زيادة تعرفة كشفية الأطباء في سورية
كشف نقيب أطباء سورية «مالك العطوي» في تصريح لصحيفة «الوطن» بتاريخ 29/1/2026 «أن النقابة رفعت مقترحاً إلى وزارة الصحة لرفع التعرفة للوحدات الطبية، بما في ذلك تعرفة كشفية الأطباء وسيتم تقسيم التعرفة الجديدة إلى شرائح، مضيفاً أن الوزارة لم تصدر القرار الخاص بهذا الموضوع على الرغم من أن المقترح تم رفعه منذ شهرين، وبالتالي فالنقابة رفعت منذ أيام كتاب استعجال للوزارة».
بصرف النظر عن السبب وراء تجاهل الوزارة أو تأخرها في التعامل مع هذا الموضوع وإصدار قرار بشأنه رغم حساسية وأهمية تحديد تعرفة كشفية الطبيب لضبط الفوضى والتفاوت الحاصل في تقاضي الكشفيات.
فهناك تساؤلاً مُلّحاً: هل التعرفة الجديدة ستكون ضمن رؤية شمولية وعادلة ومنصفة للجميع أم مجرد تغطية رسمية لمزيد من الارتفاع العشوائي؟!
شرعية الحق أمام فوضى الواقع
لا يجادل عاقل في الحق المشروع للطبيب «كمهنة» في الحصول على أجر عادل يتناسب مع سنوات دراسته الطويلة واختصاصه وخبرته، إلى غير ذلك من تكاليف مرتفعة أساسية لممارسة المهنة كالعيادة وتجهيزاتها كما وضعه المعيشي.
فالتصريح من قبل نقيب الأطباء الذي أكد «أن هناك أطباء يتقاضون معاينة ما بين 300-400 ألف ل.س وقد تصل إلى 500 ألف ل.س»، بمثابة اعتراف رسمي صريح بانتقال عدوى سياسة السوق الحر المفتوح غير المنضبط وتحرير الأسعار إلى مهنة إنسانية كالطب وكأنها «سلعة»، علماً أنه يفترض أن تدار وفق معايير أخلاقية اجتماعية وإنسانية بدلاً من ترك المرضى تحت رحمة استغلال البعض من ضعاف النفوس الذين ينظرون للمريض «كفريسة» وحوّلوا الكثير من العيادات إلى سوق مضاربة حيث تُحدد الكشفية أو المعاينة وفق مبدأ «القدرة على نهب المريض» دون رحمة أو شفقة على حساب صحته وتردي معيشته ومحدودية دخله «إن وجد».
معايير لتحديد الكشفية
هنا يكمن جوهر الأمر، فلم تُذكر نسبة واضحة في التصريح أعلاه بل جرى الحديث عن تقسيم التعرفة إلى شرائح، ما يجعل التحديد هلامياً لكونه لم يُرفق بآلية واضحة وشفافة تحدد معايير هذه الشرائح.
فحسب التجارب السابقة لتحديد تعرفة الكشفية كان يؤخذ بعين الاعتبار الاختصاص وسنوات الخبرة، لكن اليوم هذا البند وحده لا يكفي لتحقيق العدالة، فيجب أن تُحدد بشكل مدروس وشامل لعدة اعتبارات تبدأ من موقع العيادة ومساحتها وتكلفة إيجارها، (علماً أن مكان العيادة ليس مقياساً لخبرة الطبيب)، بالإضافة إلى توفر أو عدم توفر التجهيزات الطبية ودرجة حداثتها وتقانتها للوصول إلى الدقة العالية في العمل والتشخيص، كجهاز الإيكو أو جهاز تخطيط القلب والأعصاب، التي قد تبرر كشفية أعلى، إلى الاختصاص وسنوات الخبرة، فجراح الأعصاب الذي تجاوزت خبرته الـ 10 سنوات ليس كالطبيب حديث المهنة الذي ما زال في بداياته، وأيضاً النظر إلى الاختصاصات النادرة أو الجراحية مقارنة بالعامة أمام هجرة الأطباء ذوي الكفاءات والخبرات خلال سنوات الحرب واستمرارها إلى يومنا، فسورية لم تستطع الحفاظ على كوادرها المؤهلة بسبب السياسات التطفيشية المستمرة إلى تاريخه مما أدى إلى ندرة الأطباء وخاصة في الاختصاصات النوعية، وصولاً إلى الاعتبار الأهم وهو مراعاة الوضع المعيشي للغالبية المفقرة من السوريين وعدم تحميل المريض أعباء إضافية، فالتضخم طال الجميع وفاق أي زيادة على الدخل المحدود.
فأي معادلة خارج هذه الاعتبارات أو المعايير تعد فاشلة لأنها ليست مجرد رقماً معزولاً، بل حلقة في سلسلة تبدأ بالكشفية ولا تنتهي بدفع فواتير من الأدوية والتحاليل الطبية والصور الشعاعية وغير ذلك مما يتطلبه التشخيص والعلاج.
الرقابة، الضمان الوحيد للنجاح
التجارب السابقة تثبت أن أي قرار دون آلية رقابية صارمة وعقوبات رادعة يبقى حبراً على ورق، فلا يعوّل على ضمائر البعض من الأطباء ومدى الالتزام بأخلاقيات المهنة، فيجب الإعلان عن التعرفة الجديدة بشكل واضح في العيادات مع محاسبة الطبيب عن مخالفة الكشفية المحددة رسمياً بإنذار للطبيب أولاً ثم إحالته لمجلس تأديبي وعند تكرار المخالفة إغلاق العيادة.
فغياب الرقابة سيدفع المريض إلى المكابرة على ألمه أمام أعباء تثقل كاهله وتفرغ جيبه المفقر أساساً فتدفعه إلى تأجيل العلاج أو التخلي عنه، ليتحول الحق في الصحة إلى سلعة ترفيهية.
والمطلوب ليس مجرد زيادة بل إصلاحاً هيكلياً ونموذجاً دقيقاً ومدروساً يأخذ بالاعتبارات السابقة ويراعي كل الأطراف، سواء المريض أو الطبيب، فالقرار السليم والمدروس لا يأتي بين ليلة وضحاها بل يتطلب جهداً مؤسساتياً جماعياً عبر لجنة مشتركة مع الجهات المعنية بما في ذلك القوى المجتمعية.
فالمسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون اقتصادية، مسؤولية لبناء عقد اجتماعي طبي جديد في سورية يحفظ كرامة وحق الطبيب والمريض، كي لا تتحول مهنة الطب إلى تجارة أو صفقة عنوانها الاستغلال والجشع!
والأهم من كل ذلك التوجه الحكومي الجاد للنهوض بالقطاع الصحي العام واستعادة الدور الرعائي للدولة والقيام بمسؤولياتها بحماية المواطن وتأمينه صحياً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264
رشا عيد