احتكار المعرفة والاقتصاد الرّيعي
برابير بوركاياستا برابير بوركاياستا

احتكار المعرفة والاقتصاد الرّيعي

شهد القرن العشرون ظهور الجامعات والمؤسسات التقنية الممولة من القطاع العام، في حين تركز تطوير التكنولوجيا في مختبرات البحث والتطوير في الشركات الكبيرة. لقد انتهى عصر المخترع الوحيد– أديسون وسيمنز وويستينجهاوس وغراهام بيل– مع نهاية القرن التاسع عشر. «قيل بأنّ المخترع الوحيد الأخير هو فيلو تي فارنسورث، مخترع التلفاز، والذي حارب ضدّ قوة الشركات التي يملكها ديفيد سارنوف، أقوى شركة في مجال البث في حينه». كان القرن العشرون يدور حول مختبرات البحث والتطوير القائمة على الصناعة، حيث كانت الشركات تجمع بين كبار العلماء وخبراء التكنولوجيا لخلق تكنولوجيا المستقبل. في هذه المرحلة كان رأس المال لا يزال يُوسّع الإنتاج. وعلى الرغم من أنّ رأس المال المالي كان مهيمناً بالفعل على رأس المال الإنتاجي، إلا أن الدول الرأسمالية الكبرى كانت لا تزال تتمتع بقاعدة صناعية قوية.

ترجمة: قاسيون

في هذه المرحلة من التطوير، كان يُنظر إلى العلوم على أنّها منفعة عامة وتركز تطويرها إلى حد كبير في النظام الجامعي، أو المؤسسات البحثية الممولة من القطاع العام. كان يُنظر إلى تطوير التكنولوجيا إلى حد كبير على أنّه مشروع خاص. كان من المفترض أن ينتج العلم معرفة جديدة، والتي يمكن بعد ذلك استخراجها بواسطة التكنولوجيا لإنتاج المصنوعات اليدوية. وكان دور الابتكار هو تحويل الأفكار إلى مصنوعات يدوية. لقد نشأ نظام الملكية الفكرية– براءات الاختراع وغيرها من الحقوق– لتوفير الحماية للأفكار المفيدة المتجسدة في المصنوعات اليدوية. منذ البداية، كان لبراءات الاختراع أيضاً غرض عام، إذ كان المقصود من الاحتكار الممنوح من الدول لفترة معينة ضمان الكشف العام النهائي عن الاختراع: والمقايضة هي الكشف العام الكامل بدلاً من الاحتكار محدود المدة.
إنّ تحول هذا النظام الذي كان قائماً لعدة قرون جاء نتيجة لتغيرين رئيسيين في إنتاج المعرفة. الأول: يتعلق بالطريقة التي تحول بها النظام الجامعي لإنتاج المعرفة إلى مؤسسة تجارية مربحة في ظل النظام النيوليبرالي. الثاني: أصبح التمييز بين العلم والتكنولوجيا غير واضح إلى حد كبير، وأصبح الاثنان أكثر تكاملاً من ذي قبل. على سبيل المثال: يمكن أن يؤدي التقدم في علم الوراثة بسهولة تقريباً إلى منتج مصنوع– دواء، أو أداة تشخيصية، أو بذرة– يمكن الحصول عليه كبراءة اختراع وقابل للتسويق. وبالمثل ينطبق ذلك على الابتكارات المتعلقة بمجال الإلكترونيات والاتصالات. ونتيجة لذلك فالعديد من التخصصات العلمية، وكذلك مخرجات البحوث في الجامعات، أصبحت أقرب إلى أنظمة الإنتاج.
لقد حدث تحويل النظام الجامعي إلى نظام ينتج المعرفة بشكل مباشر لأغراض تجارية، بالتزامن مع تدمير مختبرات البحث والتطوير التي كانت تشكل جزءاً كبيراً من المشهد الصناعي في القرن العشرين. ويسيطر رأس المال المالي على العلوم الجامعية، وليس فقط من خلال «الاستثمار» في البحث والتطوير، ولكن أيضاً عبر شراء «المعرفة». ويتم احتكارها من خلال شراء براءات الاختراع التي تنتجها الأبحاث الجامعية. يسمح هذا الاحتكار بدوره لرأس المال المالي بالسيطرة على رأس المال الصناعي.
كشفت نهاية القرن العشرين عن التمزّق الكبير الحاصل بين رأس المال المالي ورأس المال الإنتاجي. اليوم بات رأس المال العالمي يعمل بشكل أكبر كرأس مال مالي غير متجسد disembodied بمكان، حيث يتحكم في الإنتاج من جهة، مع سيطرته على التكنولوجيا والأسواق من جهة أخرى. في هذا الطور من الرأسمالية، حيث يعيش رأس المال بشكل متزايد على المضاربة والرّيع، هناك أيضاً فصل ملحوظ للمعرفة كرأس مال عن رأس المال الحسي أو المنتج– المصانع والآلات. تقوم شركة فوكسكون« Foxconn /Hon Ha Precision Industries» بتصنيع منتجات آبل، لكنّها غير قادرة على الحصول على الحصة الأكبر من الأرباح من مبيعات المنتجات التي تقوم هي بصناعتها، تبعاً لكون شركة آبل هي التي تملك المعرفة الفكرية والحقوق المحفوظة لهذه المنتجات. تحصل شركة آبل بشكل تقريبي على 31٪ من الأرباح من بيع أجهزة آيفون، بينما لا تحصل شركة فوكسكون إلا على أقلّ من 2٪ من هذه الأرباح.

