الانتخابات الأمريكية: ادفع مالاً تصبح إمبراطوراً

يستحيل التخلص من الدور الكبير الذي يلعبه المال في التأثير على العملية السياسية في أي دولة من الدول، وفي المقابل تسعى النظم الديمقراطية للحد من احتمالية إفساد المال للسياسية من خلال فرض تشريعات لمراقبة استخدام المتبرعين والمرشحين - على حد سواء - للمال في العملية السياسية بصفة عامة وفي الانتخابات بشكل خاص.

ومع اقتراب الانتخابات الفيدرالية الأمريكية في تشرين الثاني 2002، وتمكن الرئيس جورج دبليو بوش ومنافسه الرئيسي الديمقراطي جون كيري من جمع كميات غير مسبوقة من التبرعات السياسية، وزيادة الجدل داخل الولايات المتحدة حول مضمون وأثار قوانين الإصلاح المالي للانتخابات الفيدرالية، رأينا أن نقدم في هذا المقال مقدمة مختصرة عن تأثير المال على الانتخابات الأمريكية بشكل عام، وعلى انتخابات تشرين الثاني 2004 بشكل خاص. تكاليف الانتخابات الفيدرالية الأمريكية هما التحدي الأول الذي يواجه المشرعين الأمريكيين في مساعيهم للحد من التأثير السلبي للمال على الانتخابات الفيدرالية (ممثلة في البيت الأبيض والكونجرس) هو الارتفاع المستمر في تكاليف الحملات الانتخابية الفيدرالية ومن ثم زيادة اعتماد المرشحين الأمريكيين على المال للفوز بمناصبهم السياسية.

فعلى مستوى انتخابات الرئاسة الأمريكية جمع المتنافسون على منصب الرئيس الأمريكي في عام 2000 تبرعات قدرها 528 مليون دولار، في مقابل 425 مليون دولار جمعها المتنافسون في انتخابات عام 1996 الرئاسية، بينما جمع المتنافسون في انتخابات عام 1992 تبرعات مقدارها 331 مليون دولار فقط، مما يعني أن حجم التبرعات التي جمعها المتنافسون على الرئاسة الأمريكية زادت بمعدل 100 مليون دولار أمريكي كل أربعة أعوام منذ عام 1992.

كما جمع المرشح الجمهوري للرئاسة وهو الرئيس الأمريكي الحالي جورج دبليو بوش بمفرده 228 مليون دولار حتى العشرين من حزيران 2004 محطما بذلك رقمه القياسي السابق والذي حققه في انتخابات عام 2000 عندما نجح في جمع تبرعات قدرها 193 مليون دولار أمريكي، بينما لم يتمكن منافسه الديمقراطي في انتخابات عام 2000 آل جور من جمع سوى 132 مليون دولار فقط، أما بالنسبة لمنافسه الحالي جون كيري فقد جمع 186 مليون دولار حتى العشرين من حزيران 2004.

أما على مستوى انتخابات الكونجرس، فيبلغ متوسط ما جمعه كل عضو من الأعضاء الفائزين في انتخابات مجلس النواب الأمريكي في عام 2002 مبلغ 898 ألف دولار في مقابل 197 ألف دولار فقط لكل منافس من منافسيهم الخاسرين، كما جمع عضو مجلس الشيوخ الفائز مبلغ 5.8 مليون دولار في المتوسط في مقابل مليون دولار فقط لمنافسه الخاسر.

تعود الزيادة المستمرة في تكاليف الانتخابات الأمريكية إلى لأسباب التالية:

أولا: ليس هناك سبيل يمكن للمرشحين من خلاله معرفة تكلفة الفوز بالانتخابات بشكل مسبق، ولذا يحرص كل مرشح على جمع وإنفاق أكبر قدر من الأموال للدعاية لحملته حتى ولو أهدرت بعض هذه الأموال في سباق ضد خصم ضعيف مادام ذلك سوف يؤكد نجاح المرشح.

ثانيا: الحملات الانتخابية ليست مجانية، فهي عملية صعبة ومكلفة لها هيئات ومكاتب متخصصة في مجال الحملات الانتخابية تقوم بها وتعمل على تطوير أدائها وأدواتها بشكل مستمر، وينبغي على المرشحين دفع ثمن استخدام خدمات هذه الهيئات وما تقوم به من أنشطة مثل تسجيل الناخبين وطبع الدعايات وتوزيعها وعقد اللقاءات الجماهيرية وعقد لقاءات جمع التبرعات وانتهاء بشراء الدعاية التلفزيونية باهظة التكاليف.

