أبواب الفساد الممكنة في قطاع الطاقات المتجدِّدة
كاونين رحمن كاونين رحمن

أبواب الفساد الممكنة في قطاع الطاقات المتجدِّدة

تضجّ مساحات الفضاء الإعلامي المحلّي السوري هذه الأيام، ووسائل التواصل الاجتماعي، بالحديث عن «ألواح الطاقة الشمسية» و«البدائل الكهربائية» والتي من الواضح من مراقبة التفاعل معها، بأنّ الحدس الشعبي السليم غير مقتنع بها ويتوجّس شرّاً منها، رغم جهود مروِّجي هذا «الحلّ» المزعوم في استغلال الانطباع «الأخضر» و«النظيف» الشائع عن الطاقات المتجدّدة، علماً بأنّه من المعروف تماماً، رغم كونها الخيار المستقبلي الأفضل للبشرية، لكنّها بالطبع عندما توضع بين أيدي الأنظمة الرأسمالية ولا سيّما الشديدة الفساد، فحتّى أنظف الطاقات من الناحية التقنية والفيزيائية يمكن أن تتحوّل بسهولة إلى بؤرة نتنة للنهب والفساد. المادة التالية تضيء على آليات الفساد الحكومي والشركاتي الممكنة في قطاع الطاقات المتجددة بشكل عام، وفق ما وردت ضمن إحدى الدراسات حول هذا الموضوع، والمنشورة على موقع «منظمة الشفافية الدولية» في 16 تشرين الأول 2020.

تعريب وإعداد: قاسيون

إنّ صناعة الطاقة المتجددة، وكما هو الحال مع قطاع الصناعات الاستخراجية، تتطلب استثمارات كبيرة، يمكن أن تترافق مع مخاطر سياسية كبيرة. وبالمثل، فإنّ الدعم الحكومي للمستثمرين وإصدار شهادات الطاقة المتجددة يجتذب سلوك البحث عن الريع.
يمثّل الفساد عقبة كبيرة أمام تطوير أنظمة الطاقة المستدامة، بسبب الإمكانات الهائلة لهذا القطاع في توليد الريوع (وفق ما أفاد مركز موارد مكافحة الفساد U4 2019). وأشارت إحدى الدراسات إلى أنّ المبلغ الهائل من الأموال المتضمنة في معاملات الطاقة، تعود بثروة هائلة على الشركات، مما يسمح لشركات الطاقة بالحصول على أفضليّة غير عادلة في السوق السياسية (دراسة Grasso 2020).
وعلى هذا النحو، فإنّ هناك تحدياً متأصلاً، يتمثّل بالتأثير والنفوذ الاقتصادي والسياسي غير المبرَّر لشركات الطاقة التي تمارس الضغوط على المنظِّمين والمشرِّعين، وفي بعض الحالات تسعى إلى إحباط التقدم نحو تحوِّل أخضر حقيقيّ (وفق دراسة Rimsaite 2019).
بالإضافة إلى مصدر الأموال الفاسدة التي يمكن أن تستخدمها شركات الطاقة عديمة الضمير لتشويه الأسواق والسياسات والعمليات السياسية، يعدّ قطاع الطاقة أيضاً هدفاً، بمعنى أنّ الفاعلين السياسيين الفاسدين يسعون إلى ابتزاز الأموال، أو التماس الرشاوى من الصناعة (وفق مركز موارد مكافحة الفساد U4 2019).
وينشأ التعرُّض للفساد في القطاع أيضاً بوجود الدعم العام للمستثمرين، سواء في أسواق الوقود الأحفوري أو مصادر الطاقة المتجددة. وقد تخضع هذه الأموال للاستخدام التقديري لصالح مجموعات مصالح معينة أو ببساطة يتم اختلاسها، ولا سيّما في البلدان التي تعاني ضعفاً برأس مالها الاجتماعي ومؤسّساتها (دراسة Lu وزملاؤه 2019).
سيعتمد نوع ومدى الفساد الذي تتم مواجهته على كلّ من سلسلة التوريد لمصادر طاقة محددة بالإضافة إلى بيئة الحكم الأوسع في البلد. ويحدد دليل أعدّه «مركز موارد مكافحة الفساد» عام 2019 عدداً من أشكال الفساد في قطاع الطاقة المتجددة، ومنها:
• حرف الإنفاق العام لكي يصبح مخصّصاً لدعم الطاقة المتجددة.
• تَضخيم تكلفة تطوير البنية التحتية للطاقة المتجددة.
• التخصيص غير الفعال للعقود العامة للطاقة المتجددة لمن هم على استعداد للرشوة بدلاً من أولئك الأكثر قدرة على تقديم الخدمة المطلوبة.
وبالإضافة إلى ذلك، نستعرض فيما يلي أدناه بعض أشكال سوء الممارسة الأخرى المحتملة.

