خصخصة الأرباح وتعميم الفقر: زين الكويتية وامتحان الاتصالات السورية

خصخصة الأرباح وتعميم الفقر: زين الكويتية وامتحان الاتصالات السورية

في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة يمر بها الشعب السوري، حيث ترزح الأغلبية الساحقة تحت خط الفقر المدقع، وتتآكل القدرة الشرائية للمواطن يوماً بعد يوم، يبرز إلى الواجهة إعلان مفاجئ يتمثل في دخول شركة «زين» الكويتية كمشغل ثانٍ لقطاع الاتصالات الخلوية في سورية، لتكون البديل لشركة MTN Syria التي غادرت السوق عملياً. يتطلب هذا الحدث، الذي يُسوق له إعلامياً على أنه اختراق اقتصادي واستثمار أجنبي ضخم سيعود بالمنفعة على البلاد، وقفة نقدية تنحاز أولاً وأخيراً لمصلحة المواطن السوري الفقير الذي يدفع ثمن سياسات اقتصادية تفرط بمقدرات دولته. حيث أن قطاع الاتصالات هو عصب أساسي في الاقتصاد السوري وواحد من أهم مصادر الإيرادات الوطنية. ومن هنا، فإن استبدال مشغل بآخر في ظل غياب رؤية اقتصادية وطنية شاملة، لا يعدو كونه إعادة تدوير للاحتكارات وتوزيعاً جديداً للكعكة الاقتصادية بعيداً عن جيوب السوريين وخزينتهم العامة التي تعاني من عجز ينعكس غياباً للخدمات الأساسية وانهياراً في شبكات الأمان الاجتماعي.

تزامناً مع هذا الحدث، تم «تسريب» صور وبيانات للإعلام المحلي تتضمن أرقاماً استعراضية غايتها الإبهار وتضخيم الحدث. حيث تتحدث هذه التسريبات عن عوائد إجمالية للدولة تبلغ 2.27 مليار دولار أمريكي خلال السنوات العشر القادمة، وعن مساهمة في الناتج المحلي تقدر بـ3.4 مليار دولار (بعد عشر سنوات أيضاً)، واستحداث 16,800 وظيفة، واستثمارات في البنية التحتية بـ 800 مليون دولار.
بطبيعة الحال، فإن القراءة السطحية لهذه الأرقام قد توحي بوجود منجز استثماري تاريخي، ولكن التحليل الاقتصادي يقتضي تفكيك هذه الأرقام وعرضها على مشرحة الواقع. حيث تهدف هذه الحملة الترويجية الاستباقية بوضوح إلى تخدير الرأي العام السوري، وإضفاء شرعية على صفقة تشوبها الكثير من الضبابية. لا سيما وأن المواطن الذي بالكاد يستطيع تأمين كلفة باقة الإنترنت والمكالمات المحلية ليتواصل مع محيطه، من حقه أن يسأل: هل هذه الأرقام تمثل فعلاً أقصى ما يمكن تحقيقه من قطاع شديد الربحية؟ أم أنها مجرد ذر للرماد في العيون لتغطية عملية الإبقاء على ثروة وطنية كبيرة بعيدة عن الصالح العام؟


الخطيئة الأصلية... التفريط بملكية الدولة وعقود الـ BOT


لفهم فداحة ما يجري اليوم مع دخول شركة «زين»، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية لقطاع الاتصالات الخلوية في سورية، وكيف تم التأسيس المنهجي لضياع حقوق الشعب السوري. في بدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انطلق قطاع الخلوي في سورية عبر شركتي سيريتل وأريبا التي تحولت لاحقاً إلى إم تي إن.
لم يكن الأساس القانوني والتعاقدي الذي دخلت بموجبه هذه الشركات إلى السوق السورية نظام بيع رخص دائمة، بل كان وفقاً لنظام عقود الـ BOT (البناء، التشغيل، ونقل الملكية - Build-Operate-Transfer). وجوهر هذا النظام المالي والاقتصادي هو أن تقوم الشركات الخاصة ببناء البنية التحتية، وتشغيلها لمدة زمنية محددة (كانت 15 عاماً في الحالة السورية) تسترد خلالها أرباحها وتكاليفها، لتنتقل بعدها ملكية الشركات بكل بنيتها التحتية وتجهيزاتها وقواعد بياناتها وأرباحها المستقبلية لتصبح مملوكة بالكامل للدولة السورية وللشعب السوري.
لو تم احترام هذا العقد ، لكانت شركتا سيريتل وMTN اليوم مؤسسات حكومية خالصة، ترفد الخزينة العامة للدولة بمليارات الليرات السورية يومياً، كقطاع ظل رابحاً حتى في أعتى ظروف الحرب. كانت هذه الإيرادات الكبيرة كفيلة وحدها بتخفيف وطأة الانهيار الاقتصادي، وتمويل دعم السلع الأساسية للمواطنين الفقراء، ورفع رواتب الموظفين التي لا تكفي لأيام معدودة.
ولكن ما حدث كان كارثة اقتصادية بامتياز، فقد قام نظام الأسد، وفي خطوة شكلت تفريطاً غير مسبوق بالمال العام، بتحويل عقود الـ BOT إلى رخص تشغيل (Licenses) قبيل انتهاء المدة القانونية، مقابل مبالغ مالية مقطوعة لا تتناسب أبداً مع القيمة الحقيقية للقطاع. وبدلاً من أن تستعيد الدولة السورية ملكية هذه الأصول السيادية، تم تثبيت ملكيتها للقطاع الخاص، واستمر حرمان الخزينة العامة من مورد شديد الأهمية.
يجب أن يُقرأ دخول شركة زين اليوم بديلاً لـ MTN في هذا السياق التاريخي. حيث إن زين لا تأتي لتستثمر في قطاع بكر، بل تأتي لترث حصة في سوق تم سلخها سابقاً من ملكية الشعب السوري. وقبول الاستعاضة عن مشغل بمشغل آخر وفقاً لنظام الرخص، هو تكريس وتأكيد على التخلي عن حق الدولة السورية في استعادة شبكتها الوطنية وفقاً للعقود التأسيسية. وعليه، فإن كل دولار تربحه الشركات المشغلة حالياً، هو دولار تم اقتطاعه ظلماً من حصة المواطن السوري الذي كان يجب أن يكون المالك الحقيقي لهذه الشبكات بعد انتهاء عقود الـ BOT.