ثالثا: حجم الأموال التي يجمعها أحد المرشحين قد تمثل رادعا قويا لخصومه خاصة إذا نجح المرشح في جمع قدر كبير من الأموال في بداية حملته الانتخابية.

رابعا: الدوائر الإعلامية والسياسية الأمريكية تنظر إلى حجم التبرعات التي يجمعها المرشحون خاصة في بداية حملاتهم الانتخابية كعلامة هامة على مدى جديتهم وقدرتهم على المنافسة والفوز بالانتخابات. أما التحدي الأكبر الذي يواجهه المشرعون الأمريكيون في مساعيهم للحد من تأثير المال في الانتخابات فهو القلق من الدور الكبير الذي تلعبه جماعات المصالح الثرية في تمويل المرشحين ومن ثم التأثير على مسار الديمقراطية الأمريكية، ويعود هذا القلق للأسباب التالية:

أولا: تأتي جميع الأموال التي تنفق على الانتخابات الأمريكية في الغالب من نسبة ضئيلة جدا من الأمريكيين لا تتعدى 2% من مجموع الشعب الأمريكي.

فعلى سبيل المثال أنفق المرشحون والأحزاب ولجان العمل السياسية (PACS) والتي تمثل جماعات المصالح مبلغا وقدره 933 مليون دولار أمريكي على انتخابات عام 2002 التشريعية.

وقد أتت هذه الأموال من حوالي 640 ألف متبرع أمريكي فقط، وهو ما يعادل نسبة 0.22 % من مجموع الشعب الأمريكي الذي يبلغ تعدداه 288.5 مليون نسمة، أو ما يعادل نسبة 0.3 % من مجموع المواطنين الأمريكيين البالغين (18) عاما فأكثر.

 ومن بين هؤلاء المتبرعين حوالي 252 ألف متبرعا تبرعوا بألف دولار أو أكثر من بينهم 9755 متبرعا تبرعوا بعشرة آلاف دولار فأكثر، كما تبرع 14 متبرع (شخص أو هيئة) بأكثر من مليون دولار أمريكي.

ووفقا لهذه الإحصاءات تبلغ نسبة المتبرعين بألف دولار فأكثر - والذين يبلغ عددهم 252 ألف متبرع تقريبا - مقارنة بمجموع الشعب الأمريكي حوالي 0.09 % من مجموع الأمريكيين، في الوقت الذي دفع فيه هؤلاء حوالي 779 مليون دولار وهو ما يعادل نسبة 83 % من المجموع الكلي للأموال التي أنفقت على الانتخابات التشريعية الأمريكية خلال عام 2002.

ثانيا: نسبة كبيرة من الأموال التي يحصل عليها المرشحون تأتي من لجان العمل السياسية والتي تمثل جماعات المصالح الكبرى وتركز تبرعاتها في الغالب لصالح أعضاء الكونجرس الموجودين بالفعل والذين تربطهم بجماعات المصالح روابط وعلاقات قوية.

ففي انتخابات عام 2002 التشريعية حصل أعضاء الكونجرس الفائزون في الانتخابات على 43% من التبرعات التي جمعوها من لجان العمل السياسية في حين أن المتوسط العام للتبرعات التي حصل عليها جميع المرشحين (الفائزين والخاسرين) في الانتخابات نفسها من لجان العمل السياسية هو 34 % من إجمالي التبرعات التي جمعوها وهي أيضا نسبة مرتفعة، كما حصل أعضاء مجلس الشيوخ الفائزون في الانتخابات نفسها على 24.5 % من التبرعات التي جمعوها من لجان العمل السياسية، في حين أن المتوسط العام للتبرعات التي حصل عليها جميع المرشحين (الفائزين والخاسرين) في الانتخابات نفسها من لجان العمل السياسية هو 18 % فقط.

وبدون شك يترك ذلك تأثيرا شديد السلبية على درجة الحراك والتغيير السياسي في مراكز صنع القرار الأمريكية، إذ تشير الإحصاءات إلى أن 96% من مرشحي مجلس النواب الأمريكي الفائزين في انتخابات عام 2002 هم أعضاء سابقون، كما أن 86 % من مرشحي مجلس النواب الفائزين في انتخابات العام ذاته هم من الأعضاء السابقين، وقد يعود انخفاض النسبة في مجلس الشيوخ إلى قلة عدد أعضائه من ناحية، وإلى هزيمة عدد من مرشحي الحزب الديمقراطي في انتخابات عام 2002 بعد صعود نفوذ الحزب الجمهوري ومرشحيه خلال الأعوام الأخيرة.

