«مناورة إرادة السلام 2026» ... بركس بلس حاضرة عسكرياً
معتز منصور معتز منصور

«مناورة إرادة السلام 2026» ... بركس بلس حاضرة عسكرياً

في كانون الثاني 2026، شهدت المياه الإقليمية جنوب سواحل كيب تاون حدثاً استراتيجيّاً غير مسبوق؛ أول مناورة بحرية مشتركة رسمية تحت مظلة ما بات يُعرف بـ«بريكس بلس»، بمشاركة فاعلة من الصين وروسيا وإيران وجنوب أفريقيا، وحضور دول أخرى بصفة مراقب. هذه المناورة، التي حملت اسم «إرادة السلام 2026»، لم تكن مجرد تمرين عسكري روتيني، بل كانت تجسيداً لتحول جوهري في طبيعة مجموعة «بريكس» من منتدى اقتصادي إلى تحالف جيوسياسي وأمني يتحدى الهيمنة الغربية، ويطرح نفسه في النظام الدولي الجديد.

من التعاون الاقتصادي إلى التنسيق العسكري


تأسست «بريكس» كمجموعة اقتصادية تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي، وتمثيل مصالح الاقتصادات الصاعدة. لكن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتفاقم الانقسامات بين الغرب وبعض القوى الصاعدة، بدأت المجموعة تتوسع وتتعمّق. في السنوات الأخيرة، انضمت إليها دول محورية، مثل: مصر، إثيوبيا، الإمارات، السعودية، إيران، وإندونيسيا، لتشكّل ما يُشار إليه الآن بـ«بريكس بلس» لتكون كياناً أوسع نطاقاً وأكثر طموحاً.
المناورات البحرية ليست وليدة اللحظة. فقد سبقتها تمارين ثلاثية بين روسيا والصين وجنوب أفريقيا في عامي 2019 و2023، ركّزت على مكافحة القرصنة والتدريبات النارية المشتركة. لكن «إرادة السلام 2026» تمثّل قفزة نوعية: فهي الأولى التي تُدار رسميّاً تحت مظلة «بريكس بلس»، والأولى التي تضم إيران كشريك فاعل، والأولى أيضاً التي تؤدي فيها الصين دور «قيادة» للتمرين.


الأهداف والرسائل


وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن الجيش الجنوب أفريقي، فإن الهدف المعلن للمناورة هو «ضمان أمن النقل البحري، ومكافحة القرصنة، وتعزيز التعاون البحري بين الدول المشاركة». وشاركت كل دولة بما يعكس قدراتها: فرقاطة جنوب أفريقية، مدمرات صينية وإيرانية، وسفن كورفيت روسية وإماراتية. كما حضرت البرازيل ومصر وإثيوبيا وإندونيسيا كمراقبين، ما يشير إلى استعداد محتمل للانخراط الكامل مستقبلاً.
تأتي هذه المناورة في سياق دولي استثنائي، تتصاعد فيه المنافسة على الممرات المائية الحيوية مثل: باب المندب، ورأس الرجاء الصالح، وقناة بنما، وخليج غينيا. ففي ظل مساعٍ أمريكية متزايدة لتعزيز هيمنتها البحرية في هذه النقاط الاستراتيجية، بهدف السيطرة على حركة التجارة البحرية وفرض حصار بحري على خطوط التجارة الصينية بشكل أساسي. تمثّل المناورة التي جرت قبالة سواحل جنوب أفريقيا رسالة واضحة: فالدول المشاركة تؤكد حضورها الفاعل على الساحة الدولية، وتعلن تصميمها على الدفاع عن مصالحها الحيوية، بعيداً عن الوصاية الأحادية. كما تُعد هذه التدريبات خطوةً عمليةً لتعزيز التفاهمات الجارية ضمن إطار «بريكس بلس»، وترسيخ آليات تعاون مشترك في المجال البحري، لا سيما فيما يتعلق بأمن الملاحة وحماية طرق التجارة.


مشاركة إيران وردّ الفعل الأمريكي


أثارت مشاركة إيران في مناورات «إرادة السلام 2026» جدلاً دوليّاً، إذ سارعت الولايات المتحدة إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية على جنوب أفريقيا بهدف إلغاء المناورة بالكامل، مستندةً في ذلك إلى انتقادات موجّهة للحكومة الإيرانية بشأن قمعها للمظاهرات السلمية. ومع أن الانتقادات الأمريكية ركّزت علناً على طهران، فإن وزارة الخارجية الأمريكية لم تخفِ قلقها المتزايد من التطور الملحوظ في العلاقات العسكرية والسياسية بين بريتوريا وكل من روسيا والصين. ويأتي هذا التوتر في سياق تصاعد الخلافات بين واشنطن وجنوب أفريقيا حول ملفات متعددة، أبرزها: الدعوى التي رفعتها الأخيرة ضد «إسرائيل» أمام محكمة العدل الدولية، فضلاً عن الخلافات التجارية والمتعلقة بقانون النمو الاقتصادي والفرص في أفريقيا (AGOA)، الذي يمنح جنوب أفريقيا مزايا تجارية حيوية. وفي خضم هذه الضغوط، حاولت جنوب أفريقيا تجنّب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، مؤكدة أن مشاركتها في المناورة تندرج ضمن سيادتها الوطنية وسعيها لتعزيز الأمن البحري، دون التفريط في قضايا ترى أنها جوهرية لمصالحها الاستراتيجية.


نحو تحالف أمني دائم؟


تُعد مناورة «إرادة السلام 2026» تجسيداً طبيعيّاً لمسار التطور الذي تشهده مجموعة «بريكس بلس»، إذ لم يعد التعاون بين أعضائها محصوراً في المجالات الاقتصادية، بل بدأ يمتد بوضوح إلى البُعد السياسي والعسكري كوسيلة لحماية المصالح الوطنية المشتركة، وضمان استقلالية القرار السياسي. ومع تكرار هذه التدريبات وتوسيع نطاقها، من المتوقع أن تُرسّخ الدول المشاركة آليات تنسيق عسكرية أكثر تقدّماً، تشمل التخطيط المشترك، وتبادل المعلومات، وربما حتى إنشاء هياكل تشغيلية دائمة.ش

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261