حول خطر تسليم مورد وطني لرأس المال الأجنبي


من المبادئ الأساسية والبديهية في أي اقتصاد يحترم القوانين والمؤسسات، أن منح رخص استثمار سيادية - كقطاع الاتصالات الذي يمس الأمن الوطني والاقتصاد الكلي - يجب أن يمر عبر سلسلة من الإجراءات شديدة الشفافية والوضوح. ولكن في حالة منح الاستثمار لشركة زين الكويتية، غابت أبسط معايير «الحوكمة الرشيدة» التي يجري الترويج لها في سورية اليوم. فكيف تم اختيار هذه الشركة بالذات؟ وأين هي المناقصات العلنية الدولية التي تضمن حصول الدولة السورية على أفضل عرض ممكن؟ وما هي طبيعة العروض البديلة التي تم تقديمها، إن وجدت أصلاً؟ وما هي الأسس والمعايير الفنية والمالية التي رجحت كفة زين؟
غياب الإجابات عن هذه الأسئلة يحيلنا إلى نتيجة بديهية، وهي أننا أمام صفقة غرف مغلقة، تمت هندستها بعيداً عن الرقابة الشعبية، مما يفتح الباب واسعاً أمام الشكوك حول المحاصصة وتوزيع المنافع على حساب المال العام. فعندما لا يتم الإفصاح عن تفاصيل العقود والشروط التفضيلية، فإن الخاسر الأوحد هو المواطن السوري الذي يمثل الجانب الأضعف في هذه المعادلة.

images-2_result


أكثر من ذلك، يبرز نقد جوهري يتصل بطبيعة الاستثمار الأجنبي في قطاع كقطاع الاتصالات. فنحن هنا لا نتحدث عن شركة أجنبية قادمة لبناء مصانع ثقيلة أو نقل تكنولوجيا معقدة أو تصدير منتجات سورية للخارج لتأمين القطع الأجنبي. قطاع الاتصالات في الدول النامية هو قطاع ريعي خدمي، يعتمد كلياً على السوق الداخلية. بعبارة أخرى، شركة زين ستقوم بجمع الإيرادات من جيوب السوريين بالليرة السورية المنهارة، ثم ستحول في النهاية جزء كبير من أرباحها الصافية إلى الخارج بالعملة الصعبة.
هذا الآلية تخلق استنزافاً مزدوجاً للاقتصاد السوري: أولاً، يتم امتصاص السيولة النقدية من جيوب المواطنين لصالح خدمات باتت أسعارها فلكية ولا تتناسب مطلقاً مع الدخل. ثانياً، سيشكل تحويل أرباح الشركة الأجنبية للخارج ضغطاً مستمراً على سعر صرف الليرة السورية، مما يعني مزيداً من التضخم، ومزيداً من الارتفاع في أسعار المواد الغذائية والأساسية. فلماذا نمنح هذا الاستحقاق لرأس مال أجنبي؟ هل تعجز الخبرات والعقول السورية - التي أثبتت كفاءتها في كل مكان - عن إدارة مشغل وطني حكومي يستبقي الأرباح داخل الدورة الاقتصادية السورية؟
لهذا، يمكن القول إن منح هذا القطاع لشركة أجنبية في ظل هذه الظروف الاقتصادية الخانقة لا يمكن اعتباره استثماراً على الإطلاق، إنما هو عملية تشبه تركيب مضخة لشفط ما تبقى من مقدرات السوريين وتحويلها إلى أرباح مساهمين خارج الحدود، وهو ما يتعارض تماماً مع مبدأ الحفاظ على السيادة الاقتصادية والموارد الوطنية الشحيحة.


