التقارب التركي–السعودي: مسارٌ إقليمي تفرضه الضرورات
ملاذ سعد ملاذ سعد

التقارب التركي–السعودي: مسارٌ إقليمي تفرضه الضرورات

شكّل الاجتماع العسكري رفيع المستوى الأخير بين تركيا والسعودية، والذي عُقد في الرياض يوم الخميس 11 كانون الأول الجاري، حلقة جديدة في مسار التقارب بين البلدين، ونتيجة طبيعية وموضوعية لتحوّلات عميقة تشهدها المنطقة والإقليم ككل. فالتغيّر في العلاقات التركية–السعودية لا ينبع من تبدّل في النوايا فقط، بل من ضرورات سياسية وأمنية واستراتيجية تدفع دول المنطقة عموماً، وبشكل تدريجي، نحو التعاون والتنسيق، في مواجهة أزمات مزمنة، وأعداء مشتركين على رأسهم «إسرائيل».

اللقاءات العسكرية المتكررة التركية-السعودية، وآخرها اجتماع الحوار العسكري رفيع المستوى وتوقيع تقريره النهائي، تعبّر عن انتقال العلاقة بين البلدين من مرحلة ترميم الثقة إلى مرحلة التعاون عملياً، خصوصاً في المجالين الأمني والدفاعي، فتركيا والسعودية تواجهان ظروفاً إقليمية مضطربة ومهددة: حروب مفتوحة، تهديدات للأمن البحري، وضغط «إسرائيلي» – غربي متزايد لإعادة تشكيل المنطقة، وفق توازنات تخدم تل أبيب بالدرجة الأولى، في هذا السياق، يصبح التنسيق العسكري وتبادل الخبرات والتصنيع الدفاعي المشترك خياراً تفرضه الظروف.
كما أن هذا التقارب ليس استثناءً في المنطقة، بل يأتي ضمن اتجاه إقليمي أوسع نحو خفض التوترات وبناء شبكات تفاهم جديدة، فتركيا نفسها كان بدأ تعاونها مع إيران ضمن إطار «ترويكا أستانا» كمثال واحد خلال الضرورات التي فرضتها الحرب في سورية، وأنتجت تنسيقاً أمنياً وسياسياً رغم التباينات بين البلدين، وبالمثل، كانت المصالحة السعودية–الإيرانية التاريخية، التي جرت برعاية صينية، والتي شكلت انعطافة استراتيجية كسرت واحدة من أهم دوائر الصراع في الإقليم، وفتحت الباب أمام مقاربة جديدة للأمن الإقليمي، قائمة على الحوار لا الصراع.


في دلالات التقارب


ضمن هذا المشهد، يكتسب التقارب التركي–السعودي دلالته الأوسع: فهو ليس موجهاً ضد طرف بعينه فقط، بل يعبّر عن سعي جماعي لإعادة التوازن في مواجهة سياسات «إسرائيلية» وأمريكية قائمة على تفجير الأزمات، ومنع أي استقرار حقيقي في المنطقة، حيث أن «إسرائيل» تمثّل بشكل متصاعد عامل تهديد مشترك، سواء عبر عدوانها المفتوح على فلسطين وسورية ولبنان واليمن وغيرها، أو محاولاتها المستمرة لتطبيع الفوضى كحالة دائمة عموماً تخدم تفوقها العسكري.
كما لا يمكن فصل هذا المسار أيضاً عن تطورات أخرى في الإقليم، من بينها التعاون العسكري بين السعودية وباكستان، وما يحمله من أبعاد استراتيجية حساسة، بما فيها ما وصف بـ«الغطاء النووي الباكستاني» بعد الضربة «الإسرائيلية» على الدوحة، فهذا التعاون يعكس إدراكاً متزايداً لدى الرياض بضرورة تنويع شراكاتها الأمنية خارج المظلة الأمريكية التقليدية، وهو إدراك تشترك فيه مع أنقرة، التي بنت خلال العقد الأخير قاعدة صناعات دفاعية مستقلة نسبياً، ووسّعت شبكة شراكاتها خارج إطار الناتو.
إن مسار التقارب الإقليمي الذي نشهده لا يزال في بداياته، وهو جزء من حركة أوسع تشهدها المنطقة، حيث تتجه دول الإقليم بخطواتٍ متفاوتة نحو التقارب والتنسيق وبناء تفاهمات جديدة فيما بينها، ومع الصين وروسيا في خلفية المشهد... وإن كانت هذه الخطوات تبدو كما لو أنّها خطوات متفرّقة، إلا أنّها تعكس في الواقع توجّهاً شاملاً، ويجري تنسيقه بين جميع الأطراف الإقليمية المعنية. ما يعني أن زمن القطيعة والاستقطاب بين دول المنطقة بات يزول بشكل متسارع، لصالح بحث جماعي عن آليات لحماية المصالح ومواجهة الأخطار المشتركة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1256