طور الرّيع الذي يحتكر المعرفة

إنّ تحويل رأس المال إلى ريع– عبر استخدام احتكاره للمعرفة، عبر وسائل، مثل: براءات الاختراع، وحقوق الملكية، والتصاميم الصناعية المحمية ...الخ– هو في الحقيقة من يَسِم هذا الطور من الرأسمالية وسلوك رأس المال. فضمن هذا الإطار أصبحت الدول الرأسمالية المتقدمة ريعيّة بشكل متزايد، واقتصادات خدمية بشكل كبير. في الجوهر هم يُهيمنون على العالم، معتمدين على حقيقة سيطرتهم على بنى التمويل العالمي، وأنّ المعرفة الجديدة موضع طلب من أجل الإنتاج، والتوزيع باستخدام مبيعات التجزئة والعلامات التجارية العالمية.
حتى مع الاستيلاء على الجامعات من قبل رأس المال، وتحويلها إلى ما يسمّى شركة الجامعة «وفقاً للباحثة جينفر واشبورن: يشير المسؤولون الأكاديميون بشكل متزايد إلى الطلاب كمستهلكين، وإلى التعليم والبحث كمنتجات. إنهم يتحدثون عن العلامات التجارية والتسويق وينفقون الآن على ممارسة الضغط أكثر مما ينفقه مقاولو الدفاع!»، فإنّ المعرفة الجديدة التي تنتجها لا تزال ممولة من القطاع العام. ينطبق هذا على حدّ سواء على البلدان الرأسمالية المتقدمة، وكذلك على بعض البلدان النامية، مثل: الهند. إنّ اتجاه البحث العلمي يضعه ويحدد مساره ويموله رأس المال الخاص، الذي يتولى أي نتيجة ناجحة، ومع ذلك فإنّ هذا التحول في العلوم لم يتحقق من خلال التمويل الخاص.
إنّ تكلفة البحوث الأساسية مرتفعة، وقد يكون لعدد قليل فقط من مخرجاتها البحثية فوائد فورية، من حيث التقدّم في التكنولوجيا. وهذا هو المكان الذي تتولى فيه الدولة- سواء في مجال الإلكترونيات، أو علم الجينات والعلوم الطبيعية- التكاليف، بينما يتم تسليم براءات الاختراع إلى رأس المال الخاص. السمة المميزة للنظام الرأسمالي في طوره النيوليبرالي هي تعميم المخاطر، وخصخصة المنافع.
إنّ فهم أنّ العلم يحتاج إلى استعادته إلينا باعتباره تمريناً مفتوحاً وتعاونياً قد أدى إلى ولادة حركة الكومونات/ المشاعات. وبخدعة غريبة، ترى الرأسمالية بأنّ هذه المشاعات المحدودة مثلها مثل الغلاف الجوي والمسطحات المائية الكبيرة، مثل البحيرات والأنهار والمحيطات– لا نهائية وتطالب بالحق في التخلص من النفايات في هذه المشاعات. يعتبر أيضاً رأس المال بأنّ المعرفة، القابلة للنسخ عدد لا نهائي من المرات دون خسارة، محدودة ويطالب بحقوق احتكارية عليها.
لم يسبق للمجتمع أن امتلك القدرة التي يتمتع بها اليوم على الجمع بين المجتمعات والموارد المختلفة من أجل إنتاج معرفة جديدة. إنّه عمل اجتماعي عالمي، ومصادرته الخاصة كملكية فكرية في ظلّ الرأسمالية تقف في طريق تحرير القوة الجماعية الهائلة لتوليد معرفة جديدة، قادرة على إفادة الناس.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1141
آخر تعديل على الجمعة, 20 تشرين1/أكتوير 2023 23:46