«تزوير العطاء»

تميل أسواق الطاقة الوطنية إلى الاندماج بشكل جيد نسبياً، مما قد يثير مخاوف بشأن السلوك التواطئي مثل: اتفاقيات المشاركة في السوق، أو تخصيص العملاء، أو التلاعب بالعطاءات (Calzado et al. 2015). في عام 2003، قامت الوكالة الوطنية الفرنسية لمكافحة الجريمة بتغريم ثلاث شركات للطاقة المتجددة (Apex BP Solar و Vergnet و Total Energie) بسبب تقاسم السوق فيما بينها وتلاعبها بالعطاءات، بالإضافة إلى نقابة عمال الطاقة المتجددة (Siprofer) التي عملت على تسهيل وتعزيز الاتفاقيات المناهضة للمنافسة (دراسة كالزادو وآخرون 2015). ولا يكون التزوير دائماً من جانب العرض، ولكنه قد يكون من جانب الطلب للفساد أيضاً. على سبيل المثال، يحذر تقرير يعود إلى العام 2015 شركات الطاقة من تزوير الحكومات للمزادات وتقييد المنافسة لصالح بعض المتقدمين، ربما مقابل عمولات.
الرشوة وسوء الإدارة وعدم الكفاءة
في جميع أنحاء العالم، تعد الرشوة في نقطة تقديم الخدمات من أجل الوصول إلى الطاقة شكلاً بارزاً من أشكال الفساد في هذا القطاع (وفق دراسات: Boamah and Williams 2019؛ Transparency International 2019). وعلاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي الفشل في تحديد التعريفات وتحصيل الإيرادات ومراقبة الشراكات والاستثمارات الخاصة في الطاقة إلى فاقد كبير في الطاقة أثناء النقل والتوزيع.

1030-4

السرقة

قد تحدث أيضاً خسائر غير فنية في قطاع الطاقة، بما في ذلك قطاع الطاقة المتجددة عندما يكون العرض المرتبط بشبكة المرافق ناتجاً عن واحد أو أكثر مما يلي:
• الفاعلين الأفراد سواء عن طريق السرقة المتعمّدة، أو بغير قصد من خلال أخطاء في المحاسبة على سبيل المثال.
• المعدات المعيبة التي لا تستخدم مباشرة لتزويد الطاقة، مثل: العدّادات على سبيل المثال.
إنّ المعيار القياسي الذي اقترحه البنك الدولي للخسائر غير الفنية في إفريقيا هو 10% من إجمالي الطاقة المنتجة. ولكن مع ذلك، قد يكون هذا الرقم في بعض البلدان الإفريقية أعلى بمرتين أو ثلاث مرات (وفق دراسة تعود للعام 2015). إنّ معظم هذه الخسائر ناتجة عن سرقة الكهرباء عادةً عن طريق العبث بالعدادات أو تجاوزها، وغالباً بالتواطؤ مع مسؤولي المرافق الفاسدين وفقاً للدراسة نفسها.
ولوحظ، أنّ معظم هذه السرقات ليست ناجمة عن تهرّب المواطنين غير القادرين على تحمل تكاليف الكهرباء، من دفع الفواتير، بل في الحقيقة يقوم بها أولئك الأفراد والمؤسسات الذين يستهلكون كميات كبيرة من الطاقة رغم قدرتهم على دفع ثمنها. وغالباً ما تحتوي قائمة الجُناة هذه على مجموعات حكومية وشركات صناعية وتجارية. ويتم تقويض خطر التعرض للعقوبات بسبب عدم الكفاءة من جانب شركات المرافق في التصرف، أو من خلال الفساد في شكل رشوة للمسؤولين واستخدام علاقات المحسوبية.
تعتبر سرقة الكهرباء بالتواطؤ مع المسؤولين الفاسدين إشكالية بشكل خاصّ لأنها تحرم مقدِّمي الخدمات من الإيرادات، وتقوِّض قدرتهم على توفير بنية تحتية أفضل وتوسيع نطاق الوصول، مع زيادة التكاليف لأولئك الذين يدفعون.

  • كاونين رحمن Kaunain Rahman: من دراسة بعنوان «لمحة عن مكافحة الفساد في قطاع الطاقة المتجددة» Overview of anti-corruption in the renewable energy sector – موقع الشفافية الدولية transparency.org.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1030
آخر تعديل على الإثنين, 09 آب/أغسطس 2021 23:08