طفرة النسيج والاستغلال في عصر العولمة
ينتج العالم سنوياً 92 مليون طن من النفايات النسيجية، معظمها ملابس يجري التخلص منها. ووفقاً لتقديرات شركة الاستشارات الدولية «McKinsey & Company»، كان العالم قبل عشرة أعوام ينتج ما لا يقل عن 100 مليار قطعة ملابس سنوياً، أما اليوم فيجري تداول رقم يصل إلى 166 مليار قطعة. ويعود النصيب الأكبر من هذا الإنتاج إلى أكبر عشر علامات تجارية في عالم الأزياء، ومعظمها أمريكية وأوروبية غربية، إلا أن ماكينات الخياطة لا تعمل في أمريكا، أو أوروبا الغربية.
أليكسي شتريكوف
قبل أسبوع، خرجت مئات الخياطات المسرّحات من العمل في بنغلادش، إحدى أفقر دول آسيا وأكثرها كثافة سكانية، في احتجاجات أغلقن خلالها جزئياً أهم طريق سريع في البلاد، وهو طريق «دكا – أريتشا». وجاءت الاحتجاجات بعدما سرّحت مجموعة «مجموعة المسلم Al-Muslim Group» لصناعة الملابس، الواقعة في منطقة سافار بضواحي العاصمة، 1868 عاملة دفعة واحدة. وتشير وسائل الإعلام إلى أن العاملات فُصلن من دون أي إشعار مسبق، وذلك خلال احتفالات عيد الأضحى.
حتى عطلة العيد، كانت الإدارة تفرض على الخياطات إنجاز كميات كبيرة خلال مهل زمنية قصيرة، وتجبرهن على العمل لساعات إضافية. لكن بعد انتهاء العيد، وعند عودتهن إلى المصانع، اكتشفت النساء أن بطاقات الدخول الخاصة بهن لم تعد صالحة. ولم تجد العاملات سوى قوائم بأسماء المسرّحات معلّقة عند المدخل. أما التبرير الرسمي، فكان الانخفاض الحاد في طلبات الشراء الواردة من العلامات التجارية الغربية.
وأكدت الشركة، أنها نفذت عمليات التسريح وفقاً للقانون، بينما تقول العاملات: إنهن لم يحصلن لا على تعويضات إنهاء الخدمة، ولا حتى على الأجور المستحقة لهن، علماً أن الخياطات في بنغلادش يتقاضين أصلاً أجوراً تقل بكثير عن الحد الأدنى اللازم للمعيشة.
تعد «مجموعة المسلم Al-Muslim Group» واحدة من عمالقة صناعة الملابس في بنغلادش. ويبلغ حجم مبيعاتها السنوية نحو 200 مليون دولار أمريكي، وتنتج الملابس القطنية والجينز والملابس اليومية لكبرى العلامات التجارية في أوروبا وأمريكا، بمعدل يزيد على مليونين ونصف المليون قطعة شهرياً. وعلى مدى نصف قرن، أصبحت جنوب آسيا المركز العالمي الرئيس لإنتاج الملابس منخفضة التكلفة المخصصة للأسواق الغربية.
البحث عن أماكن دون قيود
يحمل هذا الواقع مفارقة لافتة. ففي سبعينيات القرن الماضي، سعت الدول الغربية إلى حماية صناعاتها المحلية، فاتفقّت على فرض حصص استيراد على منتجات الصناعات الخفيفة القادمة من كوريا الجنوبية وهونغ كونغ وتايوان، وتم عام 1974 توقيع «اتفاق الألياف المتعددة MFA».
لكن المصدّرين الآسيويين لم يستسلموا، بل بدأوا يبحثون عن دول لا تشملها تلك القيود. وكانت بنغلادش وسريلانكا من أفضل الخيارات. وسرعان ما انتقلت إلى جنوب آسيا الشركات المشتركة، ثم اعترفت الشركات الغربية نفسها، مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي، بأن نقل الإنتاج إلى هذه المنطقة يخفض تكاليف التصنيع أضعافاً.
وحتى بعد إلغاء نظام الحصص عام 2005، حين توقع كثير من الخبراء أن تهيمن الصين على هذا القطاع، حافظت جنوب آسيا على مكانتها بل عززتها. فكيف حدث ذلك؟
الإجابة واضحة: بفضل تدني مستوى المعيشة إلى حد كبير، واستعداد الناس للعمل في أي ظروف مقابل أجور زهيدة. ففي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات المعيشة والأجور في الصين، واصلت جنوب آسيا، ولا سيما بنغلادش، إبقاء الأجور عند أدنى المستويات.
