كمبوديا وتايلاند... اتفاقات مع وقف التنفيذ
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 12 كانون الأول الجاري عن توصله إلى موافقة كل من كمبوديا وتايلاند على وقف الاشتباكات الحدودية بينهما. ليكشف تجدد الاشتباكات المسلحة بينهما بعد ساعات فقط، هشاشة هذا الإعلان.
تعود جذور الصراع التايلاندي – الكمبودي إلى ترسيمات استعمارية قديمة، أفضت إلى نزاع حول أراضٍ تقع على الحدود الفاصلة بينهما، والبالغ طولها حوالي 800 كم. منذ أواخر أيار 2025، دخل البلدان في واحدة من أكثر جولات النزاع الحدودي دموية منذ أكثر من عقد في تاريخ البلدين، حين أعلنت وزارة الدفاع الكمبودية مقتل أحد جنودها في تبادل إطلاق نار مع القوات التايلاندية في منطقة حدودية متنازع عليها، في أول حادث دموي منذ 2011. ثم تحوّل المشهد إلى مواجهة مفتوحة في 24–25 تموز بعد إصابة جندي تايلاندي بانفجار لغم أرضي، واتهام كمبوديا بزرع ألغام داخل الأراضي التايلاندية، واستخدمت في المواجهة المدفعية الثقيلة والطائرات الحربية، وأدت إلى سقوط عشرات الضحايا ونزوح مئات الآلاف. ورغم توقيع هدنة أولى في 28 تموز بوساطة الولايات المتحدة والصين وماليزيا، فإنها انهارت سريعاً مع تبادل الاتهامات بخرقها. وفي 26 تشرين الأول وُقّعت هدنة «معزّزة» بحضور الرئيس الأمريكي ترامب، لكن هذه الهدنة أيضاً لم تصمد، ففي 11 تشرين الثاني أعلنت تايلاند تعليق تنفيذها بعد إصابة جندي بلغم أرضي، بينما نفت كمبوديا مسؤوليتها، قبل أن تتجدد الاشتباكات في اليوم التالي. ومع حلول 8 كانون الأول اندلعت جولة جديدة من القتال، شملت غارات جوية تايلاندية، واتهامات كمبودية بقصف قرى ومواقع مدنية، ما أدى إلى نزوح واسع وسقوط ضحايا من الجانبين.
رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توصله إلى «اتفاق كامل لوقف إطلاق النار» و «العودة إلى اتفاق السلام الأصلي»، رفض رئيس الوزراء التايلاندي أنوتين تشارنفيراكول صراحة الالتزام بوقف النار، قائلاً: «ستواصل تايلاند تنفيذ عمليات عسكرية حتى نشعر بأن أرضنا وشعبنا لن يتعرضا لمزيد من الأذى والتهديدات». على الجانب الآخر، اتهمت وزارة الدفاع الكمبودية تايلاند باستخدام طائرات F‑16 لإسقاط سبع قنابل على أراضيها، مؤكدة: أن «الطائرات المقاتلة التايلاندية لم تتوقف عن القصف حتى الآن». أما رئيس الوزراء هون مانيه، فأكد أن بلاده «لطالما التزمت بالوسائل السلمية لحل النزاعات»، واقترح على واشنطن وماليزيا التحقق من الطرف الذي بدأ إطلاق النار.
إن تصريحات واشنطن عن «الوساطة» ليست سوى محاولة لإعادة فرض نفسها كلاعب مركزي في عالم لم يعد يقبل بسهولة الهيمنة الأحادية، إذ يظهر «الوسيط الأمريكي» بوصفه عاملاً إضافياً في تأجيج التوتر. فبينما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقديم نفسها وسيطاً قادراً على منع الحرب، عبر تصريحات متكررة عن استعدادها للتدخل الدبلوماسي. تعمل عملياً على إبقاء المنطقة في حالة غليان دائم يبرر استمرار وجودها العسكري والسياسي. هذا الدور لا يمكن قراءته بمعزل عن موقع واشنطن في آسيا، حيث تسعى إلى استعادة نفوذ يتراجع أمام صعود قوى بديلة. وتبحث عن تفجير بؤر توتر جديدة تعيد إنتاج الحاجة إليها. فكلما تراجع نفوذ واشنطن، ازدادت رغبتها في إبقاء مناطق التوتر مفتوحة. وبالتالي، إن التعويل على الولايات المتحدة كوسيط هو وهم سياسي. فلا يمكن فصل هذا النوع من «الوساطات» عن طبيعة النظام الإمبريالي العالمي، الذي لا يتدخل لحماية الشعوب بل لحماية مصالحه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1256
حلا الحايك