كما تحرص لجان العمل السياسية على تأييد كبار أعضاء الكونجرس ومنحهم نسباً أكبر من التبرعات من أجل التأثير عليهم، فعلى سبيل المثال جمع توم دلاي زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب الأمريكي 63% من التبرعات السياسية التي جمعها في انتخابات عام 2002 من لجان العمل السياسية، بينما جمعت نانسي بالوسي زعيمة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأمريكي 55.8 % من التبرعات التي جمعتها خلال الانتخابات نفسها من لجان العمل السياسية، وهي نسب تفوق بكثير متوسط ما يحصل عليه المرشح العادي من لجان العمل السياسية.

ثالثا: يلعب الأثرياء دورا شديد الخطورة في التأثير على مسار العملية الانتخابية الأمريكية من خلال استخدامهم للمال الناعم. إذ يضع القانون الأمريكي سقفا على حجم التبرعات التي يمكن أن يحصل عليها أي مرشح بشكل مباشر من كل مواطن أمريكي، وذلك للحد من قدرة الأثرياء على التأثير في الانتخابات، ولذا يلجأ الأثرياء لمنح تبرعات سخية تقدر بملايين الدولارات أحيانا لهيئات سياسية كالأحزاب وجماعات المصالح لكي تستخدمها بصورة مباشرة لخدمة قضاياها، وبصورة غير مباشرة لخدمة مرشحيها، حتى لا تقع تحت طائلة القانون، ومن أبرز وأهم هذه الأساليب قيام الأحزاب وجماعات المصالح بشراء إعلانات تلفزيونية مكثفة قبل موعد الانتخابات لا تذكر اسم مرشح بعينه ولكنها تروج بشكل محدد ومكثف وفي دوائر انتخابية معينة لقضية بعينها مؤثرة على مسار الانتخابات بتلك الدوائر.

وتسمى هذه الملايين بالمال الناعم لأنه يصعب رصدها ولأنها ليست محددة بسقف معين من قبل القانون ولأنها تؤثر في الانتخابات بصورة غير مباشرة من خلال دعمها لقضايا وليس لمرشحين، في حين تسمى التبرعات التي يسمح القانون بأن يمنحها المواطن الأمريكي مباشرة للمرشحين لكي يستخدموها في الأنشطة السياسية التي تصب مباشرة في الحملات الانتخابية بالمال الجامد.

وتشير أحدث الإحصاءات إلى أن الحزب الديمقراطي جمع في عام 2001 وذلك قبل عام واحد من صدور قانون الإصلاح المالي للانتخابات لعام 2002 نسبة 54 % من التبرعات التي حصل عليها في صورة أموال ناعمة، كما جمع الحزب الجمهوري 43 % من التبرعات التي جمعها في العام نفسه في صورة أموال ناعمة، وهي بدون شك نسب مرتفعة توضح مدى اعتماد الحزبين الرئيسيين على تبرعات الأثرياء.

وحول تبعات قوانين الإصلاح المالي للحملات الانتخابية الأمريكية في السبعينات من القرن الماضي أقر المشرعون الأمريكيون مجموعة من قوانين الإصلاح المالي للحملات الانتخابية والتي ظلت تنظم دور المال في الانتخابات الأمريكية حتى عام 2002، ومن أهم ما أنجزته هذه القوانين تأسيس لجنة الانتخابات الفيدرالية لكي تراقب حركة المال في الانتخابات، كما وضعت القوانين سقفا واضحا على حجم التبرعات السياسية التي يمكن أن يقدمها المواطن الأمريكي أو لجان العمل السياسية (التي تمثل جماعات المصالح) بشكل مباشر للمرشحين. وحرمت القوانين على المرشحين قبول أموال من مصادر معينة خاصة من قبل الشركات واتحادات العمال بشكل مباشر، وطالبت القوانين الشركات واتحادات العمال بتأسيس لجان عمل سياسية تعمل بشفافية تحت عين القانون في مجال جمع تبرعات ممثلي هذه الهيئات ثم توزيعها على المرشحين ضمن السقوف التي يسمح بها القانون.

وسرعان ما التفت جماعات المصالح الثرية على هذه القوانين خاصة من خلال توسعهم في استخدام المال الناعم للتأثير على الانتخابات خاصة عن طريق منحه للأحزاب واستخدامه في شراء إعلانات التلفزيون الباهظة التكاليف التي تروج للقضايا المؤثرة على الانتخابات.