وحتى عندما أعلنت الحكومة البنغلادشية عام 2010 رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 80 %، انتهى الأمر بالنسبة للعاملات إلى خفض درجاتهن الوظيفية، وإلغاء عدد من الامتيازات، بحيث لم تتجاوز الزيادة الفعلية في المتوسط 19%.
أما بالنسبة لعلامات «الموضة السريعة» مثل: «زارا Zara» و«اتش وام H&M»، التي تحتاج إلى مليارات القطع من الملابس الرخيصة والمتجددة كل أسبوعين، فقد أصبحت هذه المنطقة بمنزلة منجم ذهب حقيقي.
لكن، للأسف، فإن «الذهب» و«القاع» في هذا السياق يحملان المعنى نفسه. فهذا النوع من الإنتاج، المنتشر في جنوب آسيا ــ وإن لم يقتصر عليها ــ يُعرف غالباً باسم «ورش الاستغلال Sweat Shop».
«في مديح العمل الرخيص»!
بالنسبة لأنصار العولمة، تعد «ورش الاستغلال» واحدة من أبرز التحديات الأخلاقية. فبحسب ما يفيد به التحالف الدولي للنقابات القطاعية «حملة الملابس النظيفة Clean Clothes Campaign»، أدت مطاردة العلامات التجارية للعمالة الرخيصة إلى وضع يحصل فيه فقط 2 ٪ من عمال صناعة الملابس في العالم على أجر لا يقل عن الحد الأدنى اللازم للمعيشة.
وسُجلت أدنى الأجور في قطاع الملابس العالمي في إثيوبيا، حيث بلغت نحو 26 دولاراً أمريكياً شهرياً. أما في بنغلادش، فيبلغ الحد الأدنى الرسمي لأجور الخياطات نحو 100 دولار، بينما يصل الحد الأدنى اللازم للمعيشة في البلاد إلى قرابة 250 دولاراً، وتحتاج عائلة مكونة من أربعة أشخاص إلى أكثر من 390 دولاراً كي تعيش حياة عند حد الكرامة الأدنى.
لِوِرش العرَقِ مدافعون أيضاً، بينهم اقتصاديون وصحفيون غربيون بارزون. فقد بدأ بول كروغمان، الذي سيحصل لاحقاً على جائزة نوبل، مقالته عام 1997 بعنوان «في مديح العمل الرخيص» بالقول: «العمل السيئ بأجر سيئ أفضل من عدم وجود عمل على الإطلاق». وهذه هي الحجة الأساسية التي يستخدمها المدافعون عن هذا النوع من الإنتاج: فالدول التي لا تملك الموارد، ولا البنية التحتية، لا أمل لديها في إخراج شعوبها من الفقر إلا بأن تعرض عليهم مثل هذه الأجور الزهيدة، كما يقولون. لكن أخلاقية هذا الموقف تبدو موضع شك، أما المعضلة نفسها فتبدو مصطنعة.
في الهند، انزلقت صناعة النسيج إلى نظام ورش الاستغلال بعد إضراب بومباي الكبير الذي استمر عاماً ونصف العام بين 1982 و1983، حين خرج ربع مليون عامل إلى الشوارع مطالبين برفع الأجور. وانتهى ذلك كله إلى تسريحات جماعية، وإغلاق واسع للمصانع القديمة، وانتقال الأعمال إلى «الظل»، أي خارج رقابة النقابات. ومؤخراً جداً، قررت سلطات ولاية كارناتاكا الهندية، وهي مركز صناعة النسيج في البلاد، رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 60%، باستثناء عدد من القطاعات كثيفة العمالة التي ستبقى الأجور فيها عند مستوياتها السابقة. ومن بينها صناعة الأقمشة والملابس.
يقول قادة النقابات البنغلادشيون: إن خياطات «مجموعة المسلم Al-Muslim Group» فُصلن تحديداً لأنهن أصبحن يتقاضين الكثير من المال، من وجهة نظر الشركة المصنّعة. وعلّق خيرول مامون، أمين الشؤون القانونية في مركز نقابات عمال صناعة الملابس والتريكو في بنغلادش، على الوضع قائلاً: «في معظم القطاعات، يصبح توظيف العمال أكثر جدوى كلما اكتسبوا خبرة ومهارات. أما في قطاع صناعة الملابس، فإن الذين يحصلون على زيادة في الأجور بفضل الزيادات السنوية والترقيات يصبحون غالباً الأكثر عرضة لخطر الفصل».
