المذبحة المتدحرجة... صمود أسطوري وحراك دبلوماسي

مع وصول جيش الغزاة لـ«عنق الزجاجة» في حربه الوحشية على الشعب الفلسطيني ومقاومته البطلة، انتهت عملياً مرحلة العدوان الأولى، أو كما يصطلح قادة الكيان على تسميتها بالمرحلة «أ»، بالفشل الذريع. مئات الأطنان من القنابل والصواريخ، التي ألقتها قاذفات النار والموت فوق رؤوس المدنيين على مدى أسبوع كامل لم تحقق الهدف المرسوم من «الصدمة والترويع»، بالرغم من الاستعانة بين الحين والآخر بالبوارج والزوارق البحرية من أجل دعم ناري جديد. التقدم البري الذي استكمل شرط البدء فيه بعد الحشد الكبير للمدرعات والمدفعية والدبابات وناقلات الجند، ووصول الآلاف من قوات الاحتياط الذين لما تتوقف عمليات استدعائهم نظراً للمصاعب الهائلة التي تواجهها المرحلة الثانية «ب» من العدوان، والتي تتطلب انتشاراً عسكرياً احتلالياً على عمق 2-4 كم داخل القطاع، واجهها المقاومون في كل مواقع الاشتباكات، بالالتحام المباشر، والكمائن، والأنفاق والبيوت المفخخة، والتي دفعت بالخبراء العسكريين للحديث عن««معارك عنيفة وضارية جداً جداً» تكبد خلالها العدو العشرات من القتلى والجرحى، وكعادته للتقليل من جهوزية وكفاءة المقاتل العربي الفلسطيني، وكإعادة إنتاج للإعلام الحربي الأمريكي في العراق، بدأت آلة التضليل الجوفاء في التصريح عن سقوط العديد من العسكريين الغزاة بـ«النيران الصديقة»! التي هي الطبعة الأكثر فجاجة وسخرية من قدرات القنابل والصواريخ «الذكية» التي تثبت بالواقع العياني غباءها المستمد من رؤوس مطلقيها.

أمام العقبة الكأداء التي تحول دون تحقيق أي تقدم حقيقي نحو الإطباق والاحتلال لـ«المركز»، تبدو قدرات التمدد والتوسع من الأطراف «المناطق المكشوفة والمفتوحة غير المأهولة» التي تتحرك فيها قوات العدو، والتقطيع والفصل لمناطق القطاع، محكومة بعوامل التصدي الأسطوري الذي تقوم به كتائب وسرايا المقاومة. ومن واقع هذا المأزق، تتوضح في الأفق ملامح الانتقال للمرحلة الثالثة «ج» من الغزو بالاندفاع نحو المركز «مدينة غزة» من خلال الاستخدام الكثيف والوحشي للقصف الناري التدميري والحارق، بإدخال الفوسفور الأبيض، كاستحضار ذي دلالة للخبرات العسكرية الأمريكية أثناء المجزرة الوحشية التي قامت بها القوات الغازية ضد أهل «الفلوجة» البطلة. وبتجميع عدة آلاف من قوات الاحتياط في المعسكرات تمهيداً لزجهم في المعارك التي وصفها وزير الحرب باراك بأنها «لن تكون سهلة أو قصيرة»، كما تشدد على ذلك وزيرة خارجية العدو حين تتحدث عن المدة الزمنية التي تستغرقها الحملة العدوانية العسكرية «الوقت الطويل من أجل تحقيق أهداف الحملة».