وقد جمع الحزب الجمهوري تبرعات قدرها 691 مليون دولار في انتخابات عام 2002، كما جمع 715 مليون دولار في انتخابات عام 2000، أما الحزب الديمقراطي فقد جمع 463 مليون دولار في انتخابات عام 2002، وجمع 520مليون دولار في انتخابات عام 2000، وقد أتت نصف هذه الأموال تقريبا في صورة مال ناعم.

ولذا أقر قانون الإصلاح المالي للانتخابات الأمريكية لعام 2002 عدد من الإصلاحات الرئيسية وعلى رأسها منع الأحزاب من قبول المال الناعم، والحد من قدرة جماعات المصالح على شراء الإعلانات التلفزيونية مع اقتراب موعد عقد الانتخابات.

 ونتيجة لذلك لم يتمكن الحزب الديمقراطي في دورة الانتخابات الحالية سوى جمع 114 مليون دولار، كما لم يجمع الحزب الجمهوري في دورة الانتخابات الحالية سوى 256 مليون دولار.

كما زادت القوانين الجديدة من حجم الأموال التي يمكن أن يتبرع بها الأفراد مباشرة لمرشحيهم الأساسيين في صورة أموال جامدة، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تقوية دور الفرد، وأن يحد من التلاعب خارج إطار القانون، إذ تسمح القوانين الجديدة لكل فرد بأن يتبرع بألفي دولار لكل مرشح في مقابل ألف دولار في الماضي، كما تسمح لكل مواطن بالتبرع بخمسة وعشرين ألف دولار للجنة حزبه الرئيسة، وبعشرة آلاف دولار لكل لجنة عمل سياسية أو لجنة حزبية محلية، وذلك بشرط آلايزيد حجم تبرعات الفرد الواحد على 95 ألف دولار كل عامين.

ويقول بعض المحللين أن القوانين الجديدة دفعت الأحزاب والمرشحين إلى الاهتمام بالوصول إلى أكبر عدد من الأفراد بعد أن منعت الأحزاب من الحصول على المال الناعم، فعلى سبيل المثال قام الحزب الديمقراطي في الشهور الأربعة الأولى من عام 2004 بإرسال 35 مليون رسالة بريدية لمسانديه طلبا لتبرعاتهم، وهو ما يعادل مجموع رسائل جمع التبرعات البريدية التي أرسلها الحزب الديمقراطي خلال عقد التسعينات من القرن الماضي.

كما توسع جورج بوش وجون كيرى في مساعيهما للوصول إلى أكبر عدد من المتبرعين بما في ذلك المتبرعون الصغار منهم خاصة عن طريق الإنترنت، وقد نجح كل منهم في تخطي حاجز المليون متبرع حتى الآن.

وعلى النقيض ظهر تهديد جديد لقوانين الانتخابات تمثل في ظهور منظمات خيرية ذات طابع سياسي تعرف باسم (527) وهو رقم بند قانون الضرائب الذي ينظم عملها، ويسمح القانون الجديد لهذه الجماعات بتلقى تبرعات معفية من الضرائب وغير محدودة من الأفراد وإنفاقها للتأثير على سير العمليات الانتخابية بشرط استقلالها عن المرشحين والأحزاب.

وقد جمعت هذه المنظمات خلال العامين الماضيين عشرات الملايين من الدولارات من المال الناعم خاصة من قبل أثرياء الديمقراطيين الساعين لهزيمة جورج بوش، كما تلقت بعضها تبرعات من قبل أشخاص وجماعات ثرية وصلت أحيانا إلى 14 مليون دولار من قبل هيئة واحدة.

وفي المقابل رفع جمهوريون قضايا قانونية على هذا النوع من المنظمات بدعوى إفسادها لقوانين الإصلاح المالي للانتخابات والتي كانت تسعى للحد من تأثير المال الناعم، ومازالت هذه القضايا مفتوحة ولم تحسم بعد.

الحكم بشرعية أو عدم شرعية الجماعات الجديدة لن يضع حلا نهائيا لتأثير المال السلبي على الانتخابات الأمريكية، وذلك لثقة غالبية المحللين في أن جماعات المصالح سوف تسعى لإيجاد ثغرات قانونية في أي قانون جديد، كما يرى البعض أن الحد من قدرة أية جماعة أمريكية من التأثير على الانتخابات هو تعدٍ على حرية هذه الجماعة في التعبير عن نفسها، وهذا يعنى أن الإصلاح المالي للانتخابات سوف يبقى تحديا دائما للمدافعين عن الديمقراطية الأمريكية.

 

■ علاء بيومي

معلومات إضافية

العدد رقم:
227
آخر تعديل على الإثنين, 28 تشرين2/نوفمبر 2016 14:31