وإذا كان القرار قد اتُّخذ فعلاً للتخلص من العاملات الخبيرات و«المكلفات»، تمهيداً لتعيين مبتدئات مكانهن بالحد الأدنى الأساسي للأجور، فإن هذا الأسلوب لا ينطوي على قدر كبير من السخرية فحسب، بل يخالف أيضاً قانون العمل في بنغلادش، الذي ينص صراحة على أنه في حالات التسريح الجماعي يجب فصل العاملين الجدد أولاً، كما يجب منح المسرّحين أولوية في التوظيف عند ظهور شواغر جديدة.

الأجور التي يدفعونها لا شيء!
اللافت أن تأثير الأجور في سعر البيع بالتجزئة للسلعة يكاد يكون معدوماً!
في عام 2002، وعند تحليل إنتاج الملابس في الولايات المتحدة والمكسيك، حسب اقتصاديون من جامعة ماساتشوستس في أمهرست أن مضاعفة أجر العامل لن تؤدي إلى ارتفاع سعر القطعة في المتجر إلا بنسبة تتراوح بين 2 و6%.
وفي أيار 2025، قامت شركة «ستاتيستا Statista» الألمانية، المتخصصة في بيانات الأسواق والمستهلكين، وبالاستناد إلى معلومات «حملة الملابس النظيفة»، بتفكيك واضح لمكوّنات سعر قميص يباع في سوبرماركت أوروبي بـ29 يورو بعد خياطته في بنغلادش. وتبيّن أن أجر العامل لا يتجاوز 18 سنتاً، أي 0.62 ٪ فقط من هذا السعر.
وتصبح هذه الحصة أقل أيضاً إذا لم نكن أمام «موضة سريعة» رخيصة، بل أمام علامة فاخرة تبيع المنتجات نفسها التي تصنعها عاملات جنوب آسيا بسعر 5000 دولار وبملصق «Made in Italy». فالقانون يسمح بوضع هذه العلامة على الملابس إذا حدثت المرحلة النهائية من التصنيع، مثل: تثبيت الأزرار، أو السحّاب، أو الياقة، أو الشعار التجاري، فعلاً في إيطاليا. أما الـ 90 % المتبقية من العمل، فيمكن تماماً أن تكون قد أُنجزت في بنغلادش نفسها.
ومع ذلك، توجد ورش استغلال أيضاً داخل الاتحاد الأوروبي، في دول الكتلة الاشتراكية السابقة، مثل: بولندا والمجر. واليوم، يعتمد هذا النظام في هذه البلدان، قبل كل شيء، على العمال المهاجرين واللاجئين، ومن بينهم أوكرانيون، علماً أن أوكرانيا نفسها كانت تقليدياً أحد المراكز الأوروبية للإنتاج القائم على ورش الاستغلال.
ليست الأجور المنخفضة سوى قمة جبل الجليد. فالنساء، اللواتي يشكلن الأغلبية المطلقة من قوة العمل، يواجهن التمييز والعنف النفسي والجسدي والتحرش الجنسي. وللأسف، كثيراً ما يُستخدم عمل الأطفال، وكذلك العمل القسري، وصولاً إلى ظروف أقرب إلى العبودية. أما انتهاكات قواعد السلامة المهنية فهي منهجية. ومن دون امتلاك حتى أبسط وسائل الحماية الشخصية، يستنشق العمال يومياً الغبار السام وأبخرة الأصباغ والمواد الكيميائية. وفي فترات ذروة الإنتاج، قد تستمر ورديات العمل بلا توقف. وقد سُجلت حالات أُجبر فيها الناس، تحت تهديد عدم دفع الأموال التي كسبوها أصلاً، على العمل 72 ساعة متواصلة من دون نوم.
وقد سبق أن ظهرت سافار المذكورة في قلب الأخبار الجنائية: ففي 24 نيسان 2013، انهار خلال دقيقة ونصف مبنى مؤلف من ثمانية طوابق، كان قد اعتُبر في اليوم السابق مبنى خطراً. وقد غادر البنك ومعظم المتاجر المبنى في الوقت المناسب، لكن مصانع الملابس في الطوابق العليا، التي أضيف أربعة منها إلى المبنى بصورة غير قانونية، طالبت الخياطات بالحضور إلى العمل. وقُتل 1134 شخصاً.
أدى الموت الجماعي في حوادث انهيار المباني والحرائق المتكررة داخل المصانع إلى احتجاجات تحولت إلى أعمال شغب. ورأت العلامات التجارية الغربية أن من الأفضل لها توقيع «اتفاق السلامة من الحرائق وسلامة المباني في بنغلادش»، فتولّت مؤقتاً التزامات قانونية لتحسين شروط العمل. وربما كان هذا أنجح اتفاق دولي في تاريخ صناعة الملابس الحديثة. ففي السنوات الأولى، أُجريت عمليات تفتيش نشطة، وعولجت المشكلات، وأُغلقت المباني الخطرة، وحصل العمال والنقابات على فرصة حقيقية للدفاع على الأقل عن الحق في السلامة.