تفكيك الأرقام الاستعراضية: هدر المليارات خلف دخان من الأوهام


بالانتقال إلى الصور المسربة التي تروج لـ«منجز استثماري»، نجد أنفسنا أمام تمرين في التضليل الإحصائي يستوجب تفكيكاً علمياً صارماً. لنبدأ بصورة «العوائد المتوقعة للدولة السورية» والتي تبرز رقماً كبيراً هو (2.27 مليار دولار أمريكي خلال السنوات العشر القادمة). للوهلة الأولى يبدو الرقم ضخماً، ولكن بتقسيمه على 10 سنوات، نحن نتحدث عن 227 مليون دولار سنوياً فقط. هل هذا الرقم منصف لقطاع اتصالات في دولة يبلغ عدد سكانها المتبقين في الداخل ملايين يحتاجون للاتصال والإنترنت كحاجة يومية لا غنى عنها؟ كان قطاع الاتصالات في سورية تاريخياً يدر أرباحاً طائلة، وتنازل الدولة عن الملكية الكاملة لهذا القطاع مقابل 1.21 مليار دولار كـ«حصة حكومية من الإيرادات» على مدار عشر سنوات (أي 121 مليون دولار سنوياً) هو فتات مقارنة بحجم التدفقات النقدية الفعلية التي سيولدها القطاع.

أما رقم 747 مليون دولار رسوم التراخيص خلال السنة الأولى، فهو يمثل السياسة المعروفة عالمياً باسم «بيع المستقبل من أجل الحاضر». قد تكون الحكومة بحاجة ماسة لضخ نقدي فوري لسد عجوزات معينة ودفع رواتب لفترة قصيرة، ولكنها في المقابل تمنح الشركة الأجنبية حق احتكار استغلال جيوب المواطنين لسنوات طويلة. وهذا المبلغ المقطوع لا يبرر إطلاقاً التنازل عن شريان مالي مستدام.
وبالنظر إلى (160 مليون دولار كإيرادات ضريبة الدخل) على مدار عقد كامل (16 مليون دولار سنوياً)، فهو رقم هزيل جداً يعكس إما تهرباً ضريبياً مقنناً أو إعفاءات مجحفة بحق الخزينة، فشركات الاتصالات عادة ما تكون من أكبر دافعي الضرائب في اقتصادات الدول. ورقم (150 مليون دولار كتوزيعات أرباح) يثير السخرية، فهو يعني أن حصة الدولة كشريك هي 15 مليون دولار سنوياً، وهو مبلغ شديد الانخفاض مقارنة بما يجب أن تحصل عليه الدولة.
أما الحديث عن (مساهمة بأكثر من 3.4 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي) فهو تلاعب بالمصطلحات. الناتج المحلي يشمل استهلاك الأفراد، مما يعني ببساطة أن السوريين سينفقون من لحمهم الحي ومن حوالات مغتربيهم 3.4 مليار دولار على فواتير اتصالات وإنترنت بأسعار احتكارية مرتفعة لصالح الشركة، وهذا ليس «مساهمة في الاقتصاد» بل هو «اقتطاع من دخل الفقراء».

أما ادعاء (استحداث 16,800 وظيفة)، فهو رقم مضخم دعائياً بشكل مفضوح. قطاع الاتصالات الحديث يعتمد على الأتمتة ولا يحتاج إلى هذا العدد الهائل من الموظفين المباشرين. وغالباً ما تشمل هذه الأرقام العمالة غير المباشرة (مثل باعة بطاقات الشحن في الشوارع والأكشاك)، وهؤلاء ليسوا موظفين لدى الشركة، وإنما مواطنون يبحثون عن فتات الأرباح، ولا يتمتعون بأي حقوق عمالية أو تأمينات اجتماعية.
في المحصلة، إن هذه الأرقام ليست سوى وثيقة إدانة، فهي تثبت كيف يتم تضييع واحد من أهم الإيرادات السيادية للدولة. قطاع الاتصالات الرابح دوماً، وبدلاً من أن يكون رافعة مالية تنتشل المواطن السوري من فقره وتدعم الخزينة العامة بشكل مباشر، يتم الإبقاء عليه اليوم بوصفه منصة لامتصاص ما تبقى من دماء السوريين لصالح شركات أجنبية، في صفقات تغيب عنها الشفافية، وتكرس نهج الخصخصة المموهة التي لا يستفيد منها إلا قلة منتفعة، بينما يترك الشعب السوري وحيداً في مواجهة الجوع والتهميش.

 

1782848776769_result

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285