ليبيا... هل تدفع مخاوف النخب القديمة نحو تسوية جديدة؟
منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، تعاقبت المبادرات الدولية والحوارات السياسية في ليبيا، لكن الأزمة بقيت تدور في الحلقة نفسها، حيث تحولت المؤسسات الانتقالية إلى جزء من المشكلة بدلاً من أن تكون أداة للحل، وأصبحت الانقسامات السياسية والجهوية شبكة مصالح متشابكة حالت دون الوصول إلى تسوية دائمة.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الأمم المتحدة إعادة إحياء مسارها التقليدي، ظهرت مبادرة أمريكية جديدة، تقودها واشنطن، عبر مبعوثها إلى أفريقيا مسعد بولس، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس على صياغة مستقبل السلطة في ليبيا، وهو ما دفع المؤسسات السياسية القائمة إلى التحرك سريعاً لتقديم خريطة طريق مضادة، خشية أن تصبح هي نفسها ضحية التسوية المقبلة.
ورغم الضجيج الإعلامي الذي رافق الاجتماعات التي رعتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بمشاركة ثلاثين شخصية ليبية، فإن الحوار المهيكل الذي تقوده الأمم المتحدة لا يبدو أنه يخرج عن المسار التقليدي الذي لازم الملف الليبي خلال السنوات الماضية. فالمقترحات التي خرج بها الاجتماع، سواء المتعلقة بتشكيل لجنة مشتركة لإعداد القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية، أو إطلاق حوار سياسي موسع، أو حتى اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي، تبقى في نهاية المطاف توصيات غير ملزمة، سرعان ما تصبح هي نفسها موضع خلاف بين المشاركين.
لكن التطور الأكثر أهمية، جاء عبر المبادرة التي كشف عنها المبعوث الأميركي ورجل الاعمال مسعد بولس، تتجه نحو شرعنة واقع النفوذ الحالي عبر صيغة لتقاسم السلطة بين العائلتين الأكثر حضوراً في المشهد الليبي؛ عائلة حفتر في الشرق، وعائلة الدبيبة في الغرب.
ووفقاً للتسريبات المتداولة، فإن الخطة الأمريكية تقوم على الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة، مقابل منح صدام حفتر دوراً محورياً في قيادة مجلس تنفيذي رئاسي جديد، مع إسناد مواقع أمنية لشخصيات مقربة من الدبيبة، في صيغة تبدو أقرب إلى ترتيب عائلي لتقاسم النفوذ منها إلى مشروع لبناء مؤسسات دولة حديثة.
هل نحن أمام مبادرة سياسية أم أمام صفقة تجارية؟
الولايات المتحدة التي تتحدث عن توحيد المؤسسات الليبية، لا تخفي في الوقت نفسه اهتمامها المتزايد بقطاع الطاقة، إذ أعلن بولس صراحة أن واشنطن تشجع شركات النفط الأمريكية الكبرى على توسيع استثماراتها في ليبيا، مشيراً إلى دخول شركتي شيفرون وكونوكو فيليبس إلى السوق الليبية. وفي ظل الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، والتوترات المرتبطة بمنطقة الخليج ومضيق هرمز، تكتسب الاحتياطات النفطية الليبية أهمية إضافية بالنسبة للولايات المتحدة، بما يجعل الاستقرار السياسي المطلوب استقراراً وظيفياً، يضمن تدفق النفط والاستثمارات أكثر مما يؤسس لدولة مستقرة وقادرة.
المبادرة يبدو أنها تلاقي قبولاً لدى المشير خليفة حفتر، حيث اعتبرها «من نوع فريد ومتميز وتستند إلى الواقعية»، ومن المرجح أن تلاقي قبولاً لدى الطرف المقابل، ليمثل كسراً للانقسام التقليدي بين شرق ليبيا وغربها، هذا التحول تحديداً هو ما أثار قلق المؤسسات السياسية القائمة. فالمبادرة الأمريكية لا تهدد فقط التوازنات القائمة، بل تهدد أيضاً بإنهاء دور الأجسام السياسية التي ظلت طوال السنوات الماضية تحتكر العملية السياسية. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يشهد المشهد الليبي تقارباً سريعاً بين رؤساء المجلس الرئاسي، ومجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، الذين أعلنوا بصورة مفاجئة وثيقة مبادئ، وخريطة طريق جديدة لإنهاء المرحلة الانتقالية.
والمفارقة اللافتة، أن القوى نفسها التي عجزت عن التوصل إلى توافقات حقيقية طوال ثلاثة عشر عاماً، وجدت نفسها قادرة على الاتفاق خلال ساعات قليلة، بمجرد شعورها بأن مبادرة خارجية قد تؤدي إلى تجاوزها وإخراجها من المعادلة.
ومع ذلك، فإن هذا الضغط الخارجي قد ينتج نتيجة لم تكن متوقعة، إذ قد تجد النخب السياسية الليبية نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات حقيقية لأول مرة، ويدفع لقيادة مرحلة انتقالية بأيدي الليبيين أنفسهم، وهو ما يفسر الترحيب الذي صدر عن جامعة الدول العربية بخريطة الطريق الجديدة، باعتبارها فرصة لإعادة بناء الزخم السياسي وتوحيد المؤسسات.
وفي المحصلة، تبدو ليبيا اليوم أمام لحظة مختلفة. فالمسار الدولي يواصل الدوران في دائرة مفرغة، بينما تحاول واشنطن فرض مقاربة أقرب إلى صفقة تجارية، تقوم على شرعنة موازين القوى القائمة، وضمان المصالح النفطية الأمريكية، في حين تسعى النخب السياسية التقليدية إلى الدفاع عن مواقعها، عبر إطلاق مسار ليبي داخلي. وبين هذه المسارات الثلاثة، قد تكون المفارقة الكبرى أن المبادرة الأمريكية، التي تهدف أساساً إلى إعادة توزيع السلطة بين القوى النافذة، قد تدفع الخصوم التقليديين، للمرة الأولى منذ سنوات، إلى تقديم التنازلات التي فشلوا في تقديمها طوال ثلاثة عشر عاماً. لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً، هو ما إذا كانت هذه التنازلات ستقود إلى بناء دولة ليبية موحدة، أم أنها ستفضي فقط إلى إعادة إنتاج نظام جديد لتقاسم النفوذ تحت عناوين مختلفة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1283
معتز منصور