إبراهيم البدراوي إبراهيم البدراوي

قبل أن نتحول الى مطالبين بحق العودة

تكلم نتنياهو.. كثيرون في عالمنا العربي انتظروا كلماته، علها تقدم بعض الحجج لأصحاب «فقه التبعية» و«استحسان التبعية» كي يستمر خداعهم للناس. لكن كلمات نتنياهو أمام الكنيست لم تحقق لهم ما أرادوا. فقد عبر المذكور ودون أي لبس عن جوهر المشروع الصهيوني. وهذا هو محتوى الخطاب.

حكومة العدو تجمع كلاً من اليمين واليسار الصهيوني. وبالتالي فإن الخطاب جاء معبراً عن طرفي المعادلة. وأنهى بشكل حاسم لا يقبل المماحكات أكذوبة اليسار الصهيوني التي تم الترويج لها من القوى المصرية والعربية المتصهينة بهدف تخدير الناس. إذ أعطى الخلاصة المتمثلة في «يهودية الدولة» و«صهيونية الدولة» بتعبيره الصريح والواضح تماماً كممثل لليمين واليسار في الكيان. فكل يهودي يقبل باغتصاب وطن الغير مهما ادعى أنه يرفض الصهيونية، ومهما ادعى من انتماءات إيديولوجية أيا كانت، هو صهيوني لا يختلف كمياً أو نوعياً عن نتنياهو. ولم يعد يحق لأصدقاء ما يسمى بـ«السلام الآن» أو أية بدعة صهيونية من هذا القبيل أن يفتحوا أفواههم  بعد الآن. فالزيف غير قادر على الصمود وإن طال المدى.
عقب الخطاب مباشرة وقبل أن يفيق العملاء من صفعة نتنياهو تجلى «العهر والفجور» الأمريكي والأوربي بإطلاق التأييد المطلق لما جاء فيه، بما أعلنه أوباما المصنوع صهيونياً وكذا اليهودي الصهيوني ساركوزي والعديد من حكام ومسؤولي البلدان الامبريالية الأوربية بوجه خاص. ونزلت الصفعة الصاعقة على وجوه  دعاة الاستسلام والتفريط العرب.

منذ عقود بدأت تجليات التراجع العربي. من التشخيص الصحيح لطبيعة الصراع باعتباره صراعاً عربياً– امبريالياً صهيونياً، إلى صراع فلسطيني– إسرائيلي، إلى نزاع فلسطيني– إسرائيلي، إلى مجرد «شأن فلسطيني». أي أنها وصلت في النهاية الى ما يساوي «جنحة» أو حتى «مخالفة سير». وتم طمس متعمد لحقيقة أن العدو الصهيوني وإن استهدف فلسطين أولاً، فإن ذلك يمثل مرحلة في مشروع كامل يمتد جغرافياً من النيل غرباً إلى الفرات شرقاً إلى الحجاز جنوباً، ولكنه اقتصادياً وسياسياً وثقافياً يشمل الإقليم العربي وتخومه الإسلامية في إطار ما يعرف بمشروع «الشرق الأوسط الجديد».

بدأ السادات بمساندة سعودية (كرأس حربة) على ضرب المشروع العربي، والتوحد في المواقف العربية النسبي، عبر توسيع العلاقات مع العدو الأمريكي والإمبريالي بوجه عام، ومعاداة الاتحاد السوفييتي المساند الأساسي للعرب، ثم موقف العداء الكامل للثورة الايرانية التي أعلنت منذ اللحظة الأولى مساندتها للفلسطينيين والعرب في مواجهة العدو الصهيوني، وصولاً إلى «كامب ديفيد» ثم «وادي عربة» ثم «أوسلو»، في تلاق وتلازم كامل مع النزول بسقف الحقوق العربية، والتنازل حتى عن القرارات «الجائرة» التي أصدرتها الأمم المتحدة، وصولاً إلى القبول بمبدأ «الأرض مقابل السلام» الذي طوره العدو إلى «السلام مقابل السلام» ثم «السلام مقابل التطبيع».. وحتى الوضع المأساوي الراهن. وأسفر سكوت الحكام الخونة عن ابتلاع العدو الصهيوني لأغلب أراضي الضفة وتمزيق المتبقي منها. وأخيراً أعلن نتانياهو عن إسقاط حق العودة بالكامل– إلغاء حدود 1967– عدم توقف الاستيطان– القدس كلها بتوسعاتها عاصمة أبدية للكيان- لا كلمة عن 11 ألف أسير... إلخ. ودولة الكيان يهودية صهيونية نقية وصرفة. لا دولة فلسطينية حقيقية وإنما جزر معزولة ممزقة لا حدود لها ومنزوعة السلاح يقوم  من يتولون أمورها بحراسة الكيان الصهيوني.

ليس الغريب والمفجع هي المسرحيات الهزلية التي أداها بعض الرؤساء العرب متظاهرين بالغضب من نتنياهو دون التلويح ولو بسحب السفراء، ولا هو خروج بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية الوهمية  بأداء مفتعل للغضب ومناشدة أوباما أن يقوم بدور. فكل ذلك لا يحمل أية مفاجآت. ولكن الغريب هو أن قوى لا يشك أحد في وطنيتها لا تزال تتناقش وتتحاور وتتحرك تحت نفس السقف الذي وضعه الأعداء، وعدم إدراك أن ذلك لم يعد ممكناً أو مقبولاً في ظل التطورات التي لم يعد ممكناً إخفاؤها رغم أن الواقع كان يؤكدها.
ينبغي أن يدرك جميع الوطنيين أن العدو الصهيوني معروف عنه تاريخياً أنه مبتز ولص وأفاق وصفات أخرى معروفة. وأنه يتقدم عشرة كيلو مترات إذا تم التراجع أمامه «ملليمتراً» واحداً. وقد تراجع العرب آلاف الكيلومترات، وتقدم العدو مسافات لا يمكن قياسها، لدرجة أن يطلب مقدماً أن تذهب إليه حكومات أكثر من 50 بلداً عربياً وإسلامياً صاغرة مستسلمة دون أي مقابل من أي نوع.  في حين أنه وتحت ضربات المقاومة اللبنانية ثم الفلسطينية تبين مدى هشاشته، وطرح بداخله للمرة الأولى علناً شكوك بالنسبة لمستقبله وقدرته على الاستمرار. كما أن حماته الامبرياليين أنفسهم يعيشون أزمة لا خروج منها كبداية لمرحلة الأفول والنهاية.

على مدى عقود من التزييف والابتزاز وطمس الحقائق صمدت القوى الجذرية متمسكة بموقف أن الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني هو صراع وجود وليس حدود. وقد ثبتت سلامة هذا الموقف بيقين لا يقبل أي شك. وأثبتت قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية وقوى الممانعة في سورية وإيران، وكل مقاومة بمختلف أشكالها بامتداد الإقليم، رغم المعاناة التي لا توصف، أنها صاحبة المصداقية. لذا فقد آن الأوان لكي نعيد الاعتبار للموقف المبدئي: صراعنا ضد العدو الصهيوني هو صراع وجود.
إن إعادة الاعتبار لهذا الموقف يتطلب صياغة استراتيجية للتحرير والنهضة، وحشد  الملايين لوضع هذه الاستراتيجية في الممارسة على الأرض. وخوض نضال لا يتوقف ضد الطبقات الغاصبة للثروة والسلطة في بلداننا.
ذلك هو الخيار الوحيد، قبل أن نتحول بعد جيل واحد الى مطالبين بحق العودة الى أوطاننا.

معلومات إضافية

العدد رقم:
409