بعد تنصل وزير بحكومة سفر من مسؤولياته.. تصحيح مزعوم لسوق مشوهة يبقي الأسعار خارج دائرة السيطرة الرسمية

بعد تنصل وزير بحكومة سفر من مسؤولياته.. تصحيح مزعوم لسوق مشوهة يبقي الأسعار خارج دائرة السيطرة الرسمية

لا يمكن لأحد مهما كان انتماؤه الإيديولوجي أن ينكر الدور المحوري الذي لعبته وزارة التموين تاريخياً في الحياة الاقتصادية، وخصوصاً بضبط الأسواق، والحفاظ على استقرار أسعار أغلب المواد الأساسية فيها، لتشكل في حينها الضمان للشرائح الأوسع في المجتمع السوري، ألا وهم الفقراء وذوو الدخل المحدود، على الرغم من الملاحظات الكثيرة التي يمكن وضعها على أداء تلك الوزارة، والتجاوزات التي كانت تكتنف عمل دورياتها، إلا أنها هي من ساهمت في حماية المواطن جزئياً من جشع التجار على مدى عقود، وهي من ساعدت في منع احتكار المواد، أو التلاعب بأسعارها من هؤلاء التجار، إلا انه جرى إلغاؤها بناءً على اقتراح لجنة فرنسية لإعادة هيكلية الوزارات السورية في عام 2004، ونحن أحوج ما نكون إلى وجودها اليوم، بينما «التاجر يسرح ويمرح» متلاعباً بالأسواق والمواطن على حدٍ سواء..

وزير يتنصل من مسؤولياته

يحاول وزير الاقتصاد في لقائه مع التلفزيون السوري النأي بنفسه ووزارته عن ضرورة ضبط الأسواق تحت ذريعة أن 85 – 90% من السلع والمواد محررة في السوق الداخلية، وبالتالي، فلا «مونة» لوزارة الاقتصاد على الأسواق، وعلى التجار أيضاً، وبذلك تعفي الوزارة مسؤوليتها عن ضبط الأسواق، وضرورة الحفاظ على استقرارها، فالخلل – وكما يوحي الوزير- في تحرير أسعار السلع الذي اتخذته الحكومة السابقة، وبالتالي «ما دخل لنا بما لم نفعل»، ولكن المفارقة أن الوزير ذاته الذي شكا من ضعف أداء وزارته بفعل الانفتاح الاقتصادي، لم يكلف نفسه طرح ضرورة التراجع عن قرارات الانفتاح الاقتصادي السابقة تلك، والتي جعلت من الحكومة عاجزة عن ضبط الأسواق فعلاً، كما يعترفون اليوم، وذلك بدلاً من الدفاع عن ذاك الانفتاح، ومحاولة ترميم سلبياته بقرارات تدعي أنها ستصحح السوق، وتعيد إليها توازنها بتفعيل القوانين الاقتصادية، والتي تحتاج إلى سنوات عدة، إذا ما كانت النوايا صادقة أساساً، وإذا ما كانت الحكومة صادقة في محاولاتها وادعاءاتها..

 نصف الكأس الفارغ

لم ننس ضرورة وجود وزارة التموين، وطالبنا بها مراراً في أوقات سابقة، على الرغم من الرفض الحكومي حينها، ومحاربته لهذا الطرح، وسواه من الطروحات الداعية إلى توسيع دور الدولة، وحماية الاقتصاد الوطني، وذلك على اعتباره موروثاً اشتراكياً لسنا بحاجة إليه في زمن التحولات الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي، فالنائب الاقتصادي في حكومة العطري عبد الله الدردري، أشار في حزيران من عام2010 إلى هذه النقطة قائلاً: «لا أحد يطالبنا بعد اليوم بالعودة للوراء، ولاسيما لجهة حماية الاقتصاد الوطني»، ولكن الذي أعاد إحياء هذه الفكرة الآن، هو الطرح الذي قدمه وزير الاقتصاد الحالي محمد نضال الشعار بلقاء خاص مع إحدى المجلات الخاصة قبل أيام، حيث اعتبر أن «لا عودة إلى وزارة التموين لأنها جزء من العهود المظلمة في الاقتصاد، وكل من يدعو لعودة وزارة التموين يدعو لعودة أوقات مظلمة اقتصادياً»، ليضيف بعدها في لقاء خاص مع التلفزيون السوري أن «إعادة وزارة التموين سيشوه السوق»، وفي هذا الطرح لا يرى الوزير إلا النصف الفارغ من الكأس، إلا أنه يتجاهل عن قصد الحاجة الحثيثة لوجود هكذا نوع من الرقابة على الأسواق، بما يخدم المواطن، ويحقق الاستقرار في تكلفة معيشه السوريين..

