الآثار ليست أصناماً
جبران الجابر جبران الجابر

الآثار ليست أصناماً

تقدم الآثار التي تشير إلى مراحل تاريخية موغلة في القدم، للإنسان الراهن الكثير في الميادين العلمية منها العمارة والهندسة وعلم الفلك والجغرافيا، ولا تزال الأعمدة والمسارح والقلاع مادة هامة تسهم في تطوير الوعي والمعارف العلمية، كما تقدم  في كثير من الأحيان طرائق التعاطي مع المواد وخواصها والأدوات التي استخدمت آنذاك، خاصة بعد انتقال الجماعات البشرية للزراعة.

تقدم الآثار أيضاً لوحة عن مسائل الوعي البشري، وسبله في التعاطي مع الظواهر الطبيعية وما ترتب على ذلك من معتقدات وأفكار، دلت على العجز المعرفي حينها، لكنها في الوقت نفسه قدمت لوحات فنية طورت معارف الإنسان وعلومه، وذلك عندما حول الإنسان عقائده إلى تجسيديات مادية مثل تماثيل الآلهة والمعابد وتصوراته للحياة الأخرة، وتحولت المعتقدات إلى لوحات فنية تحتفظ بقيمتها الجمالية وتدل على المستويات الفنية التي بلغتها الجماعات البشرية، إضافة إلى تقديمها ما يستخلص من مادة تتعلق بالعلاقات الاجتماعية بين الطبقات والأقوام المجاورة.
أما في المجال الوطني فنجد الكثير، فقد قدمت الكثير وأطلقت شحنات وطنية في وجدان الناس، حيث لعبت الشخصيات التاريخية دوراً هاماً في فهم الوطنية وما يترتب عليها من مهام وواجبات. وليس بمستغرب أن تتعرض الآثار لأعمال التدمير أو التزوير، خاصة على أيدي تلك المجموعات التي تريد أن تمحو صفحات من التاريخ، والمثال المعروف هنا اعتماد الصهيونية على تنظيم مجموعات لنهب آثار الشعب الفلسطيني، وقيامها بتزوير معالم أثرية فلسطينية، أما المثال الآخر القريب فهو ما جرى لآثار العراق على أيدي المحتلين الأمريكيين، وكان ذلك جزءاً من عملية كبيرة ومعقدة جرت فيها محاولة غسل الأدمغة لكون الآثار تشد أبناء الوطن الواحد نحو قيم تاريخية وطنية.
ذهب الوعي البشري في مناطقنا نحو تقديس العواطف الإنسانية، ووجد فيها مادة للتلاحم وتغليب العواطف الإيجابية وتقديرها، فكانت فينوس وعشتار الحب، ولعله ليس صدفة أنهما أشهر ألهتين في أدمغة الأجيال المتعاقبة، كما قدس الإنسان الخير ممثلاً بفصل الربيع، وما تزال بعض الشعوب تحتفل بعيد الربيع، الذي له طقوسه الجماهيرية والغنائية والفنية الخاصة. وأصبح عند عدد من شعوب المنطقة عيداً وطنياً للدلالة على عمق التعلق بالخير وجديد الطبيعة والحياة وتعبيراً عن قدرة الإنسان على مماهاة الطبيعة بالتجديد.
قطبان متلازمان للوثنية
واجهت الجماعات البشرية القديمة الظواهر الطبيعية بعجز معرفي، إذ لم تستطع أن تتوصل إلى وعي حقيقي لتلك الظواهر آنذاك، وكانت تلك الظواهر، كالزلازل والعواصف ..الخ، تلحق الأضرار الجسيمة بتلك الجماعات، فأخذت تتشكل في وعيها عقائد دينية تنوعت من جماعة لأخرى، وأخذت تلك الجماعات بتجسيد تلك العقائد بأشكال مادية ملموسة تقديراً منها لتلك القوى، وعبرت من خلال التماثيل الكاملة والنصفية عن خضوعها لألهتها المتعددة، ومع التطور التاريخي تجاوزت البشرية تلك العقائد، وانتهى أمرها إلى بطون التاريخ، وهكذا فإن الوثنية امتلكت ركنان أساسيان، أولهما: هذه العقائد بعد أن تجاوزت تلك المرحلة، فلم تعد تقدس تلك الأوثان والأصنام، وأصبح الصنم بحد ذاته تراثاً حضارياً، وتحول إلى عداد قائمة الآثار، وفي الوقت نفسه قيم فنية تاريخية، وإلى موضوع بحث لكشف مدى الانسجام بين عقائد تلك الجماعات من جهة وتجسيداتها المادية من جهة أخرى.
الآثار ليست أصناماً، فوجود الصنم يتطلب جماعة بشرية تحمل عقيدة ما إزاءه، لقد تحولت «الأصنام» إلى آثار لها قيمة معرفية وفنية جمالية وتدل على مهارة الإنسان في التعامل مع محيطه الخارجي.
إن المساس بالآثار بما فيها ما كانت رموزاً للأصنام، ما هي إلا محاولة لإنكار أن الوثنية وتعدد الآلهة مرحلة تاريخية مرت بها جماعات البشر، وإن ذلك يمس أهمية وقيمة التطور الذي جسدته «الديانات السماوية» والتي أنهت مراحل تعدد الآلهة وما رافقها من أفكار ومعتقدات، ومن البديهي اليوم أن السائح أو الزائر لأماكن الآثار، لا يحمل المعتقدات نفسها التي كانت سائدة عند الجماعات القديمة. تدمير الآثار والمساس بها اليوم هو عملية للمساس بتاريخ البشرية، ومحاولة لنفي التطور الذي مكن الإنسان من تجاوز مرحلة تعدد الآلهة، ومحاولة لإنكار تطور وعي الإنسان إزاء عالم الغيب.
ثروة اجتماعية!
ومن المعروف أيضاً أن الآثار ركيزة اقتصادية وطنية لكثير من الدول، وتتعاظم أهميتها الاقتصادية مع تعاظم حركة السياحة الخارجية والداخلية المتوخية معرفة تلك الآثار ومواضيعها وأبعادها المعرفية ودورها في تطور العلوم.
وتعدد وتتنوع الشرائح الاجتماعية المستفيدة منها، إضافة إلى ما يدخل خزينة الدولة. كما أن الآثار تتسم بطابع الديمومة ولا تنضب( كغيرها من الموارد)، وحتى صيانتها تجري بفترات متباعدة زمنياً، ولها تبعاتها العلمية الإيجابية في إبراز علماء أصبحوا معروفين على النطاق العالمي.
مهمة وطنية وانسانية
تعتبر الحروب البلاء الأعظم الذي يهدد الآثار، وقد تعرضت العديد من الآثار السورية للأذى والتدمير والسرقة والنهب وكان آخر الوقائع على ذلك ما فعلته «داعش» بعد أن سيطرت على تدمر وآثارها وخاصة أعمال التدمير التي لحقت بمعبد بل التدمري الأكثر شهرة.
إن الخطر سيظل ماثلاً وقوياً يهدد الآثار السورية ما دامت الحرب لا تضع نهايتها، وما دامت جماعات التطرف العقائدي مصممة على استراتيجية تدمير الآثار وتاريخ الجماعات البشرية ومحو كل أثر حضاري إنساني.