قراءة أولية في مسودة مشروع قانون العدالة الانتقالية
تُعد مسودة مشروع قانون العدالة الانتقالية محاولة تشريعية طموحة لمعالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً في التاريخ السوري الحديث: إرث الانتهاكات الجسيمة الممتدة منذ عام 1970 وحتى نهاية عام 2024. فالمشروع لا يكتفي بوضع إطار للمحاسبة الجنائية، بل يسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس الحقيقة، والإنصاف، وعدم التكرار.
غير أن الطموح التشريعي، مهما كان مشروعاً، لا يعفي النص من النقد. فالعدالة الانتقالية، بطبيعتها، سيف ذو حدين: يمكن أن تكون أداة للإنصاف والمصالحة، كما يمكن– إذا أسيء تصميمها أو تطبيقها– أن تتحول إلى أداة إقصاء أو انتقائية سياسية. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة لتسليط الضوء على بعض النواقص البنيوية، والمخاطر العملية، والمواد الملتبسة في مسودة المشروع.
الطموح مقابل القابلية للتنفيذ
أبرز ما يلفت في المسودة هو اتساع نطاقها الزمني والموضوعي. فالقانون يغطي أكثر من خمسة عقود من الانتهاكات، ويشمل منظومة متكاملة من الآليات القضائية وغير القضائية، والإصلاح المؤسسي، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة.
هذا الاتساع، وإن كان مفهوماً من زاوية أخلاقية، يطرح إشكالية جدية من زاوية التنفيذ. فالمسودة لا تتضمن أي تدرج مرحلي أو ترتيب للأولويات، ولا تميز بين مراحل تاريخية مختلفة من حيث طبيعة الانتهاكات أو السياق السياسي. والنتيجة المحتملة هي إما شلل مؤسسات العدالة الانتقالية تحت عبء الملفات، أو اللجوء إلى انتقائية عملية غير منصوص عليها قانوناً.
مركزية مفرطة للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية
تمنح المسودة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية صلاحيات واسعة للغاية: التنسيق بين المسارات، الوصول غير المقيد إلى السجلات، الاستدعاء، إنشاء مؤسسات تابعة، وقبول الدعم المالي والفني.
المشكلة لا تكمن في مبدأ الاستقلال، بل في غياب آليات رقابة فعّالة على الهيئة. فالمسودة لا توضح بشكل كافٍ:
كيفية اختيار أعضاء الهيئة ومعايير النزاهة والتمثيل.
أدوات المساءلة البرلمانية أو القضائية.
الضمانات ضد التسييس أو تضارب المصالح.
ويكمن الخطر في أن تتحول الهيئة، بحكم الواقع، إلى سلطة فوق السلطات، تُعيد إنتاج مركزية القرار بدل تفكيكها.
إشكالية القضاء المتخصص وخطر الاستثناء
تنص المسودة على إنشاء دوائر قضائية متخصصة للعدالة الانتقالية، وهو خيار له ما يبرره في الجرائم المعقدة. غير أن النص لا يحسم بشكل واضح العلاقة بين هذه الدوائر والقضاء العادي، ولا يضع آلية واضحة لحل تنازع الاختصاص.
في السياق السوري، حيث ارتبط مفهوم القضاء الاستثنائي تاريخياً بالانتهاكات، يثير هذا الغموض مخاوف جدية من الطعن بشرعية هذه الدوائر أو اعتبارها قضاءً خاصاً، ما قد يقوض ثقة الضحايا ويضعف متانة الأحكام الصادرة عنها.
المحاسبة الجنائية بين الردع والسلم الأهلي
يتبنى المشروع مقاربة صارمة في التجريم والعقاب، تشمل الإعدام والسجن المؤبد لبعض الجرائم. ورغم مشروعية مبدأ عدم الإفلات من العقاب، إلا أن المسودة لا تقدم نقاشاً كافياً حول التوازن بين العدالة الجنائية والمصالحة المجتمعية.
فالعديد من تجارب العدالة الانتقالية المقارنة اختارت تقييد العقوبات القصوى أو ربطها بشروط خاصة، بهدف منع إعادة إنتاج العنف. أما في المسودة الحالية، فيبقى السؤال مفتوحاً حول أثر العقوبات المشددة على السلم الأهلي في مجتمع ما زال يعاني من النزاع الدموي الطويل.
الجهات المتدخلة في الحرب خارج إطار النظام البائد
تحسب للمسودة إقرارها الصريح بأن الانتهاكات لم تقتصر على النظام البائد، بل شملت جميع الأطراف التي شاركت في النزاع المسلح بعد عام 2011. غير أن هذا الإقرار يبقى، إلى حد بعيد، إقراراً نظرياً.
فالقانون لا يضع آليات واضحة للتعامل مع:
سلطات الأمر الواقع.
الفصائل المسلحة التي لم تُهزم أو تُدمج.
المقاتلين الأجانب.
القوى الإقليمية والدولية المتدخلة.
وبغياب أدوات إلزام أو تعاون قضائي دولي، يبقى خطر العدالة الانتقائية قائماً، بحيث تطال المساءلة من فقدوا الحماية السياسية أو العسكرية فقط.
فحص السجلات والإقصاء المقنّع
تنص المادة المتعلقة بفحص السجلات على عزل كل من يثبت تورطه أو تبريره أو إنكاره للانتهاكات من شغل وظائف عامة وخاصة واسعة النطاق. ورغم أهمية تفكيك منظومات الانتهاك، فإن الصياغة الحالية تفتح الباب أمام إقصاء إداري واسع قد يستند إلى تقارير غير قضائية.
الخطر هنا مزدوج:
خلق مظالم جديدة باسم العدالة.
