ألمانيا إلى التسلح تحت شعار: «مهما كلّف الأمر»
انتهت الانتخابات الألمانية في شباط الماضي بتقدم ملحوظ للتحالف المسيحي (CDU-CSU)، تلاه حزب «البديل» اليميني المتطرف متقدماً على الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ثم حزب الخضر، يليه حزب اليسار. وعليه فإن فريدريش ميرتس زعيم الحزب المسيحي الديمقراطي سيكون المستشار المستقبلي لألمانيا.
ربما من أخطر ما بدأ به ميرتس ولايته هو دفعه المنقطع النظير لتسليح ألمانيا، تحت شعار: «مهما كلّف الأمر». وهو يسعى تحت هذا الشعار إلى قوننة الأمر بأسرع ما يمكن، خارقاً المحظورات السابقة كلها ضمن ألمانيا، بما يخص المعونات الاجتماعية وهيكلية اقتصاد البلاد؛ إذ يحث السير باتجاه جعل قطاع الدفاع بأكمله معفى من نظام الديون بما يسمح له باقتراض غير محدود، مستفيداً من فضيحة زيلنسكي في البيت الأبيض، التي أصبحت طريقة لتأنيب كل أوروبي لا يؤيد التسلح تحت شعار أنه فاقد للكرامة، وأنه لا يأبه إن وصل بوتين إلى برلين. كما يكرر الإعلام أن ألمانيا تعاني من نقص تمويلها للقطاع الدفاعي، مع أنها تحتل فعلياً المرتبة الرابعة في الإنفاق الدفاعي العالمي. فما الذي يمكن أن ترتبه «شهوة التسلح» على ألمانيا؟
سيكلفها الأمر تدنياً في الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية، اليوم وفي المستقبل؛ حيث يزداد تركز الثروة في ألمانيا بأيدي أقلية من المتمولين الكبار، وتغادر مع الوقت نموذج البلد الذي تسوده الطبقة الوسطى. وفقاً للبنك المركزي الألماني، فإن أكثر من 70% من الثروة مملوكة لـ 10% من السكان، في حين أن النصف الأدنى من السكان بالكامل يملك 1% فقط من الثروة. واليوم بتركيز زيادة الإنفاق على العسكرة تنتعش شركات السلاح، مثل: راين ميتال، وبالمقابل، يتم الضغط على عدة قطاعات كالصحة، التعليم، النقل.. ما أسهل القول مهما كلّف الأمر بالنسبة للمستشار الألماني الذي يملك طائرتين خاصتين.
سيكلّف الأمر الديمقراطية... أيضاً
لأن التوجه الحثيث للإنفاق العسكري يرافقه أيضاً تدنٍ في الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية في ألمانيا، فيكاد لا يمضي أسبوع دون إضراب هنا وتظاهرة هناك. لكن لا مكان للديمقراطية حين تعلو طبول الحرب ويئن الاقتصاد. عندها تستعد شركات التسلح لترقص على جثث أولئك الذين سيقاتلون بعضهم البعض بينما تسلح الأطراف المختلفة.
ولأن ذوي الأمر في ألمانيا يعلمون أن الشعوب تغضب، قرروا أن جزءاً من الأموال الدفاعية سيكون مخصصاً للسيطرة على الداخل في حال انتفض. ولذا أسسوا في 14 آذار الحالي «قسم الأمن الداخلي» بوصفه الوحدة الرابعة الكبرى التابعة للجيش. وصرح كريستوف هوبنر، نائب رئيس إدارة الأزمات والحماية المدنية في وزارة الداخلية الاتحادية، في 21 كانون الثاني: «ستكون أيدي الشرطة مشغولة للغاية في حالة التوتر، لأنه لا يوجد ما يضمن بقاء السكان مسالمين. وقد تحدث أعمال شغب». وبناء على ذلك، يتم إجراء تدريبات منتظمة للتدريب على كيفية التعامل مع العمال المضربين والمتظاهرين.
من وراء المستشار الجديد ميرتس؟
المستشار القادم فريدريش ميرتس هو رجل رأس المال المفضل. شغل فريدريش ميرتس عضوية مجالس إدارة العديد من الشركات، بما فيها بلاك روك ومقرها نيويورك. وبلاك روك هي شركة إدارة أصول، تسيطر على ما مجموعه 11.6 تريليون دولار أميركي. ويعادل هذا تقريباً الناتج الاقتصادي الاسمي المجمع لألمانيا واليابان وفرنسا في عام 2023 (أرقام صندوق النقد الدولي).
لمصلحة من دفع ألمانيا نحو التسلح؟
إنّ الاتجاه في دول أوروبية عدة، وضمناً ألمانيا، نحو التسلح، يبدو من حيث الشكل محاولة للاستقلال عن التبعية للأمريكي، خاصة مع وصول ترامب الذي يهدد علناً بإنهاء الناتو، وبانسحاب أمريكي من أوروبا، وخاصة من المسألة الأوكرانية.
ولكن في الجوهر، فإن المسألة مختلفة تماماً؛ فالتوجه نحو التسلح، يعني الإصرار على حرب مفترضة مع روسيا، ما يعني تعميق الاستنزاف في القارة الأوروبية واستمرار استنزاف روسيا، سواء عبر أوكرانيا أو غيرها من الجبهات التي يمكن أن يتم إشعالها. ما يعني أن الأمريكي سيستفيد بالمحصلة من بقاء التوتر ومن انسحابه منه، بحيث يوفر على نفسه التكاليف ويلقيها على عاتق الآخرين.
لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى ما هو أخطر وأكثر تهديداً للقارة الأوروبية، وما أهو أكثر جلباً للأرباح لواشنطن؛ فإبقاء التوتر الأوروبي قائماً مع روسيا، يعني إبقاء التبعية الاقتصادية قائمة تجاه الولايات المتحدة، وخاصة على صعيد الطاقة؛ فالقارة الفقيرة بالطاقة يجري امتصاص ثرواتها بشكلٍ وقح من الجانب الأمريكي بغياب الغاز الروسي، وعبر الغاز المسال الأمريكي الذي بلغ سعره 6 أضعاف الغاز القادم من روسيا.
هذا الاستنزاف يعني أرباحاً إضافية للولايات المتحدة، ويعني أيضاً انتقال رؤوس أموال أوروبية نحو واشنطن، لارتفاع التكاليف المهول في عمليات الإنتاج ضمن القارة.
وفوق ذلك كله، فإن الجيوش الغربية، وضمناً الجيش الألماني، مبني بوصفه جيش ناتو، ما يعني أن جزءاً أساسياً من سلاحه يجري تصنيعه بالضبط في الولايات المتحدة، أي أن ألمانيا ستدفع مبالغ إضافية للولايات المتحدة ضمن عملية تسلحها.
بالمجمل، فإن الخط الذي يتخذه المستشار الألماني القادم، هو خط الدمار الذاتي لألمانيا، ولمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية بالذات، حتى وإنْ بدا الأمر معاكساً على السطح...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1218