الخبز... إعادة إنتاج الفقر تحت وطأة الفساد المستمر
لا يزال رغيف الخبز في سورية يختزل مأساة شعب بأكمله، ففي الوقت الذي تؤكد فيه البيانات الرسمية أن ربطة الخبز «المدعوم» تزن 1050 غراماً، تكشف شكاوى متواترة من عدة مناطق أن الوزن الفعلي يصل في أحسن الأحوال إلى 950 غراماً وحتى أقل من ذلك أحياناً، هذا الفارق الرقمي ليس خطأً إنتاجياً، بل هو تجسيد لنهج تغول على لقمة عيش المفقرين عبر فساد ونهب مستشرٍ وعجز رسمي متعمد «تقليصاً للدعم» عن حماية ما تبقى من أمن غذائي للمواطن.
تتعدد الأساليب النهبوية لهذا الرغيف، ولا تقتصر الأزمة على نقص الوزن وحده «المعمم في غالبية الأفران على امتداد البلاد»، بل تمتد إلى التلاعب بمدخلات العملية الإنتاجية برمتها لتتدنى جودته، فتعمد بعض المخابز إلى إبقاء الأرغفة رطبة محملة بالماء دون نضجٍ كافٍ لزيادة الوزن الوهمي، كما يعمل البعض الآخر على خلط الطحين الجيد بالرديء وقد تتسع دائرة الفساد أكثر فتُستبدل المخصصات كاملة بمواد أقل جودة من السوق السوداء وتباع نهباً وجشعاً، وكذلك الأمر بالنسبة للخميرة وغيرها، ما ينتج خبزاً هشاً وسريع التلف والتفتت، ليدفع الثمن المواطن المفقر وحده.
وهذا ما أكدنه شكاوى متكررة لسكان «قرى وبلدات ريف حماة الشرقي» عن تدني جودة رغيف الخبز لمستويات وصفت بأنها «غير صالحة للاستهلاك البشري» أمام تلاعب بالمعايير الفنية والأوزان، حسب تقارير صحفية، وكذلك الأمر في مدينة «الشدادي» بريف الحسكة الجنوبي، وفي عدة أفران في «محافظة الرقة»، حيث تتشابه الشكاوى مع التأكيد على ضعف التبريد ولتخمير والخبز، مع ظهور طعم حامض في بعض الأحيان، بالإضافة إلى سوء التخزين والنقل.
هذا يبرر الفرق الصارخ بين مناطق متجاورة كما في ريف حماة الشرقي ومدينة سلمية، التي يتوفر فيها الخبز الجيد نسبياً رغم وحدة الجهة الموّردة لمستلزمات الإنتاج، وهذا التفاوت لا يفسره سوى فساد داخلي منظم يتحكم في توزيع الكميات أو قلة خبرة تزيد الطين بِلّة.
إنها منظومة فساد متكاملة تنمو وسط غياب أي رادع، أما الرقابة فتبقى غائبة وربما مُغيبة عمداً، وما يجري تحت راية «جولات تفتيشية» لا يعدو أن يكون مسرحية هزلية تفضح التواطؤ الرسمي.
وفي ظل هذا الفراغ والإهمال الفاضح، يضطر سكان قرى وبلدات حماة الشرقية إلى شراء الخبز من «سلمية» بسعر يتراوح بين 5500-6000 ل.س للربطة «تحكماً واستغلالاً» من المعتمدين تحت ذريعة أجور النقل المرتفعة.
ما يجري في ملف الخبز ليس طارئاً ولا استثنائياً، بل هو استمرار لسياسة قديمة جديدة عنوانها إفقار المواطن السوري وتحميله وحده فاتورة الانهيار الاقتصادي التي عملت عليها السلطة الساقطة والمستمرة حتى الآن، فبدلاً من البحث عن حلول حقيقية لأزمة الطحين والإنتاج والفساد والهدر في مؤسسات الدعم، يتم اللجوء إلى الحل الأسهل بالاقتطاع من لقمة الفقير تحت ذرائع تقنية وإدارية لم تعد تقنع أحداً. فالدولة تتخلى بموازناتها المتعثرة عن دعم الخبز تدريجياً، ثم تتخلى بالتغاضي المتعمد عن شبكات النهب والاستغلال، عن حماية آخر ما تبقى من دعم «حكومي».
الحل للحفاظ على جودة الخبز، لا يكون بالبهرجة الإعلامية عن الآليات المتبعة «رسمياً» في الكشف عن مخالفات هنا أو هناك وبتسيير جولات رقابية شكلية، بل يتطلب منهجية عمل متكاملة تبدأ بتأهيل البنية التحتية والصيانة الدورية لخطوط الإنتاج إلى تأمين مستدام لمدخلات الإنتاج بالمواصفة والجودة المطلوبة، وصولاً إلى اليد العاملة الخبيرة وليس انتهاءً بمكافحة الفساد بالرقابة الاستباقية والمتابعة الفعالة والجدية لكل حلقة من سلسلة الإنتاج حتى كوّة البيع للمواطنين.
فالخبز ليس مجرد سلعة، بل مرآة لكرامة الناس وأمانهم الاجتماعي والاستقرار اليومي لكل بيت.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1282
رشا عيد