في قلب هذا المشهد الذي تملؤه جثث المئات من الأطفال والنساء، وأجساد آلاف المواطنين المدنيين المصابين بكل أنواع الحروق والجروح وبتر الأعضاء، وفي ظل هذا الدمار غير المسبوق، بدأت تتحرك مراكز السياسة في أكثر من عاصمة عربية وإقليمية وأوربية، وداخل واشنطن ونيويورك.  خاصة وأن حجم الفراغ الذي أحدثته حالة العجز الرسمي العربي، في فشلها المريع- بسبب الدور المشبوه والمعيق لبعض الحكومات العربية- لعقد اجتماع لمؤسسة القمة من أجل وقف العدوان، أتاح للدول الإقليمية الفاعلة في الحقل الفلسطيني والعربي «تركيا وإيران»، كما عبّرت عنها زيارة  أردوغان التركي، وجليلي الإيراني، لتنشيط المبادرة والتحرك لسد الفراغ الحاصل. خاصة وأن وحشية المجازر وتوسعها، والإبقاء على معبر رفح مغلقاً بشكل شبه دائم، والتحركات الشعبية المليونية في عواصم ومدن العرب والعالم، شكلت عدة عوامل ضغط دفعت بمراكز القرار السياسي في أكثر من عاصمة عربية لإعادة الحديث عن أشكال جديدة لمواجهة المجزرة. ومن هنا يمكن النظر للبيان المتلفز الذي ألقاه أمير دولة قطر، وناشد فيه المسؤولين العرب مجدداً، العمل من أجل عقد اجتماع طارىء للقمة العربية للوصول إلى قرار عربي يتضمن الدعوة والعمل على وقف العدوان وإنهاء الحصار وفتح المعابر. كما أن التظاهرات الشعبية التي شهدتها مدن ومخيمات الأردن، والتحرك المتواصل للنواب في البرلمان الأردني «حرق العلم الصهيوني، والتوقيع على عريضة لتقديمها للحكومة والملك لإنهاء اتفاقية وادي عربة وإغلاق سفارة العدو وطرد السفير الصهيوني»، والتخوف الرسمي من الشروع في التحضير لخطة «الوطن البديل»، دفعت جميعها برئيس الوزراء للتحدث لأعضاء البرلمان بأن حكومته   «ستعيد النظر في العلاقات مع إسرائيل على خلفية عدوانها على غزة... ولهذا فإن الحكومة تحتفظ بكل الخيارات المتاحة لتقويم العلاقات مع أي بلد بما في ذلك إسرائيل» مشيراً إلى أن عمّان «لن تقف صامتة تجاه هذا الوضع».

إن تنشيط التحرك الدبلوماسي/السياسي على خط «دمشق، الدوحة، أنقرة، طهران، صنعاء، الخرطوم، طرابلس الغرب» سيدفع عواصم أخرى «موسكو، بكين» لإعادة رسم صورة جديدة للتحرك، تضع أمام عينيها مهمة واحدة فقط، وقف العدوان الصهيوني، ورفع الحصار وفتح المعابر. خاصة وان التحرك الفرنسي/الأوروبي مازال منحازاً لحكومة الكيان العدواني الصهيوني، وخطاب ساركوزي في رام الله المحتلة، كان الدليل الأبلغ على هذا الانحياز، الذي يستمد ديناميته من طبيعة تزاوج المصالح الامبريالية/الصهيونية المشتركة، ومن موقف الإدارة الأمريكية «الداعم والمتفهم لحاجة إسرائيل للدفاع عن نفسها»!

إن الرهان على دور فاعل ومؤثر للهيئات الدولية- المهيمن عليها أمريكياً- يبدو لأبناء شعبنا وأمتنا، محاولة جديدة للرهان على السراب والوهم. إن إخراج القضية من يد العرب إلى المحافل الدولية، يشير إلى عجز رسمي، لايستطيع أن يجلب من حكومات العالم، سوى الخذلان ونظرات التعجب والاستخفاف لهذا الاستجداء الرسمي. كما أن أية محاولات رسمية للتحايل على حركة الجماهير الغاضبة، وتسكينها وتخديرها عبر بعض التصريحات، لايعدو كونه استخفافاً آخر بمطالب الجماهير. إن حديث البعض عن وقف «العنف» المتبادل، وليس وقف العدوان الوحشي الصهيوني على القطاع، هو تشجيع لاستمرار المذبحة، كما أن الدعوة لوجود قوات دولية أو مراقبين دوليين على أرض القطاع، في استنساخ للقرار الدولي الخاص بلبنان 1701، سيزيد من الكارثة وتعقيداتها، بعد رفض قوى المقاومة لهذه الاقتراحات، التي تصب في خدمة العدو وحلفائه، بهدف تحقيق «تهدئة» تتحول على يد «المجتمع الدولي» لهدنة دائمة، تسحب من يد شعبنا وحركته الوطنية مشروعية مقاومة الاحتلال.

إن وقف المذبحة وفتح المعابر وإنهاء الحصار هي الشروط الوحيدة التي يجب التمسك بها فلسطينياً وعربيا ودولياً. وأي حديث آخر هو محاولة لسكب الماء في طواحين العدوان.

معلومات إضافية

العدد رقم:
386
آخر تعديل على الجمعة, 16 كانون1/ديسمبر 2016 16:41