درس الروبل الروسي.. وسياسة (التعويم المدار) في سورية

درس الروبل الروسي.. وسياسة (التعويم المدار) في سورية

منذ بداية عام 2014 حتى اللحظة خسر الروبل الروسي حوالي 30% من قيمته أمام الدولار، وذلك بسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب وبسبب حرب النفط التي أشعلتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا. وفي مواجهة ذلك قام المصرف المركزي الروسي الذي ينتهج سياسة تثبيت سعر الصرف الروبل بضخ الدولار إلى الأسواق الروسية بمعدل 350 مليون دولاراً يومياً.

ومع تصاعد أزمة الروبل خرجت إلفيرا نابيولينا رئيسة مصرف روسيا المركزي مؤخراً بقرار وقف التدخل في سوق القطع وتعويم العملة الروسية، معتبرة سياسات التدخل في سوق القطع تبديداً للاحتياطيات العملة الصعبة الروسية وأنها سياسات غير عقلانية. وقرر المصرف مؤخراً ترك العملة الوطنية تتقلب بحرية في السوق، مكرساً تدخله من الآن فصاعداً للأوضاع التي تهدد "الاستقرار المالي" فقط. وانتقدت إلفيرا نابيولينا رئيسة المركزي الروسي، سياسة تثبيت سعر الصرف في سوق العملات، منوهة إلى أنه: "ليس من الحكمة صرف احتياطات روسيا من العملة الصعبة التي تفوق 400 مليار دولار، لتثبيت سعر صرف الروبل عن طريق مواجهة الاتجاهات الأساسية في السوق، لأنه في نهاية المطاف سيؤدي ذلك إلى النتيجة ذاتها، لكن بعد مرور بعض الوقت وتقلص الاحتياطات."!
المواجهة الاستراتيجية
الملفت في هذا الخبر هو العقلية الاستراتيجية التي تدار بها السياسة النقدية الروسية، فعلى الرغم من ضخامة الاحتياطيات الروسية واستمرار الاقتصاد الروسي بالنمو والتبادلات التجارية مع الغير وهذا ما يعني أن أي تبديد للعملة الصعبة هو قابل للاستعادة، إلا أن المصرف المركزي الروسي توقف عن تبذير عملته الصعبة تاركاً إياها لمواجهة احتمال المضاربة على الروبل الروسي في الأسواق الخارجية. وإن كان قراره الأخير بتعويم الروبل وتركه خاضعاً لتقلبات السوق قد يراه البعض تفريطاً بالعملة الوطنية إلا أنه إجراء خاص بالظروف الروسية التي تستشرف علاقات اقتصادية نحو الشرق على المدى الطويل ستمهد لاستقرار العملة الوطنية في نهاية المطاف. طبعاً من المبكر الحديث عن احتمالات نجاح هذه السياسة، لكن تجارب العديد من الدول الرأسمالية التي تدخلت في سوق العملة لتثبيت سعر الصرف عبر التفريط بالعملة الصعبة في لحظات الأزمات أثبتت فشلها حيث أفضت تجربة النمور الآسيوية إلى تبديد الاحتياطيات وانهيار سعر الصرف.
من (التعويم المدار) إلى (التعويم)!
في الحالة السورية التي تعتبر معقدة جداً لاتزال الأمور تدار وفق عقلية مشوهة، حيث تقوم سياسة المصرف المركزي والتي لم تعدل جوهرياً في ظروف الأزمة، على سياسة "التعويم المدار". أي عدم تثبيت سعر الصرف (كما كان قبل عام 2005) والاستمرار بالوقت ذاته بالإشراف على سوق العملة بطرق غير مباشرة، وهو ما يترجم عملياً بوجود سعر للعملة خاص بالمصرف المركزي يتم تحديده وفق معطيات اقتصادية، وسعر صرف خاص في السوق المرخصة (شركات صرافة ومصارف وغيرها..) يكون متقلباً وفق العرض والطلب.
خلال سنوات الأزمة ومع التدهور الاقتصادي تغير سعر الصرف في كلا السوقين الرسمية والخاصة. حيث تغير سعر الصرف الخاص بالمصرف المركزي ليتوافق مع الوضع الاقتصادي الجديد وهو أمر مفهوم ومبرر اقتصادياً في ظل تراجع الناتج والحصار الاقتصادي. كما تغير سعر الصرف الخاص بشركات الصرافة والمصارف بناء على الطلب الشديد للدولار في ظروف الأزمة، وهو ما استدعى من المصرف المركزي التدخل في السوق الخاصة عبر بيع الدولار لشركات الصرافة لزيادة عرضه وتخفيض سعره، وهي السياسة التي أثبت الوضع الحالي فشلها حيث صُرفت الاحتياطيات ولم يتحقق استقرار سعر الصرف إلا في أوقات قليلة. 
ولكن الملاحظ على طول الخط هو استمرار تغير سعر الصرف في السوق الرسمية وفقاً لمحددات غير اقتصادية حيث من المفترض أنه لا علاقة لهذا السعر بتقلبات اختناق العرض والطلب في سوق شركات الصرافة أو السوق السوداء. حيث مع وصول التدهور الاقتصادي إلى ذراه الدنيا من المفروض أن تكون المؤشرات الاقتصادية قد استقرت وبالتالي ينبغي أن تستقر أسعار الصرف في السوق الرسمية، إلا أن ذلك لم يحصل. لا بل على العكس فقد جادت الحكومة بالعديد من التصريحات حول مؤشرات تحسن في الاقتصاد السورية ومنها ارتفاع الصادرات في الوقت الذي انتقل فيه سعر الصرف في السوق الرسمية مؤخراً من (160 ليرة/$  في أول الأسبوع الماضي إلى 170 ليرة/$ في نهاية الأسبوع) بينما فاق سعر الصرف في السوق السوداء مبلغ 202 ليرة/$.
أي أن سعر الصرف الرسمي الذي ينبغي له أن يكون محدداً بناء على مؤشرات اقتصادية تقول الحكومة إنها تحسنت أو استقرت بالحد الأدنى، بات يتحرك وفقاً لتقلبات سعر الصرف المعوم في الأسواق الخاصة. وهو ما يعني أن سياسة "التعويم المدار" فقدت قدرتها على إدارة سعر الصرف وتحولت إلى سياسة تعويم كاملة، بالترافق مع تبديد الاحتياطي السوري من العملات الصعبة لمصلحة تجار الصرافة تحت حجة "إدارة السعر المعوم"!.       
لا شك أن تعويم العملة الوطنية كسياسة ليبرالية هو أمر مرفوض في ظل قدرات الاقتصاد السورية المتواضعة قبل الأزمة ولذلك هي مرفوضة بشدة خلال الأزمة، إلا أن السياسات الحالية أفضت إلى نتيجة واقعية غير معلنة وهي التعويم الكامل بشكل أو بآخر، وإذا كان الدرس الروسي الذي اختار التعويم طواعية بناء على محدداته الخاصة إلا أنه بتلك السياسة سيوقف هدر الاحتياطي. أما في الحالة السورية فيستمر هدر الاحتياطي مع تطبيق فعلي لسياسة التعويم، فهل ستستمر استراتيجية المركزي السوري على ذلك أم أنها ستنتصر لليرة السورية على سياسات فرضتها ليبرالية الأمس حتى اليوم والتي من المستحيل أن تناسب عصر الأزمات!

آخر تعديل على الأحد, 16 تشرين2/نوفمبر 2014 10:41