لكن هذه الصيغة لم تكن تروق للسلطات وأصحاب المصانع، وانتهت في النهاية إلى الاصطدام بالمقاومة. كان الاتفاق يراقب فقط المصانع الرسمية والكبيرة المدرجة في القوائم المعنية. وكان يكفي تمرير الطلبات بصورة غير معلنة إلى مقاولين فرعيين صغار يعملون في الظل، حتى تذهب كل الجهود سدى. أما تفكيك متاهات التعاقد الفرعي الآسيوية فهو شبه مستحيل عملياً، هذا إذا كان ثمة من يرغب أصلاً في القيام بذلك.
وكانت العلامة «Fairtrade» قراراً مهماً آخر على مستوى الصورة العامة. وغالباً ما تُترجم إلى «التجارة العادلة»، مع أن الأنسب ربما أن تكون «شروط الإنتاج العادلة». ومن خلال وضع هذه العلامة على منتجاتها، تظهر العلامات التجارية أن هذه المنتجات صُنعت في ظروف إنسانية، من دون عمل قسري أو عمالة أطفال، وبأجور أقرب إلى الإنسانية، ووفق معايير بيئية داخل منشأة معتمدة. لكن الرأسمالية تعمل هنا أيضاً بطريقتها الخاصة.
فإذا أعلنت علامة تجارية كبرى عن مجموعة جديدة تحمل علامة «Fairtrade»، فإن المستهلك الذي يولي هذا الأمر أهمية ينقل هذه الصورة ذهنياً إلى العلامة كلها. في حين أن «الشروط العادلة» قد لا تكون مضمونة إلا لـ1 إلى 2 في المئة من التشكيلة، بينما يستمر إنتاج الباقي في ورش الاستغلال كما كان.
وبالطبع، هناك أيضاً التعاقد الفرعي السحري. فالمصنع «العادل» الرائع والقابل للتحقق منه يستطيع بسهولة توزيع الطلبات على نصف دزينة من المصانع غير العادلة، وبعد ذلك لا يعود بالإمكان العثور على الخيوط النهائية.
في عام 2010، وعلى إثر موجة الإضرابات الجماعية في بنغلادش، ظهرت وحدة شبه عسكرية متخصصة تُعرف باسم «الشرطة الصناعية». وقد جرى تشكيلها بضغط من جمعيات المصدّرين. وتشمل مهام الشرطة الصناعية، من بين أمور أخرى، تسوية النزاعات العمالية.
أما إغلاق الطريق السريع في بنغلادش، الذي بدأت به قصتنا، فقد استمر ساعة ونصف الساعة، ورغم أن قوات الأمن أحضرت ناقلة جنود مدرعة وخراطيم مياه، فإن تخفيف التوتر تحقق عبر المفاوضات ووعود إدارة المصنع بدفع الأموال المستحقة. أما هل سيجري ذلك فعلاً أم لا، فإن الصورة العامة في البلاد خلال الفترة القريبة لن تتغير على الأرجح لمصلحة الخياطات، كما هو الحال في البلدان الأخرى التي تزوّد سوبرماركتات وبوتيكات الغرب بالملابس.
قبل 100 عام فقط، كان الإنتاج القائم على ورش العرق مزدهراً في الغرب، في الولايات المتحدة تحديداً، وبأقبح صوره. لكن المخاوف من تصاعد قوة الحركة العمالية دفعتها إلى تحسين شروط العمل وتقديم ضمانات اجتماعية. فهل جعل ذلك أمريكا أفقر؟ وقبل 40 عاماً فقط، كان البلد الحقيقي لورش الاستغلال هو الصين. أما اليوم، فهي واحدة من أكبر أسواق الاستهلاك، والتي ارتفعت فيها أجور العاملين في الإنتاج، لكن الإنتاج لم يمت رغم ذلك. على العكس، كسب مشترين جدداً داخل البلد نفسه. وبحكم عدد سكانها، كان يمكن لجنوب آسيا أن تصبح سوق تصريف هائلة، وأن تنتشل نفسها من المستنقع القائم، مثل مونخهاوزن، من شعرها. أما السؤال عن الجهة التي تستفيد من إبقاء هذه المنطقة ماكينة خياطة للعلامات التجارية الأجنبية، فهو سؤال لا يبحث عن الحقيقة الواضحة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1285