ما بعد الانتخابات... العراق إلى أين؟

ما بعد الانتخابات... العراق إلى أين؟

أكدت الأحزاب القومية الكردية أنها ستستأنف حواراتٍ أجرتها، قبيل الانتخابات، مع كل من كتل (المواطن والأحرار ومتحدون والوطنية)، لرسم «سياسة تصحيح الأخطاء». ووضع ملفات النفط والبيشمركة والمناطق «المتنازع عليها» على رأس أولوياتها.

علماً أنها كانت قد حصلت، وفق النتائج الأولية، على(53) مقعداً. وتعاني من ازدواجية الخطاب، إذ أعلنت بأن الدستور لم يحصر مركز رئيس الوزراء على طائفة معينة، في الوقت الذي تعلن فيها أحقية الأكراد في مركز رئيس الجمهورية, ناهيكم عن الصراع الداخلي المحتدم فيما بين أطرافها على المحاصصة، سواءً أكان على مستوى الإقليم أو المركز.
ويعاني التحالف الوطني أزمة مماثلة, إذ رغم حصوله على (150) مقعداً فأطرافه تعيش حالة تناحر داخلي شديد، يمنعها من تسمية مرشحها لمركز رئيس الوزراء. ولا تختلف الكتلة الثالثة «العراقية سابقاً...قوائم متعددة حالياً» (42) مقعداً عن حال الكتلتين الشريكيتين في الحكم، لناحية التمزق والصراع على الحصص.
إن الدولة الفاشلة والتدهور الاقتصادي وتأزم الوضع الأمني في البلاد، والغموض الذي يشوب الأوضاع العسكرية في المنطقة الغربية، يمثل النتاج الذي لا يمكن تزويقه لعهد الفساد والإرهاب المنتهية ولايته. وبما أن الانتخابات لم تغير من طبيعة تركيبة القوى الفائزة, فالنتيجة المنطقية الوحيدة, هي إعادة انتاج نظام المحاصصة الطائفية الإثنية الفاسد. وإن رفعت هذ القوى شعار «حكومة الأغلبية السياسية», فما هي في واقع الحال، سوى حكومة محاصصة متعارضة، على طول الخط، مع مصالح الطبقات الكادحة؟
إن إصرار بعض القوى على وهم تحقيق هدف تفكك العراق، يعبِّر عن نظرة إرادوية برجوازية صغيرة، لم تستوعب العواقب الخطيرة على وضع المنطقة والعالم، رغم تبني قوى دولية محددة لهذ الوهم.
قد يكون من المثير للانتباه إعلان نوري المالكي عن المبادئ للتفاوض على تشكيل حكومة الأغلبية «وحدة العراق وسيادته، ولا تفريط بهذه الوحدة، ولا يحق لأحد التصرف خلاف هذا لوجود مادة دستورية نصت على ذلك، وفق الدستور الذي صوت عليه الشعب, لذا فإن حق تقرير المصير انتهى إلى هنا...الابتعاد عن النهج الطائفي ورفض سياسة المليشيات، التي تريد أن توجد في العراق أمراء حروب يتحكمون به كما يشاؤون... تشريع قانون الأحزاب، تشريع قانون النفط والغاز، والحاجة إلى تشكيل المجلس الأعلى للنفط، وتشكيل المجلس الاتحادي، والخدمة العامة لمعالجة الفوضوية في التعيينات».
من جهتها, تجمع رموز جميع الكتل على مطلب عدم السماح لنوري المالكي بولاية ثالثة، دون أن تقدم البرنامج البديل, بل اعتمدت خطاب شخصنة الصراع، مما أفقدها التأثير على الناخب العراقي.
لعل إعلان جزء من الطبقة البرجوازية عن رغبتها التحرر من نظام المحاصصة والاقتصاد الريعي، عبر بناء تحالف وطني عريض عابر للطائفية والاثنية, يضعها أمام تحديات مباشرة للبرهنة على جدية وصدق خطابها هذا, وفي مقدمتها تشريع حزمة قوانين تعيد بناء الصناعة الوطنية وتبعث الحياة في الزراعة, وتشريع القوانين القادرة على إطلاق عملية تنمية وطنية شاملة. وقبل كل ذلك، استكمال السيادة الوطنية، عبر إلغاء اتفاق المصالح الاستراتيجي مع الإمبريالية الأمريكية، والحفاظ على وحدة الأراضي العراقية.
سيدخل العراق، في فترة زمنية غير قصيرة، قبل تمكن هذه القوى من تشكيل حكومتها العتيدة, وستتواصل معاناة الناس, بل وتتصاعد, وسوف تتبخر جميع الوعود الانتخابية وسط جولات جديدة من مقاولات النهب والتبعية والفساد. أما صبر الشعب العراقي، فلن يطول هذه المرة، ولا يمكن لحقن «المورفين» الديني أن تخفف من المعاناة والجوع والفقر. لحظتها تأخذ الجماهير قضيتها بيدها وبالإرادة الشعبية تنجز التغيير المنشود.

صباح الموسوي* : منسق التيار اليساري الوطني العراقي