دفع فئات اجتماعية كاملة إلى الشعور بالاستهداف، ما يهدد السلم الأهلي بدل تعزيزه.
تجريم إنكار الجرائم بين حماية الذاكرة وخطر تقييد التعبير
تُعد المادة التي تجرّم إنكار جرائم النظام
البائد من أكثر المواد التباساً في مسودة المشروع. فبينما يهدف النص إلى مكافحة الخطاب التحريضي وتبرير الجرائم الجسيمة، فإن الصياغة الفضفاضة لا تميز بوضوح بين الإنكار الدعائي المقصود وبين النقاش الأكاديمي أو البحث التاريخي أو النقد القانوني للأحكام.
وفي غياب هذا التمييز، يبرز خطر حقيقي يتمثل في استخدام هذه المادة لتقييد حرية التعبير أو فرض سردية رسمية مغلقة، وهو ما يتعارض مع فلسفة العدالة الانتقالية القائمة على كشف الحقيقة عبر التعددية والشفافية، لا عبر التجريم الواسع.
العقوبات المالية والتغريم بالذهب– حين تلتبس العدالة بالجباية
تثير مسودة مشروع قانون العدالة الانتقالية إشكالية عميقة في مقاربتها للعقوبات المالية، ولا سيما اعتمادها على الغرامات المرتفعة المقدّرة بالذهب. ورغم أن هذا الخيار قد يُبرر تقنياً بالرغبة في حماية القيمة الردعية للعقوبة في ظل التضخم، إلا أنه، في السياق السوري الراهن، يبعث برسالة مقلقة توحي بأن الجباية قد تشكل إحدى الغايات الضمنية للتشريع.
فالعدالة الانتقالية ليست سياسة مالية، ولا يجوز أن تتحول العقوبة فيها إلى مورد إيرادي للدولة، خصوصاً في ظل أزمة اقتصادية خانقة وغياب شرعية تمثيلية مكتملة. كما أن غياب الربط الصريح والملزم بين الغرامات المالية وجبر الضرر المباشر للضحايا يفرغ العقوبة من بعدها الإنصافي، ويحولها إلى إجراء عقابي ذي طابع مالي بحت.
ويزداد هذا الخطر حدة مع اعتماد معيار الذهب في تقدير الغرامات، بما يفتح الباب أمام استهداف الفئات الأضعف اجتماعياً، ويعزز مخاطر الانتقائية والابتزاز والتسويات غير الشفافة، بدل أن يسهم في تحقيق الردع والإنصاف. ومن ثم، فإن إعادة النظر في فلسفة العقوبات المالية، وربطها الواضح بجبر الضرر لا بالخزينة العامة، تشكل شرطاً أساسياً للحفاظ على صدقية مسار العدالة الانتقالية.
العدالة الانتقالية وإشكالية الشرعية السياسية
لا يمكن مقاربة مسودة مشروع قانون العدالة الانتقالية بمعزل عن السياق السياسي والمؤسسي الذي يُفترض أن تُطبق فيه. فالحكومة القائمة هي حكومة مؤقتة بحكم الأمر الواقع، ولا يوجد مجلس شعب منتخب بتمثيل حقيقي يعكس الإرادة الشعبية، ما يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بشرعية تشريع مصيري من هذا النوع.
إن العدالة الانتقالية، في جوهرها، ليست مجرد إطار قانوني أو مجموعة آليات إجرائية، بل هي عقد وطني جديد يفترض أن ينبثق عن توافق مجتمعي واسع، لا عن سلطة انتقالية محدودة الصلاحيات. ومن هذا المنطلق، تبدو الضرورة الوطنية ملحة لعقد مؤتمر وطني عام يضم مختلف مكونات المجتمع السوري بتمثيلاته السياسية والمجتمعية، ويؤسس فعلياً لمرحلة انتقالية واضحة المعالم.
ويفترض بهذا المؤتمر أن يفضي إلى:
تشكيل جسم حكم انتقالي يتمتع بشرعية سياسية وتمثيلية.
وضع دستور جديد يُطرح للاستفتاء الشعبي العام.
إعادة بناء السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس الاستقلال والفصل والتوازن.
وتنظيم انتخابات نزيهة بموجب قانون انتخابي تمثيلي، عادل، وعصري.
من دون هذه الضمانات السياسية والمؤسسية، يبقى خطر انزلاق العدالة الانتقالية نحو عملية مبتورة تُدار من أعلى، وتفتقر إلى السند الشعبي، وقد تتحول– مهما حسنت النوايا– إلى أداة انتقائية أو إجرائية، بدل أن تكون مساراً وطنياً جامعاً لتحقيق الحقيقة والمساءلة والمصالحة المستدامة.
النجاح مشروط
تشكل مسودة مشروع قانون العدالة الانتقالية خطوة من حيث اللغة الحقوقية والاعتراف الواسع بالضحايا. غير أن نجاحها الحقيقي يظل مرهوناً بتوافر شرطين متلازمين: تصويب النص ذاته لمعالجة نواقصه ومخاطره، وتوفير بيئة سياسية انتقالية ذات شرعية تمثيلية قادرة على تطبيقه بعدالة ومن دون انتقائية.
فمن دون مسار سياسي تأسيسي واضح، قد تتحول العدالة الانتقالية من أداة لإنصاف الضحايا وبناء السلم الأهلي، إلى عبء إضافي على مجتمع لم يبرأ بعد من آثار النزاع. أما إذا اقترنت بإرادة وطنية جامعة، ومؤسسات شرعية، وضمانات دستورية، فإنها قد تشكل بالفعل حجر الزاوية في بناء دولة القانون والمواطنة في سورية الجديدة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264