون، هنا غرفة النوم وهكذا ..

أية متعة استطاع الأطفال تلمسها في تأسيس البيوت وسكناها بينما غفل عنها الكبار أحياناً؟ وما سرُ تلك الرغبةٌ في إعادة خلق بيوت صغيرة، دافئة، داخل البيت الكبير؟

ربما كانت تلك لعبة  الأطفال الآمنين المستقرين زمن السلم، إلا أنها زمن الحرب لعبة الصغار والكبار على حد سواء.. بعد أن ودّع الكثيرون منازلهم، إما مجازاً بفقدانهم راحة البال والطمأنينة، أو واقعياً بعد أن اضطروا النزوح وترك بيوتهم خلفهم خوفاً من الخطر أو بعدما تهدمت منازلهم..

 هدم البيوت أسهل بما لا يقرن ببنائها .. إلا أن تلك الحقيقة البديهية تبدو كما لو أنها بعيدة عن الأذهان اليوم.. وخسارة منزلٍ باتت تعد بسيطة نسبياً ضمن متتالية الفقد السوري التي تبدأ من خسارة أبسط تفاصيل الحياة الطبيعية وصولاً إلى أعقدها .. هي خسارة يبررها البعض بأن الإنسان هو ما يهم حقاً والبيوت مجرد حجارة، يمكن أن تبنى من جديد فيما بعد..

 ربما يلزمك -حتى تبني منزلاً- حديدٌ و رمل وقطع أٍسمنت، إلا أنك ستحتاج لأكثر من ذلك بكثير حتى تخلق»بيتاً»، تحتاج جرساً  وستائر، مسامير لتعليق اللوحات أو رسومات أطفالك الأولى، علاقة ملابس، مكتبة، ساعة حائط، سجادة، مدفأة .. تحتاج أصدقاء وعائلة وأحباء تقاسمهم دفء المكان والذكريات ..تحتاج حياة تعيشها ويكون المنزل مسرحاً لها.. تحتاج خيالاً جامحاً ينقلك إلى يومٍ في المستقبل -بعد سنوات طويلة من الآن- لترى نفسك قد كبرت في المكان ذاته.

كم من بيوت تهدمت حتى الآن، وتحولت إلى ركام رمادي، حيادي، كئيب، لا ينبئ بحياة العائلات التي عاشت فيها عندما كان الركام منازل.. كم من أسرة تضطر آسفة اليوم أن تلعب لعبة «بيت بيوت» وتُعمل خيالها داخل خيمةٍ أو مدرسة .. كما لو أن جميع الجهات المتصارعة اتفقت  على هدم المنازل واختلفت في اختيار  الجهة التي ستربح مناقصات «إعادة الإعمار»! وبعد ذلك ستمتلئ البلاد بالأبنية والعمارات وربما ناطحات السحاب -للأكثر حظاً- إلا أنها ستخلو من البيوت وسيبقى العديد من سكانها مشردين، يمضون حياتهم باحثين عن ذلك المكان المفقود  الآمن الذي يسمى «بيت»