 التصحيح المزعوم

أما مقولة الخوف على السوق والاقتصاد من التشوه إذا ما أعيدت وزارة التموين، فإننا نقول للوزير، إن الاقتصاد الوطني مشوه أساساً، والقوانين الاقتصادية غير فاعلة في الأسواق، كقانون العرض والطلب، وبالتالي، فإن الأسعار لا تتحدد في أغلب الأحيان على أساسه كما يعرف الوزير، بل يتم بناءً على رغبات التجار والمستوردين ومزاجيتهم، وخير أمثلته، ارتفاع أسعار المواد المصنعة محلياً بعد إيقاف استيراد المواد والسلع التي تزيد أسعارها عن 5%، والتي يفترض عدم ارتفاعها أساساً بفعل هذا القرار، بل إن الأسعار بقيت على حالها المرتفعة بعد طي هذا القرار، فالخوف الأول يجب أن ينصب على السوريين قبل الاقتصاد، ويجب أن يكون الاقتصاد في خدمة المواطن، لا أن يتحمل السوريون لسنوات أخرى تبعات تصحيح مزعوم لاقتصاد مشوه، لأن إيحاء الوزير بمصطلح الإجراءات في خدمة الاقتصاد، سبقه إليها الدردري قبل سنوات، لتعيش خلالها الأسواق فوضى عارمة، وينعم التجار بتسعير مزاجي للمواد خارج أية رقابة تذكر...

 

 أنهار العسل من جديد

المواطن تحمل تبعات سنوات الانفتاح الاقتصادي على سلة أسعار المواد والسلع لديه، وعلى تدني مستوى معيشته، وأتته الحكومة السابقة بمصطلح محاباة الفقراء، لتعده بأنهار العسل بالسنوات اللاحقة، إلا انه لم يرَ إلا التراجع في قدرته الشرائية ومستوى معيشته، ويدعوه الوزير لتحمل تبعات غياب وزارة التموين الآن على أمل تصحيح تشوه الأسواق خلال السنوات الثلاث أو الأربع القادمة، إلى أن تفعل المنافسة، وتضبط الأسواق من تلقاء ذاتها، فهذا التسويف الحكومي لم يعد يقنع أحداً، إلا من ينطق به، فالثقة بين الحكومة والمواطن السوري قد انهارت منذ زمن بعيد، وجاءت الحكومة الحالية «لتزيد الطين بلة»، لكثرة ما تطلق من وعود، ولكن دون نتائج حقيقية على الأرض..

 

 تصحيح «بالحكي»

وإذا سلمنا سلفاً بعدم إمكانية إعادة وزارة التموين خوفاً على الاقتصاد من التشوه، فهل يمكن للحكومة الحالية حل مشكلة ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية الأساسية دون إعادة الرقابة التموينية؟ وما هي أدواتها لمنع احتكار التجار للأسواق والتلاعب بالأسعار؟! وإذا كان الحل يكمن فعلاً بتفعيل قانون العرض والطلب، فليبدؤوا بتغيير قانون المنافسة ومنع الاحتكار، الذي شرعن احتكار السلعة أو مجموعة من السلع أمام أربعة تجار فقط، فلكل تاجر بالقانون حق الاستحواذ على 25% من سوق أي سلعة، فأين التصحيح الفعلي للأسواق وللبيئة التنافسية كما يدعي الوزير؟! والحكومة تشارف اليوم على إكمال عامها الأول دون أن تحقق أي اختراق يذكر في هذا المجال!

 التدخل بأساليب مختلفة

الأقوى هو الأقدر على التحمل في أوقات الأزمات، بين معادلة الدولة والمواطن، فالدولة هي صاحبة الإمكانات والأدوات الأوسع، وهي الأقدر على تحمل تبعات الخسارة، أكثر من أولئك الذين لا يمتلكون إلا دخولهم المحدودة لإنقاذهم من الفقر، ففي ظل الارتفاع اليومي بالأسعار، بات تدخل الدولة ضرورة لا بديل عنها، فهي إن غابت خوفاً على الاقتصاد من التشوه، من يحمي المواطن من جشع التجار عندها؟!

دخول  الدولة كتاجر في عملية استيراد السلع من الخارج، وكمشتر لها من الفلاح بشكل مباشر، ومن ثم توسيع دورها كعارض وبائع في السوق المحلية، هو الحل الوحيد أمام الحكومة لضبط الأسواق، لأنها حينها ستكون قادرة على فرض الأسعار الحقيقية على التجار بقوة المنافسة التي خلقتها بحضورها الفعال في هذه السوق، وليس بلجانها الرقابية المشكوك بنزاهة بعضها في أحيان كثيرة..